مؤيدون لفرانثيسكو فرانكو يؤدون التحية الفاشية في مدريد عام 1973 (أرشيف)
مؤيدون لفرانثيسكو فرانكو يؤدون التحية الفاشية في مدريد عام 1973 (أرشيف)

بقلم فارس خشّان/

منذ نظام فرانكو في إسبانيا، لم يشهد العالم محاولة إعادة تعويم نظام عات، كما يحصل اليوم مع نظام الأسد في سورية.

لم يكن فرانثيسكو فرانكو، بمعايير زمنه، أقل دموية وديكتاتورية وتهجيرا من بشار الأسد، ومع ذلك حافظ على وجوده عشرات السنوات، لا بل إنه، وفي فترة قياسية، نجح في إعادة تأهيل نفسه على الساحتين الدولية والأوروبية، وأبقى نظامه قائما ومطاعا، إلى تلك الساعة التي حسمت فيها حتمية الموت وهم "الزعيم الأبدي".

هذه ليست المرة الأولى التي تنقذ فيها معادلة "حصر النفوذ الإيراني" بشار الأسد

​​وإذا كان فرانكو قد استفاد بشكل حاسم من موقع بلاده في الحرب الباردة التي اندلعت بين المعسكرين الغربي والشرقي على إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية، فإن هناك من يحاول حاليا أن يفيد الأسد من التوجه الرامي إلى حسر النفوذ الإيراني في العالم العربي، بعد حصره.

وروسيا التي أنقذت بشار الأسد من نهايته ونظامه بتدخلها عشية إدراكها أن العاصمة السورية آيلة إلى السقوط، على الرغم من الدخول الإيراني العسكري على الخط عبر "الحرس الثوري" وامتداداته في المنطقة والعالم الإسلامي يتقدمها "حزب الله"، تعمل بالتعاون اللصيق مع إسرائيل وبتغطية توفرها الولايات المتحدة الأميركية و"عرب الاعتدال" على إلباس "طاغية دمشق" ثوب" ديكتاتور مدريد".

اقرأ للكاتب أيضا: مجرم آخر في لبنان

ووفق الدعاية التي تتولاها إسرائيل ويقودها، بلا أي لبس، رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، فإن بشار الأسد لم يكن يوما بمعايير تل أبيب، عدوا وهو يبقى كذلك في نظرها في حال جرى إخراج إيران من سورية.

بمعنى آخر، إن إسرائيل تنخرط بقوة إلى جانب روسيا لإعادة تأهيل نظام بشار الأسد في حال نجحت موسكو في إقناع إيران بالابتعاد عن الجولان.

وهذه ليست المرة الأولى التي تنقذ فيها معادلة "حصر النفوذ الإيراني" بشار الأسد.

سبق وحصل الأمر نفسه، ولكن ببجاحة إقليمية أكبر، على إثر الانسحاب السوري من لبنان وظهور قرائن على مسؤولية النظام السوري في اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

يومها، وعملا بقاعدة فصل سورية عن إيران، قادت تركيا وساطة منتجة بين إسرائيل وسورية، فاغتيل القائد العسكري لـ"حزب الله" عماد مغنية ـ المدرج اسمه على لوائح الإرهاب الأميركية والإسرائيلية ـ في أكثر مناطق العاصمة السورية أمنا وحماية، وانفتحت دول "الاعتدال العربي" على دمشق واضطر رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، في حدث صاخب وبناء على طلب سعودي وتمن أوروبي و"مباركة" أميركية وحماسة روسية، أن يزور بشار الأسد وينام في ضيافته واستضافت فرنسا على منصة ذكرى انتصار ثورتها بشار الأسد.

ولكن، بدءا بلبنان وصولا إلى ما حصل بعيد اندلاع الثورة السورية، اتضح أن هذه المعادلة وهمية، وليست سوى حجة لإبقاء نظام بشار الأسد حاضرا للقيام بوظيفته الإقليمية المعروفة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، حراسة استمرار استثمار إسرائيل الآمن في الجولان المحتل.

ففي لبنان، وفي تلك الفترة، وصل الاندماج السوري بالإرادة الإيرانية إلى مستويات غير مسبوقة وأدى إلى إسقاط حكومة سعد الحريري وإبعاده من البلاد، وذلك عشية إصدار المدعي العام في "المحكمة الخاصة بلبنان" قراره الاتهامي في ملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري بحق مجموعة أمنية من "حزب الله".

إن إسرائيل تنخرط بقوة إلى جانب روسيا لإعادة تأهيل نظام الأسد في حال نجحت موسكو في إقناع إيران بالابتعاد عن الجولان

​​وفي سورية، وبعيد اندلاع الثورة، سارع "حزب الله" بقرار إيراني، ومع تضعضع معسكر الأسد، إلى الانخراط عسكريا إلى جانب النظام ممزقا بذلك توقيعه على وثيقة سميت بـ"إعلان بعبدا"، كانت تهدف إلى تأكيد الإجماع اللبناني على وجوب "النأي بالنفس" عن الصراع المحتدم في سورية.

اليوم، وبانتهاج المعادلة نفسها، يتم التواطؤ الإسرائيلي ـ العربي ـ الدولي لإعادة تأهيل نظام بشار الأسد.

اقرأ للكاتب أيضا: السياسة اللبنانية و... الترهيب

في العام 1959 ذهل مبدئيو العالم ـ أو حالموه ـ والديموقراطيون والمؤمنون بحقوق الإنسان بالرئيس الأميركي ديوارت إيزنهاور يستعرض ظافرا، إلى جانب فرانثيسكو فرانكو، شوارع مدريد.

واليوم ثمة من يسأل: في أي عام سوف يذهل أحفاد هؤلاء برؤية رئيس دولة ديموقراطية يجول إلى جانب بشار الأسد في شوارع دمشق؟

قد يكون السؤال ممجوجا وغير واقعي بالنسبة لكثيرين، ولكن من يدقق بالصفقات التي أعادت هيمنة الأسد على الغوطة وقبلها على حلب والآن على الجنوب السوري، يدرك أن ملايين اللاجئين الذين غادروا طوعا بمئات الآلاف ويعودون "قسرا" بالعشرات، كما مئات آلاف الضحايا ومئات آلاف المعتقلين لا يساوون في عين المصالح الإقليمية التي تتشارك فيها إسرائيل وخصومها "على الورق" تلك النوارس التي قتلها الصيادون، في مجزرة رهيبة، لحماية الطيران المدني في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت من تداعيات الاصطدام بها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.