أطفال فلسطينيون يلعبون كرة القدم خلال أحد أنشطة "الأونروا" في الضفة الغربية (أرشيف)
أطفال فلسطينيون يلعبون كرة القدم خلال أحد أنشطة "الأونروا" في الضفة الغربية (أرشيف)

بقلم حسين عبد الحسين/

يبدو أن كل الحديث عن القوى العظمى البديلة، التي يفترض أنها ستملأ الفراغ الأميركي حول العالم ـ من الصين الصاعدة إلى روسيا الواعدة، فدول "بريكس" و"محور المقاومة" ـ كلام فارغ.

خفضت الولايات المتحدة مساهمتها في الميزانية السنوية لـ"وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" (أونروا) من 364 مليون دولار إلى 60 مليونا، فقلصت الوكالة من تقديماتها إلى اللاجئين الفلسطينيين بشكل جذري صار يثير تظاهرات دورية في صفوف عاملي الوكالة واللاجئين. ثم التقت قوى العالم لسد الفراغ الأميركي، فقدمت مجتمعة 54 مليون دولار وبقيت الوكالة بحاجة إلى 250 مليونا إضافية.

لا شك أن منظمة الأمم المتحدة هي فكرة رائدة وطليعية، لكن تجربتها لم ترتق إلى الطموحات التي انعقدت عليها

​​الظريف في الأمر أنه حتى بالنسبة للعاملين في حقل الإعلام والسياسة، لم تكن غالبية هؤلاء على دراية بحجم المساهمة الأميركية السنوية في ميزانية الأونروا، فلا واشنطن كانت تعلن هذه الأرقام لمحاولة الإفادة منها سياسيا ولا غالبية الفلسطينيين أبدت يوما أي شكر أو تقدير للأميركيين وأموالهم، بل قد يكون الفلسطينيون من أكثر من يكيلون الشتائم للولايات المتحدة. جزء من شتائم الفلسطينيين لأميركا سببه تحالف أميركا مع إسرائيل، وجزء آخر سببه خطاب معاداة الإمبريالية السائد خارج الغرب.

من الخطوة الأميركية تجاه الأونروا ونتائجها يمكن استخلاص بعض الدروس؛ أولها أن الزعامة الأميركية للعالم لا تزال من دون منازع وأن الحديث عن قوى بديلة، مثل الصين أو روسيا أو غيرها، هو من باب الترفيه والدردشة فحسب، فإما إن هذه القوى البديلة غير قادرة على سد الفراغ الأميركي أو أن هذه القوى قادرة ولا تكترث بالفلسطينيين والعرب ولا مصالحهم على الرغم من علاقة الود بين هذه القوى البديلة والعرب والفلسطينيين.

اقرأ للكاتب أيضا: الحاج زياد الرحباني

ثاني الدروس أن أميركا لم تكن غافلة عن معاناة اللاجئين الفلسطينيين يوما منذ اندلاع أزمتهم قبل نحو 70 عاما، والدليل هو السخاء الأميركي الذي لا تضاهيه أي من تبرعات الشعوب الأخرى تجاه اللاجئين الفلسطينيين وشؤونهم واستشفائهم وتعليمهم، وهو ما يعني أن كل هذه العقود من الحديث عن التآمر الأميركي ضد الفلسطينيين هو ثرثرة سياسية.

ثالث الدروس هو أن على العالم أن يعي أن أميركا كفلت النظام العالمي على مدى عقود ومولته ودافعت عنه اعتقادا منها أن هذا النظام يصب في مصالحها الاستراتيجية. لكن عندما تصبح مؤسسات الأمم المتحدة ألعوبة في أيدي الدول المعادية لأميركا وعندما يصبح من يثيرون السخرية أعضاء في لجان المنظمة الدولية، مثل ترؤس "سورية الأسد" للجنة مكافحة الأسلحة الكيماوية والنووية، أو عندما تكون الدول الأعضاء في "مجلس حقوق الإنسان"، مثل الصين وكوبا، هي في طليعة الدول التي تمعن في تجاوز هذه الحقوق، وقتذاك يعني أن أميركا تنفق أموال دافعي ضرائبها هباء والأجدى إعادة النظر في المنظومة العالمية ومنظمتها.

أميركا لم تكن غافلة عن معاناة اللاجئين الفلسطينيين يوما منذ اندلاع أزمتهم قبل نحو 70 عاما

​​لا شك أن منظمة الأمم المتحدة هي فكرة رائدة وطليعية، لكن تجربتها لم ترتق إلى الطموحات التي انعقدت عليها وهو ما يتطلب إصلاحها وإصلاح النظام الدولي العالمي المريض بأسره، فإما أن تتكاتف دول العالم وتمتثل للقوانين الدولية وفي طليعتها تسديد ما عليها لتأمين حسن سير المنظمة، أو لا مصلحة لأميركا في الاستمرار في تمويل مؤسسة جل ما تفعله هو محاولة إدانة الولايات المتحدة وتصويرها كوحش عالمي كاسر.

أما اللاجئون الفلسطينيون، فقد لا يضيرهم كلمة لطيفة تجاه الدول المانحة للأونروا، وفي طليعتها أميركا، فهذه هي الآداب التي تحكم العلاقة بين المانحين ومتلقي المنح إذ لا يعقل أن يستمر الشعب الأميركي بالتمويل، وبسخاء، لعمل مدارس تنجب طلبة متمرسين في معاداة الولايات المتحدة.

اقرأ للكاتب أيضا: أبناء الثورة السورية يأكلونها

في الفترة القصيرة التي ترأس فيها محمد مرسي مصر، أنفق جل وقته وتصريحاته في الحديث عن نية حكومته نقل مصر من معسكر الولايات المتحدة إلى معسكر القوى البديلة، وكرر أن مصر تنوي الانضمام إلى "بريكس". وتلا مرسي الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي يزور موسكو بين الحين والآخر لاعتقاده أنه يمكنه بذلك إثارة غيرة واشنطن، وسط حديث عن إمكانية منحه روسيا حقوق إقامة قواعد عسكرية في مصر. المسألة هنا سهلة، إذا أراد السيد السيسي الانتقال إلى معسكر روسيا فلتقدم روسيا له ملياري دولار سنويا كمساعدة.

يمكن للسيد السيسي، أو لأي من العرب ممن يستخفون بصداقتهم مع أميركا، النظر إلى الأونروا والحكم بأنفسهم: أين هي القوى البديلة التي ستسندهم في حال تخليهم عن الولايات المتحدة؟ ولما لا يمول "أصدقاء الفلسطينيين" الأونروا للتعويض عن تخفيضات (لا وقف) أميركا مساهمتها؟

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.