عراقي يتفحص أرضه في ظل موجة الجفاف التي تضرب مناطق عراقية
عراقي يتفحص أرضه في ظل موجة الجفاف التي تضرب مناطق عراقية

بقلم حازم الأمين/

ثمة استعصاء في عملية تشكيل الحكومة اللبنانية في أعقاب الانتخابات النيابية التي جرت، يوازيه استعصاء في عملية تشكيل الحكومة العراقية في أعقاب الانتخابات النيابية التي جرت هناك أيضا. وهذه ليست مصادفة، ولا تقتصر أسبابها على تشابه التجربتين، اللبنانية في أعقاب اتفاق الطائف والعراقية في أعقاب سقوط نظام البعث. وليس فشل النخب الحاكمة في كلا البلدين وحده ما يفسر توازي الاستعصاء. ثمة مرض يفسر هذا الاختناق على نحو أوضح، هو "الارتهان"، والنقص الهائل في السيادة الوطنية، وليس من قبيل المصادفة هنا طغيان النفوذ الإيراني وتحويله بيروت وبغداد إلى عاصمتين لطموحاته الإقليمية، وانتقال العملية السياسية في البلدين إلى مخاض وظيفته تأمين مصالح طهران.

وهنا يحضر الاستعصاء بصفته صورة عن تنافس مهمته انتظار نضوج "الطبخة" التي يعدها قاسم سليماني. وإذا كان هذا التشبيه يصح أكثر على الحالة العراقية، فإن طهران متخففة أكثر من تبعات الاستعصاء اللبناني، فنفوذها في لبنان لم يعد عرضة للتجاذب المباشر، وهي إذ تركت مساحات الانقسام للطوائف الأخرى، راحت تتحرك في هذه المساحات مديرة دفة التوترات على نحو يحفظ مواقعها.

حين أقحمت طهران لبنان والعراق في حربها في سورية لم تبد أي حرص على ما جرته هذه المشاركة من تصدعات وانقسامات وانهيارات

​​استعراض مواضع التشابه بين الوضعين العراقي واللبناني يسمح باستشراف مستقبل البلدين في ظل الاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المنطقة. الطائفية المتحكمة بكل مفاصل الحياة السياسية هي أبرز المشتركات، والفساد الهائل في أوساط الطبقتين السياسيتين في كلا البلدين، والتزوير الذي شهدته الانتخابات النيابية في كل من بغداد وبيروت، وتحول نتائج الانتخابات النيابية إلى لحظة عجز عن بلورة سلطة وحكومة. ويشترك العراق مع لبنان في تورطه حتى العنق في الحرب السورية، وفي وظائف إقليمية معيقة للتوافقات الوطنية. سنة عراقيون يقاتلون ضد النظام السوري وشيعة عراقيون يقاتلون إلى جانب النظام السوري. هذه حال لبنان أيضا، وهذا ليس بعيدا عما يواجهه هذان البلدان من حال اختناق وطني.

اقرأ للكاتب أيضا: 'بشار الأسد هو الضمانة'

النظامان موظفان لدى سيد واحد، واليوم يواجه هذا السيد مشكلة هائلة هي العقوبات الأميركية التي بدأت تهز قواعد نظامه الاقتصادي والاجتماعي. ومثلما لجأت طهران إلى قواعدها الأمنية والمذهبية في كل من بيروت وبغداد لتواجه الخطر المحدق بربيبها في دمشق، ستلجأ إليهما لاختراق الحصار الذي بدأت تفرضه واشنطن عليها.

المهمة هذه المرة أكثر تعقيدا. التفلت من نظام العقوبات تعوزه أنظمة سياسية ربيبة من نوع أكثر تعقيدا. الأمر لا يقتصر على قابلية للقتال إلى جانب نظام مهدد كالنظام السوري. فللتفلت من قوانين العقوبات رجال آخرون. رجال سبق أن اختبروا في مثل هذه الحالات. تجارب من نوع الالتفاف على قانون "النفط مقابل الغذاء" في تسعينيات القرن الفائت قد يكون مفيدا ومؤشرا إلى ما تفكر به طهران. علينا هنا أن ننشط ذاكرتنا، وأن نستعرض الوجوه التي كشفتها ملفات "كوبونات النفط". في حينها أحاطت النخب الحاكمة في كل من بيروت ودمشق وعمان أنفسها بنقابيين وقوميين وممانعين، استبسلوا في سعيهم لكسر الحصار، وكشفت الملفات حجم المكافآت التي تلقوها من نظام صدام حسين.

تجري اليوم في كل من بغداد وبيروت مفاوضات صعبة على تشكيل الحكومتين العراقية واللبنانية. في بيروت قطاع مصرفي موصول بالنظام المالي العالمي، والعراق بلد نفطي وهو جزء من سوق عالمي على هذا الصعيد. تملك طهران نفوذا هائلا في كلا البلدين، وهي بدأت تكابد تبعات العقوبات. من البديهي أن توظف نفوذها هنا، وأن تباشر ببناء قنوات تساعدها على امتصاص تبعات الحصار.

هادي العامري لا يصلح للمهمة الجديدة في العراق، وحزب الله لا يكفي في لبنان

​​النظام المصرفي اللبناني سبق أن تولى مهاما مشابهة بما يتعلق بالعقوبات التي تعرض لها النظام السوري، إلا أنه ضبط إيقاع عمله ضمن الشروط السياسية المراوغة التي يقبل بها نظام العقوبات. وقطاع النفط في العراق غارق بفساد الطبقة السياسية، وعاجز عن تلبية الحاجات الأولية للعراقيين. هذه هي المساحات التي من المفترض أن تتحرك فيها طهران. وإذا كانت خياراتها في مرحلة الحرب السورية مقتصرة على حزب الله في لبنان والحشود الشعبية وما يوازيها من "عصائب" في العراق، ففي مرحلة الحصار عليها أن توسع خياراتها. هادي العامري لا يصلح للمهمة الجديدة في العراق، وحزب الله لا يكفي في لبنان. جبران باسيل سيقتنص جرعة دعم أخرى من حزب الله في مواجهة طموحات القوات اللبنانية في تقاسم النفوذ المسيحي، وطهران ستعود لخيار حيدر العبادي في العراق.

اقرأ للكاتب أيضا: السلطة لـ'داعش' في الليل

لكن السؤال الكبير هذه المرة هو عن قدرة العراق ولبنان على حماية نفسيهما من قرارات الإدارة الأميركية. لبنان بلد شبه مفلس، والعراق على أبواب انتفاضة صيفية في ظل الفشل الهائل على كل المستويات فيه.

حين أقحمت طهران لبنان والعراق في حربها في سورية لم تبد أي حرص على ما جرته هذه المشاركة من تصدعات وانقسامات وانهيارات. وهذه المرة أيضا لن يكون مستقبل لبنان والعراق في ظل مخاطر دورهما الجديد محل ابتلائها.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.