ترامب وبوتين خلال اجتماع على هامش قمة العشرين عام 2017
ترامب وبوتين خلال اجتماع على هامش قمة العشرين عام 2017

بقلم إيلان بيرمان/

سيجتمع الرئيس دونالد ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 16 تموز/يوليو، في قمة ثنائية مرتقبة ومثيرة للجدل على نحو واسع. إن جدول أعمال الاجتماع مليء بمواضيع حيوية من الناحية الاستراتيجية: من تدخل روسيا في انتخابات عام 2016 (وتدخلها المتوقع في الانتخابات النصفية الأميركية المقبلة في الخريف المقبل) إلى عدوان الكرملين المستمر ضد أوكرانيا. لكن في ما يتعلق بالشرق الأوسط، فإن الموضوع الأكثر أهمية الذي يناقشه الرئيسان هو بلا شك سورية.

حتى الآن، وبطريقة لا تختلف كثيرا عن الإدارة السابقة، فإن إدارة ترامب لم تصغ بعد استراتيجيتها تجاه الحرب الأهلية السورية المستمرة منذ سبع سنوات. وبدلا من ذلك، كان نهج أميركا تجاه النزاع خاضعا إلى حد كبير لأولويتين إقليميتين أخريين.

يجب أن يقال للرئيس بوتين، إن قيامه بدور فعال في الحد من الوجود الاستراتيجي الإيراني في سورية، سيكون بادرة جدية يمكن الانطلاق منه

​​الأولية الأولى هي القتال ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). كان إسقاط "الخلافة" التي أعلنها تنظيم "داعش" أحد الوعود الأساسية التي أطلقها المرشح ترامب خلال حملته في انتخابات عام 2016، ومنذ توليه منصبه، وسعت إدارته على نحو مضاعف انخراط الولايات المتحدة في العمليات العسكرية ضد المجموعة الإرهابية.

النتائج كانت حاسمة. في ذروة قوته في منتصف عام 2014، سيطر تنظيم "داعش" على مساحة تقرب من حجم المملكة المتحدة، وخضع لسيطرته نحو ثمانية ملايين مدني. واليوم، تم القضاء بشكل كامل تقريبا على دويلته في العراق وسورية، ويؤكد المسؤولون الأميركيون الآن أنهم "قريبون جدا من الوصول على القضاء على الخلافة". ومع ذلك، فإن الحفاظ على تلك المكاسب سيعتمد على مدى نجاح أميركا وشركائها في التحالف الدولي في منع عودة ظهور "داعش" على الأراضي السورية في المستقبل.

اقرأ للكاتب أيضا: نهاية عصر الاتفاق النووي الإيراني

الأولوية الثانية هي عزل إيران والضغط عليها. القرار الذي اتخذه الرئيس ترامب الربيع الفائت بالتخلي عن اتفاق 2015 النووي المعروف رسميا باسم خطة العمل المشتركة الشاملة، مهد الطريق لاستراتيجية جديدة وشاملة لحسر إيران الإقليمي. يتضمن هذا النهج الذي تم تحديده في الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية مايك بومبيو في 21 أيار/مايو، التزاما بتفكيك الوجود العسكري الإيراني في سورية. إلا أن المسؤولين في إدارة ترامب لم يوضحوا بالضبط كيف يمكن تحقيق هذا الهدف، من دون وجود كبير لـ"قوات أميركية على الأرض" في سورية.

روسيا لديها القدرة على المساعدة في كلا الجبهتين. على مدى العامين ونصف العام الماضيين، وسعت موسكو بشكل ملحوظ من وجودها الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وذلك بفضل حملتها العسكرية في سورية، وهي تسعى الآن لتعزيز ودعم هذا الوجود. ويلتزم الكرملين بحملة واسعة لمكافحة الإرهاب ضد مختلف الجماعات الإسلامية المتطرفة في المنطقة، والذين يتحدر الكثير من أعضائها من الاتحاد الروسي أو أجزاء أخرى من "مناطق ما بعد الاتحاد السوفييتي". وبعبارة أخرى، تخطط روسيا للبقاء في الشرق الأوسط، بغض النظر عما قد يقوله علنا المسؤولون الروس.

بدأ المسؤولون الروس النظر إلى الوجود العسكري والسياسي الإيراني المنتشر في سورية على أنه جمر تحت الرماد

​​ويبدو أن الكرملين قد أخذ يغير موقفه تجاه إيران. صحيح أن موسكو وطهران لطالما ربطتهما شراكة استراتيجية كبيرة، وقد اقتربتا أكثر خلال السنوات الثلاث الأخيرة نتيجة حملتهما المشتركة لدعم نظام الأسد في دمشق. ومع ذلك، بدأ المسؤولون الروس النظر إلى الوجود العسكري والسياسي الإيراني المنتشر في سورية على أنه جمر تحت الرماد، وقد أقنعت المناوشات العسكرية المتكررة بين إسرائيل وإيران في جنوب سورية الكرملين بالتدخل مباشرة لـ"خفض التصعيد". في تراجع عن السياسة السابقة، أكد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن التواجد في الجنوب السوري يجب أن يكون محصورا بالقوات السورية. ويقول صانعو السياسة الروسية الآن أنهم توصلوا إلى "تفاهم" مع إسرائيل حول الحاجة إلى تسهيل خروج إيران من المسرح السوري.

اقرأ للكاتب أيضا: التهديد الإيراني الآخر

توفر هذه القواسم المشتركة الكثير الذي يمكن أن يناقشه الرئيسان ترامب وبوتين عندما يجتمعان في هلسنكي، فنلندا. وبدون المساومة على قضايا حرجة أخرى، فإن الأولوية الرئيسية للبيت الأبيض ستكون جعل روسيا طرفا قرار أكثر مسؤولية في سورية. يجب أن يقال للرئيس بوتين، إن قيامه بدور فعال في الحد من الوجود الاستراتيجي الإيراني في سورية، سيكون بادرة جدية يمكن الانطلاق منه.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.