منشأة نفطية في بلدة البراقة شمال ليبيا
منشأة نفطية في بلدة البراقة شمال ليبيا

بقلم بين فيشمان/

في 21 حزيران/يونيو، استعاد الجنرال خليفة حفتر، قائد "الجيش الوطني الليبي"، محطتين من أكبر محطات ليبيا النفطية بعد أن استولى عليهما إبراهيم جضران وهو قائد مليشيا في وقت سابق من ذلك الشهر. ثم قام حفتر بتصعيد موقفه في 25 حزيران/يونيو بإعلانه أنه لن يعيد المنشآت إلى "مؤسسة النفط الوطنية الليبية"، بل إلى منافستها في شرق البلاد، التي تخضع لسلطة الحكومة غير المعترف بها في الشرق. ومن ثم في 29 حزيران/يونيو، منع حفتر محطتين إضافيتين في الشرق من تفريغ النفط. ووفقا لـ"مؤسسة النفط الوطنية الليبية"، أدت تلك الخطوات إلى خفض إجمالي الصادرات بنحو 850 ألف برميل يوميا انطلاقا من معدل يقارب مليون برميل في اليوم. وكلما بقيت الصادرات خارجة عن التداول، كلما خسرت ليبيا المزيد من العائدات المهمة للحفاظ على اقتصادها المتعثر.

وتشكل الخطوة الأخيرة التي اتخذها حفتر ـ الذي عاد إلى ليبيا في أواخر نيسان/أبريل بعد تعرضه على ما يبدو لوعكة صحية خطيرة ـ التهديد الأكبر للوحدة الهشة في البلاد منذ الحرب الأهلية التي عصفت بها عامي 2014 و2015. بالإضافة إلى ذلك، فبعد مرور شهر واحد فقط من انضمام حفتر إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وثلاثة من القادة السياسيين الليبيين الآخرين في باريس لإطلاق عملية الانتقال السياسي الخاملة في البلاد بقيادة الأمم المتحدة، اختار الجنرال أخذ البلاد رهينة عن طريق فرض حصار اقتصادي. وما لم تتصرف الولايات المتحدة وحلفاؤها بحزم للحفاظ على سلطة "حكومة الوفاق الوطني" على النفط في البلاد، قد تؤدي لعبة السلطة التي يخوضها حفتر إلى إعادة انزلاق ليبيا إلى حرب أهلية أو إلى انقسام فعلي بين شرق البلاد وغربها، ناهيك عن قضائها على آفاق التوصل إلى حل سياسي. فبالنسبة إلى رجل تناولت الشائعات مؤخرا وفاته، نفذ حفتر مناورة شديدة العدوانية.

اقتصاد النفط الليبي

ليس هناك شك في أن عدوانية جضران أثارت حالة عدم الاستقرار الأخيرة، إذ إن استيلاءه على الموانئ المركزية أبعد حوالي 400 ألف برميل يوميا عن التداول. ولكن بعد استعادة حفتر للمحطتين النفطيتين، قام بتأجيج الأزمة بإعلانه أنه لن يعيدهما إلى "مؤسسة النفط الوطنية الليبية". ثم أبعد كمية أخرى توازي 450 ألف برميل يوميا عندما كان يحاصر الموانئ الشرقية، تاركا بذلك المحطات الغربية ـ الأقل إنتاجا بكثير ـ الوحيدة التي تعمل وفقا لسعتها الاستيعابية. وحذرت "مؤسسة النفط الوطنية الليبية" من أن هذه الخسائر ستكلف 67.4 مليون دولار يوميا، وتمنع الإمدادات المحلية إلى محطتي طاقة أساسيتين في الشرق، وتسبب ضررا بيئيا كبيرا.

قد تؤدي لعبة السلطة التي يخوضها حفتر إلى إعادة انزلاق ليبيا إلى حرب أهلية

​​وفي الواقع، تمول صادرات النفط والهيدروكربونات الأخرى الغالبية العظمى من ميزانية الحكومة الليبية وتشكل نواة الاقتصاد الوطني المختل. وتنسق "مؤسسة النفط الوطنية الليبية" عملية إنتاج النفط وبيعه، وتعود إيراداته إلى "مصرف ليبيا المركزي"، الذي يقوم بدوره بتمويل الخدمات الحكومية ورواتب القطاع العام المضخمة. وأدت الزيادات الأخيرة في إنتاج النفط في ليبيا، مقترنة بارتفاع أسعار النفط العالمية، إلى مساعدة البلاد على تجنب حدوث أزمة اقتصادية بسبب انخفاض احتياطات "مصرف ليبيا المركزي". وفي ظروف أخرى، كانت البلاد الغنية بالنفط ستجد نفسها مرغمة على تحمل ديون كبيرة، مع اضطرار حكومتها الضعيفة في الأصل إلى إجراء تخفيضات غير مستساغة في رواتب القطاع العام مع إزالة إعانات الوقود وغير ذلك من المساعدات.

وفي اقتصاد ليبيا الحالي الهش، أدى العجز النقدي بالإضافة إلى الإعانات الكبرى للوقود ومنتجات أخرى إلى تفعيل سوق سوداء موازية واقتصاد قائم على التهريب. ولكن طالما بقيت صادرات النفط قريبة من المليون برميل يوميا، لم تكن ليبيا عرضة لخطر الانهيار المالي. وبالمثل، حافظت الصادرات الثابتة على ما يكفي من الاستقرار لكي يتسنى للمجتمع الدولي النظر في حل سياسي ودعمه.

دوافع الجنرال

عندما استعاد حفتر المحطتين المركزيتين في 21 حزيران/يونيو، قرر، كما أشير من قبل، عدم إعادتهما إلى "مؤسسة النفط الوطنية الليبية"، بل إلى "مؤسسة نفط وطنية ليبية" بديلة مقرها في الشرق. وقد يكون لهذه الهيئة، التي تضم موظفين سابقين في "مؤسسة النفط الوطنية الليبية"، بعض الاتصالات والقدرات التقنية لتنظيم المبيعات، لكن عليها إيداع العائدات ومن ثم توزيعها بمساعدة من "مصرف مركزي" بديل يشوبه الغموض في الشرق. ومن شأن مثل هذه التدابير أن تنتهك بوضوح قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2146، الذي يمنح الدول الأعضاء تفويضا بموجب الفصل السابع لاعتراض شحنات النفط غير القانونية من ليبيا وإعادتها إلى سيطرة الحكومة الليبية، التي تعرف حاليا بـ"حكومة الوفاق الوطني". وفي 2 تموز/يوليو، ناشد رئيس "مؤسسة النفط الوطنية الليبية" مصطفى صنع الله، لجان العقوبات الخاصة بليبيا التابعة للأمم المتحدة فرض عقوبات على المؤسسة التي تعتبر خصما لها في بنغازي، وعلى أكثر من أربعين فردا وهيئات إضافية على خلفية استيلائهم غير الشرعي على مبيعات النفط.

وقد برزت هذه التحديات للوضع الراهن المنبثقة عن حفتر وحلفائه في الشرق بعد مرور شهر واحد فقط على المؤتمر الذي انعقد في باريس 29 أيار/مايو، عندما جمع ماكرون الجنرال الليبي مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس الوزراء فايز السراج ورئيس "المجلس الأعلى للدولة" خالد المشري. وكان هدف ماكرون هو إقناع هؤلاء القادة السياسيين بالموافقة على دعم "خطة عمل الأمم المتحدة لليبيا" من خلال إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بحلول 10 كانون الأول/ديسمبر. ولعل من المفارقات أن الجدول الزمني الذي حدده الرئيس الفرنسي قد هيأ حفتر لسباق رئاسي، كان الفوز به سيمنحه لقب القائد العام للقوات المسلحة الليبية الذي طالما سعى إلى نيله. كما أشار البيان المشترك الصادر في باريس إلى وجوب إجراء الانتخابات على "أساس دستوري". وإذا تم اعتماد مسودة الدستور الحالية أو موادها الأساسية، فإن ذلك سيحول النظام السياسي في ليبيا من نظام برلماني ضعيف إلى نظام رئاسي قوي.

تمول صادرات النفط والهيدروكربونات الأخرى الغالبية العظمى من ميزانية الحكومة الليبية وتشكل نواة الاقتصاد الوطني المختل

​​وعلى الرغم من موقف حفتر الملائم على ما يبدو، المدعوم من الاعتراف باسمه وغياب مرشح بديل، اختار الجنرال عدم الانتظار حتى إجراء انتخابات محتملة في كانون الأول/ديسمبر، التي قد يتم تأجيلها للعديد من الأسباب الفنية أو السياسية. ومتفاخرا بنجاحه بعد انتصاره في أيار/مايو على القوات الإسلامية في درنة، استولى حفتر حاليا على اقتصاد ليبيا. وقد يستخدم سيطرته على موارد النفط سعيا وراء نفوذ أكبر على المؤسسات المركزية الليبية، أي "مصرف ليبيا المركزي" و"مؤسسة النفط الوطنية الليبية"، أو يستعد لشن هجوم في الغرب باستخدامه القدرات المحسنة التي أظهرها في هجوم درنة. وفي أي من الحالتين، يتحدى حفتر الإجماع الدولي وراء "خطة عمل الأمم المتحدة" كونها السبيل نحو إرساء الاستقرار في ليبيا.

الخيارات الأميركية

إذا أرادت واشنطن إنهاء هذه الأزمة بأسرع وقت ممكن، فعليها أن تعلن بوضوح أنها ستعمل على منع المبيعات غير المصرح بها للنفط الليبي، تماما كما فعلت في آذار/مارس 2014 عندما اعترضت "القوات الخاصة" التابعة للبحرية الأميركية ناقلة بترول تحمل 200 ألف برميل من النفط الخام ـ الذي تمت مصادرته بصورة غير قانونية ـ وأعادتها إلى طرابلس. إن إعادة التأكيد على التزام الولايات المتحدة بتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2146، بالإضافة إلى إصدارها بيان يحث الليبيين على معالجة الوضع بسرعة، من شأنهما ردع المشترين المحتملين، واختبار إرادة حفتر، والتوافق مع جهود إدارة ترامب الرامية إلى زيادة إنتاج النفط العالمي من أجل خفض الأسعار.

بإمكان الولايات المتحدة، إلى جانب حلفائها، أن تشدد أيضا على رسالة توضح بالتفصيل كيف يؤدي إغلاق منشآت النفط في أي جزء من ليبيا إلى إلحاق الضرر بجميع سكان البلاد، مع تسليطها الضوء بشكل خاص على الأثر المحلي لإغلاق مصافي النفط.

وقد لا يكون لحفتر خطوة تالية يزمع اتخاذها بعد سيطرته على معظم محطات النفط الليبية. ولكن ما لم يشعر بردع ملحوظ من قبل المجتمع الدولي ـ خاصة من فرنسا، التي قام للتو بتحويل الأنظار عن مؤتمرها ـ سوف يستمر في تجاهل مسار سياسي لصالح مسار قائم على القوة.

بين فيشمان، هو زميل مشارك في معهد واشنطن، وعمل مديرا لشؤون شمال أفريقيا في "مجلس الأمن القومي" الأميركي في الفترة 2011 ـ 2013.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

General view of George Floyd's memorial site during the first morning after all four officers involved have been criminally…
مواطنون أمام موقع تخليد ذكرى جورج فلويد

تلقي جريمة القتل الوحشية للمواطن الأميركي من أصل أفريقي جورج فلويد على يد ضابط الشرطة ديريك شوفين وثلاثة من زملائه البيض في مدينة منيابولس بولاية مينيسوتا، الضوء ليس فقط على قضية العنصرية، والتي لا تزال تعاني منها الولايات المتحدة رغم مرور سنوات طويلة على إلغاء العبودية، ولكن أيضا على مفارقات في بعض المدن الأميركية التي يصعب فهمها في ظل السياق الطبيعي للأحداث.

وجهان لمدينة واحدة

إحدى هذه المفارقات هي، كيفية فهم التناقض بين كون منيابولس، واحدة من بين أكثر المدن الأميركية ليبرالية وانفتاحا وذات تنوع عرقي وسجل ناصع في القبول والترحيب بالمهاجرين من ناحية، ومن ناحية أخرى لا تزال المدينة تعاني من مشاكل عنصرية حقيقية، سواء على مستوى المؤسسات، كما هو حال أجهزة الشرطة أو إنفاذ القانون، أو في توزيع الموارد بين السكان أو التخطيط الاجتماعي والعمراني.

هذا التساؤل طرحته أيضا صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها مؤخرا. فالمدينة، التي يسكنها حوالي 430 ألف نسمة وموزعة ما بين 60 في المئة من البيض و20 في المئة من السود و10 بالمئة من أصول لاتينية وستة في المئة من أصول آسيوية، يديرها مجلس مكون من 12 عضوا من الحزب الديمقراطي وعضو من حزب الخضر. ومن بين هؤلاء يوجد عضوان من المتحولين جنسيا. كما عرفت المدينة باحتفالها الرسمي منذ سنوات بيوم إلغاء العبودية والذي يصادف 19 من يونيو ويعود تاريخه إلى عام 1865.

قضية العنصرية ليست من القضايا التي تحل عبر القوانين وحدها

أكثر من ذلك فإن ولاية مينيسوتا معروفة بترحيبها بالمهاجرين، حيث استقبلت 110 آلاف مهاجر ما بين عامي 1979 و2018، بمن فيهم عشرات الآلاف من المهاجرين الصوماليين خلال التسعينيات، والذين استقر معظمهم في منيابولس، بما في ذلك النائبة الأميركية إلهان عمر التي انتخبت كأول امرأة مسلمة عن إحدى دوائر المدينة.

عنصرية مغلفة بابتسامة

في الوقت نفسه تعاني المدينة، حسبما يقول تقرير نيويورك تايمز، من فوارق عرقية كبيرة بين السكان البيض والسكان من الأعراق الأخرى، حينما يتعلق الأمر بفرص التعليم ومخرجاته، وحظوظ التنمية الاقتصادية وفرص الرعاية الصحية. فالقليل جدا من العائلات من أصول أفريقية تملك منازلها مقارنة بعائلات البيض، كما يهيمن البيض على جهاز الشرطة الذي يتهم منذ عقود بالقيام بممارسات عنصرية، لكن من النادر أن يتعرض أفراده المسيؤون إلى عقوبات تأديبية.

يقول "لورانس آر. جاكوبز" أستاذ العلوم السياسية في جامعة مينيسوتا "إن العنصرية موجودة هنا منذ زمن طويل. تستطيع أن تشاهدها في تخطيط الأحياء وفي نظام التعليم وفي نظام المواصلات وبالطبع في نظام الشرطة".

لكن بالطبع يظل السؤال هو كيف يمكن أن يحدث الأمران معا، تبني القيم الليبرالية وفي نفس الوقت الإبقاء على الإرث العنصري في الوقت نفسه؟

ما جرى في منيابولس وما يجري في المدن الأميركية الأخرى، إذا كان له من معنى، فهو أنه يشكل فرصة لمقاربة هذه القضية بصورة أكثر جذرية

ثمة من يجادل بأن "المظهر" الليبرالي الذي يقدمه بعض السكان أو بعض المدن، ومنها منيابولس ليس حقيقيا، وإنما هو مجرد "قناع" يخفي وراءه مشاكل متجذرة. مشاكل يعجز هؤلاء عن حلها، لأسباب نفسية أو ثقافية أو تاريخية أو عملية، فيلجؤون إلى دفنها تحت السجادة.

يقول روبرت ليليغرين، وهو أول أميركي من السكان الأصليين ينتخب لعضوية مجلس المدينة عام 2001، "هذا هو الشعور العام: أن تقوم بعمل مصطنع، ثم تشعر بأنك قمت بعمل كبير. أن تشكل هيئة تعني بالحقوق المدنية، ومجلس مدني لمراجعة عمل الشرطة، ولكن لا تعطي أي منهم صلاحية لتغيير السياسات أو تغيير النظام".

مقاربة جذرية

بالطبع مثل هذا الكلام يتردد صداه في مدن أميركية أخرى، وفي بعض المناسبات أو الأزمات، لكنه لا يخلو أيضا من التعميم، وهو تعميم قد لا يساعد أحيانا على طرح القضايا بصورة جدية. إذ هو يتغافل عن أن الغالبية في المجتمع الأميركي لا توافق على الممارسات العنصرية، وإن لم تفعل ما يكفي لمكافحتها. وأن هناك عدد كبير من البيض وقفوا وحاربوا طوال عقود ضد الممارسات والقوانين العنصرية في البلاد ودفعوا ثمنا باهظا جراء ذلك. بل هناك من لا يزال منهم حتى اليوم يتصدر الدفاع عن الحقوق المدنية وقضايا الأقليات ومناهضة التمييز على أساس العرق أو الدين أوالجنس... إلخ. كما أن المشاركين في تظاهرات اليوم أو التظاهرات السابقة، لم يكونوا كلهم من السود.

لهذا فإن ما جرى في منيابولس وما يجري في المدن الأميركية الأخرى، إذا كان له من معنى، فهو أنه يشكل فرصة لمقاربة هذه القضية بصورة أكثر جذرية، وخاصة عل مستوى أجهزة الشرطة والجهاز القانوني عموما التي يتعين إصلاحها بشكل يكفل وضع حد لتكرار المآسي التي لحقت ظلما بالسود طوال السنوات الماضية.

أقول ذلك، مع التأكيد على أن قضية العنصرية ليست من القضايا التي تحل عبر القوانين وحدها، ففي الولايات المتحدة توجد قوانين هي الأكثر صرامة ضد التمييز العنصري، ولكنها قضايا تتعلق أيضا بالوعي وتغيير العقول والقلوب معا. وهذا يصح في أميركا كما يصح في غيرها من الدول.