إن الدعوة لاعتماد القراءة التاريخية للنصوص الدينية يعززها أن القرآن لم يهبط دفعة واحدة
إن الدعوة لاعتماد القراءة التاريخية للنصوص الدينية يعززها أن القرآن لم يهبط دفعة واحدة

بقلم بابكر فيصل بابكر/

لا شك أن المطالبة بفتح باب الاجتهاد في قراءة النصوص الإسلامية باتت اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، خصوصا مع ظهور العديد من المشاكل المرتبطة بالتطورات الزمنية والقضايا العصرية المستجدة مثل قضايا الرق والمرأة والقتال والعلاقة مع غير المسلم.

وقد استعرضت في مقال سابق الاجتهاد الذي قدمه المفكر السوداني محمود محمد طه في قراءة آيات القرآن. وأتناول في السطور أدناه ضرورة ربط تفسير الآيات بأسباب النزول وبالسياق التاريخي الذي جاءت فيه.

إن الدعوة لاعتماد القراءة التاريخية للنصوص الدينية يعززها أن القرآن لم يهبط دفعة واحدة كألواح التوراة التي نزلت على النبي موسى الكليم، ولكنه تنزَّل مُنجَّما ومُفرَّقا في 23 سنة، ما يؤكد حقيقة تفاعله مع الواقع التاريخي.

ومن جانب آخر، فإن المناداة بإعمال مبدأ القراءة التاريخية لا تؤثر في قدسية القرآن أو تقدح بأي صورة من الصور في حقيقة تنزله الإلهي، بل تؤكد ديمومته وقدرته على التعامل مع الوقائع المستجدة والمستحدثة.

إن قضية الميراث تعتبر واحدة من القضايا النموذجية التي تستدعي ضرورة القراءة التاريخية للنص القرآني

​​يؤدي التفسير الحرفي للنصوص الدينية إلى نتائج كارثية تتحول معها التعاليم الدينية إلى آلة تدمير متوحشة تتنافى مع الرسالة الأصلية للدين، الهادفة أساسا لخدمة الإنسان، وهذه النتائج تتعارض أيضا مع مقاصد الدين في صون وتعزيز كرامة البشر.

لتوضيح هذه النقطة أضرب مثلا بالقراءة الحرفية التي تتبناها التنظيمات الإسلامية المتطرفة للآية الخامسة من سورة التوبة المعروفة باسم "آية السيف"، قوله تعالى "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة واتوا الزكاة فخّلوا سبيلهم إنَّ الله غفور رحيم".

اقرأ للكاتب أيضا: السودان وحصاد ثلاثة عقود من حكم الإخوان المسلمين

لا يكترث أصحاب تلك القراءة بالسياق التاريخي الذي نزلت فيه الآية أو أسباب نزولها، ويقولون إنها نسخت جميع آيات السلم الواردة في القرآن، ويعتبرون أن قتل المشركين هو أمر إلهي مستمر، وذلك لأن عدم الإيمان بالله والإسلام يعتبر بحد ذاته مبررا لإباحة قتل الإنسان حتى إذا لم يكن هذا الإنسان عدوا محاربا.

في هذا الإطار تقول الدكتورة "لين دافيس" الأستاذة بجامعة برمنغهام في بريطانيا في كتابها المهم "التعليم ضد التطرف"، إن "التفسير الحرفي للنص، ولا سيما النصوص المقدسة، وترجمة ذلك التفسير إلى أفعال يمكن أن يؤدي إلى نتائج مدمرة". وتضيف أن "المعضلة تكمن في ترجمة الأوامر في النصوص المقدسة أو غيرها إلى عمل، لأن الكثير يعتمد على اللغة". وتضرب مثالا لذلك بأنها عندما كانت تدرس في المرحلة الابتدائية أنشدت مع غيرها: "سيروا أيها الجنود المسيحيون إلى الحرب"، ومع ذلك فهي تقول "لا أعتقد أننا في الواقع فهمناها حرفيا، كما أنها لم توجه حياتي أو تجعلني محاربة ـ ليس باسم المسيح على أي حال".

ومن ناحية أخرى، تبرز قضية "العبودية" ضمن القضايا المؤرقة التي تؤدي إليها القراءة الحرفية للنصوص الدينية، خصوصا بعد تنزلها في أرض الواقع من خلال تجربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

يشتمل القرآن على العديد من الآيات التي تتحدث عن ملك اليمين مثل الآية الثالثة من سورة النساء: "وإِن خفتم أَلَا تُقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لَكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإِن خفتم أَلا تعدلوا فواحدة أَو ما ملَكَت أَيمانكم ذلك أَدنى أَلا تعولوا"، وكذلك الآية 24 من نفس السورة: "والْمحصنات من النساء إِلا ما ملَكَت أَيمانكم".

شيد العلماء المسلمون منظومة فقهية متكاملة توضح الكيفية التي يجب أن يعامل بها السبايا والعبيد وفقا لأحكام الآيات القرآنية، وهي المنظومة التي أشار إليها عضو تنظيم "داعش" وخلية البيتلز السوداني ـ البريطاني، الشفيع الشيخ، في الحوار الذي أجرته معه مؤخرا قناة "الآن" الإخبارية من داخل سجنه بمناطق السيطرة الكردية في سورية.

ميزت كتب الفقه الإسلامي بين المسلم الحر والمسلم العبد في الحقوق والواجبات تمييزا واضحا

​​سئل الشفيع الشيخ عن مدى استنكاره لاستعباد وسبي النساء الأيزيديات، فأجاب بالقول: "أستنكر ماذا... العبودية؟ أنا لا أستنكر العبودية. لا... فإذا قررت أميركا إلغاء شيء ما فهذا لا يعني أن كل شخص يجب أن يطيع أميركا ويعتبر ما قالته عملا محظورا لا يحق فعله، والحقيقة أن العبودية موجودة منذ بداية هذه الحياة ومنذ أن وجد الإنسان. لقد تحدثت النصوص الإسلامية عن العبودية وعن حقوق العبيد. هناك فقه كامل حول العبودية وحقوق العبيد وحقوق أصحاب العبيد".

لقد ميزت كتب الفقه الإسلامي بين المسلم الحر والمسلم العبد في الحقوق والواجبات تمييزا واضحا، فكان الأرقاء يقعون ضمن عداد الأشياء والممتلكات والأموال، يباعون ويشترون ويورثون دون حقوق، وكانت الإماء يستخدمن للمتعة الجنسية ولا يتوفرن على حقوق الزوجات الحرائر.

اقرأ للكاتب أيضا: عنصرية العرب تجاه أصحاب البشرة السوداء 'السودانيون مثالا'

وبمرور الزمن، ومع التطور الكبير الذي أصاب المجتمعات الإنسانية، حدثت تحولات كبيرة في موضوع الرق أدت إلى إلغائه، واعتباره جريمة تعاقب عليها القوانين، ويرفضها الضمير السليم، وتأباها الأخلاق الكريمة. وشهدت مدينة جنيف في أيلول/سبتمبر 1962 توقيع الاتفاقية الخاصة بالرق، والتي منعت جميع الصور التي يمكن أن تؤدي بالإنسان إلى أي شكل من أشكال العبودية.

أما فيما يختص بأمر المرأة، فإن قضية الميراث تعتبر واحدة من القضايا النموذجية التي تستدعي ضرورة القراءة التاريخية للنص القرآني. فالتوريث في الاسلام مر بثلاث مراحل تغير فيها الحكم خلال حياة الرسول ثلاث مرات. كان الحكم الأول يقضي بالميراث لذوي الأرحام بدون تحديد ثم نسخ ذلك بآية الوصية ثم نسخ حكم آية الوصية بآية "للذكر مثل حظ الأنثيين"، فإذا كان الحكم قد تغير في زمن الدعوة فقط ثلاث مرات لدواعي تغير الواقع، فمن الأولى أن يكون ذلك درسا للتغيير مرة أخرى مع تغير الواقع الجديد.

إن القضايا المشار إليها أعلاه، القتال والعبودية والمرأة، تمثل جزءا من الموضوعات التي تشكل تحديا أمام العقل المسلم في طريق بحثه عن سبل الخروج بالمجتمعات الإسلامية من حالة الجمود والغيبوبة الحضارية إلى آفاق التقدم والتحديث، وهو الأمر الذي يتطلب في المقام الأول الاجتهاد في قراءة النصوص الدينية بما يتماشى مع روح العصر.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!