فشل المنتخب المصري في الفوز بأي مباراة في كأس العالم رغم وجود صلاح مثال على الاعتماد على شخص واحد
فشل المنتخب المصري في الفوز بأي مباراة في كأس العالم رغم وجود صلاح مثال على الاعتماد على شخص واحد

بقلم داود كتاب/

فيما يستعد فريقا فرنسا وكرواتيا للتنافس في نهائي كأس العالم، يمكن طرح سؤال بسيط: ما هو سر النجاح في منافسة دولية مثل كأس العالم أو الألعاب الأولمبية؟

فالدول العربية المشاركة في نهائيات كأس العالم خرجت في المرحلة الأولى، في حين نجحت منتخبات عدة يشارك فيها مواطنون من أصول عربية في الوصول إلى مراحل متقدمة من هذه المسابقة العالمية.

وقد يكون فشل المنتخب المصري في الفوز في أي مباراة في المرحلة الأولى رغم وجود النجم العالمي محمد صلاح في صفوفه مثال على غياب العمل الجماعي والاعتماد غير المبرر والمبالغ على شخص واحد في فريق مكون من 11 لاعبا.

يجب إدخال مبادئ العمل الجماعي على كافة مستويات المجتمع ابتداء من الحضانة

​​ينطبق الأمر نفسه على منافسات عالمية أخرى. فقد أظهرت الإحصاءات ظاهرة خطيرة في ما يتعلق بفوز العرب في دورات الألعاب الأولمبية، إذ باستثناء الميدالية البرونزية التي فاز بها المنتخب السعودي للفروسية في عروض القفز في أولمبياد لندن عام 2012، فإن المئة ميدالية تقريبا التي فازت بها دول عربية لم تشمل أي منها عملا رياضيا جماعيا واحدا.

قد تكون الدول العربية كرمت الفائزين بميداليات أولمبية وسمت شوارع رئيسية بأسمائهم، إلا أن ذلك لم يغير بطبيعة دولنا العربية. فنحن كرمنا أبطالا مثل السورية غادة شعاع والجزائري توفيق مخلوفي والمغربي هشام كروج، في حين لم يستطع أي فريق عربي الاحتفال بأي ميدالية أولمبية، سوى برونزية فريق الفروسية السعودي عام 2012.

اقرأ للكاتب أيضا: المحكمة العليا: المدافع الأول عن الدستور الأميركي

ينطبق الأمر نفسه على جميع مناحي الحياة في عالمنا العربي. فمدير عام أي مؤسسة أو شركة يجب أن يعرف كل ما يجري ويوقع كل شيك ويتدخل في كل أمر دون إعطاء نوابه أو مساعديه أي دور يذكر. وليس غريبا أن الشركات العائلية في عالمنا العربي تعتبر أكثر نجاحا من الشركات العامة. وحتى في الأمور السياسية نرى أن بعض رؤساء الجمهوريات يضع ابنه خلفا له كما حدث في سورية مع توريث حافظ الأسد لابنه بشار، أو سعي حسني مبارك لتوريث نجله في مصر مبارك وعلي عبد الله صالح ونجله في اليمن. فالجمهوريات تريد أن تبقى كذلك بالشكل، في حين أنها تطبق مبدأ التوريث بالفعل.

يغيب التعاون الجماعي كليا في عالمنا العربي، في حين نرى أن دولا خاضت حروبا عالمية أصبحت تتعاون رغم غياب لغة أو ثقافة مشتركة.

في المقابل، فإن التعاون بين الدول العربية في كثير من المجالات. فالتجارة البينية بين الدول العربية لا تتجاوز 8 في المئة من التجارة الكلية، وفي حين نصدر البضائع لأوروبا، يتم إعادة تصدير هذه البضائع إلى دول عربية أخرى، بدل من أن نستوردها بصورة مباشرة من دول المنشأ.

ليس غريبا أن الشركات العائلية في عالمنا العربي تعتبر أكثر نجاحا من الشركات العامة

​​نفتخر كعرب بأننا أمة عربية واحدة، لكن دخول الأجنبي إلى بلادنا أسهل من دخول العربي إلى بلد عربي آخر. وقد أصبح جواز السفر العربي في أسفل قائمة الجوازات العالمية.

عودة إلى العمل الجماعي، من المؤكد أن ما نسميه القمم العربية والجامعة العربية أصبحت أضحوكة العالم لغياب أي نوع جدي من العمل العربي المشترك. ففي حين يجتمع الرؤساء الأوروبيون عشرات المرات على مستوى القمة في لقاءات جدية وعملية يجتمع القادة العرب لعدة ساعات في لقاء عام وعلني يخلو من العمل الجماعي والبرامج الحقيقية.

اقرأ للكاتب أيضا: مدونة سلوك للوزراء العرب

من الضروري أن نغير طريقة تعاملنا مع بعضنا البعض، ويجب إدخال مبادئ العمل الجماعي على جميع مستويات المجتمع ابتداء من الحضانة واستمرارا في المدارس والجامعات وجميع مؤسسات العمل التجاري والرسمي والأهلي. ومن الضروري أن يقوم المفكرون والقياديون بحث الناس على العمل الاجتماعي وأن يكونوا مثالا على ذلك من خلال مشاركتهم في مشاريع جماعية تبث الفكرة على حساب الفردية. ومن الضروري أيضا زيادة التكريم للجهات التي تطبق العمل الجماعي وتكريم الأفراد الذين يشاركون الآخرين في العمل الجماعي.

أثبتت منافسات كأس العالم وجود طاقات عربية ممتازة قدمت أداء قويا من خلال لعبها مع منتخبات غير عربية. يشكل بروز مثل هؤلاء اللاعبين العرب في بلاد الغرب مؤشرا لاستمرار هجرة الإبداعات والأدمغة من عالمنا العربي إلى الدول التي تعتمد مبدأ المساواة والعمل الجماعي كأساس لنجاحها في الميادين كافة.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.