الأمر الذي يدعو للاستغراب هو أن الرقابة انغلقت في البلدان التي شهدت انتفاضات "الربيع العربي" بدل أن تنفتح
الأمر الذي يدعو للاستغراب هو أن الرقابة انغلقت في البلدان التي شهدت انتفاضات "الربيع العربي" بدل أن تنفتح

بقلم رياض عصمت/

يذكر كثير من أبناء جيلي طرائف عديدة عن الرقابة، بعضها ظريف بقدر ما هو مأساوي، بحيث ينطبق عليها المثل القائل: "شر البلية ما يضحك". لكن الرقابة في بلادنا العربية عامة، والتي اصطلح على الإشارة إليها بمصطلح "التابو الثلاثي"، تتسم بالعبثية أكثر من المنهجية لأن ممارساتها لا معقولة أكثر منها منطقية ومبررة وقراراتها مزاجية أكثر منها عقائدية ومقررة.

ما هي عناصر التابو الثلاثي؟ كلمة "تابو" باللغة الأجنبية تعني "الممنوع"، وهو عموما ما يقارب موضوعات الجنس والدين والسياسة. بالتأكيد، تدرجت درجات الحظر بين حقبة زمنية وأخرى، وبين مجتمع وآخر.

منذ أواخر القرن العشرين، بدأت بعض المرونة تتجلى عبر السماح بالتطرق لأمور الجنس في السينما العربية وعلى خشبات المسارح، وإن كان بصورة أقل في التلفزيون. أما مع بدايات القرن الحادي والعشرين، فزاد الانفراج النسبي عبر السماح بشيء من النقد الديني ضمن موجة انتقاد البدع ومظاهر التعصب، فضلا عن التطرف الذي يؤدي إلى الإرهاب. بدأنا نرى أيضا بعض مظاهر الانفتاح الرقابي تجاه النقد السياسي لبعض مظاهر الفساد في المؤسسات القائمة، وإن وجهت سهام ذلك النقد إلى سلوكيات فردية واستغلال انتهازي للموقع الحزبي أو المنصب الوظيفي، وصولا إلى مغالاة بعض رجال الأمن في قمع عنيف للمعارضين مقابل تصوير نماذج صالحة ونزيهة ممن يرفضون ذلك ويعارضونه.

ربما نبع "تابو" الجنس من قناعة الأغلبية المحافظة في مجتمع ما بأن مقاربة الموضوعات الجنسية عيب أو حرام

​​لكن الأمر الذي يدعو للاستغراب هو أن الرقابة انغلقت في البلدان التي شهدت انتفاضات "الربيع العربي" بدل أن تنفتح، إذ عاد المنع يطال أي عمل يتجرأ على مناقشة أمور الدين والسياسة من وجهة نظر مغايرة لوجهة النظر السائدة من قبل نظام الحكم. بالتالي، أصبح من المألوف قمع أي تجاوز للسائد والمقبول من السلطة، بل يحال من يتجرأ على السباحة عكس التيار إلى القضاء، وربما يدان بالتحريض على الفتنة الطائفية، أو ترويج إشاعات كاذبة تؤدي إلى إضعاف الروح المعنوية في زمن مواجهة مصيرية حاسمة.

في الواقع، تقتضي الأمانة أن نقول إن هذا لم يكن الوضع السائد دائما. بالتالي، لابد من تصحيح الفكرة المهيمنة في الغرب أن مجتمعاتنا العربية بعد الاستقلال عانت من رقابة فكرية متشددة، بل متحجرة وقاسية لا تسمح لنقد أن يقال أو ينشر. هناك كم كبير من الإبداع العربي منذ ستينيات القرن العشرين وصاعدا اتسم بطابعه السياسي الجريء والمشاكس، سواء في المسرح أو القصة القصيرة أو الرواية أو الشعر.

اقرأ للكاتب أيضا: حكايات الأفاعي

بالتالي، كان يسمح بنشر بعض الأعمال الجريئة في بلدان مبدعيها، أو يوافق على تداولها إذا تم نشرها في بيروت عوضا عن القاهرة ودمشق وبغداد وسواها من العواصم العربية، ربما بهدف عكس صورة عن هامش التعبير المتاح في ظل أنظمة شمولية ترفع رايات التقدمية. هكذا، كان النقد السياسي ينفذ أحيانا من مقص الرقيب العربي، ويصل بيسر إلى المتلقي، قارئا أم متفرجا أو مشاهدا.

كيف لهذا التناقض أن يحدث؟ في الواقع، يعزا ذلك لكون الرقابة اعتباطية، بل عبثية ولا معقولة. بالتأكيد، فإن المواهب الأصيلة قارعت ـ كما في أي زمان ومكان ـ أنصاف المواهب التي سوقتها الأنظمة وحاولت ترويجها. أذكر أنني خلال زياراتي لبعض الدول الصديقة، فوجئت بأن الأعمال الأدبية المختارة التي ترجمت إلى لغاتها تعتبر من أسوأ ما كتب من أعمال في رأي الوسط الثقافي الوطني. بالمقابل، كثيرا ما فرضت الأعمال ذات التجليات الإبداعية الأصيلة نفسها في عقر دارها، مخترقة كل الحواجز، ومتفادية سلطة الرقابة بوسائل شتى، وبالأخص عن طريق الإسقاط التاريخي.

أحيانا، تمكن المبدعون من ذلك عن طريق المباشرة تأثرا ببرتولت برشت وسواه، وأحيانا أخرى عن طريق استخدام الرمز أو المجاز. هنا، أذكر قصة طريفة مفادها أن أحدهم ألف مسلسلا تلفزيونيا في السبعينيات عن سيرة الخليفة عمر بن عبد العزيز، وقدمه للتلفزيون في حقبة الأسود والأبيض. وقفت لجنة الرقابة حائرة مرتبكة أمام العمل، ليس لأن المسلسل يستخدم تقنية الإسقاط السياسي، وإنما لأن مآثر الخليفة العادل والزاهد ربما استدعت المقارنة مع العصر الراهن الذي تسوده المحسوبيات والفساد، وبالتالي ربما يفسر ذلك على أنه انتقاد سياسي مبطن وخطير. لذا، قررت الرقابة عدم السماح بإنتاج المسلسل، فوضع على رف الإهمال ليعلوه الغبار ويطويه النسيان.

اتجه النقد الديني الناجع والفعال إلى الكشف عن نوايا أفراد يستغلون الدين وسيلة لخدمة مصالحهم الخاصة

​​ربما نبع "تابو" الجنس من قناعة الأغلبية المحافظة في مجتمع ما بأن مقاربة الموضوعات الجنسية عيب أو حرام. واجهت ذلك عدة محاولات اختراق جريئة، إنما تدريجيا، وبشكل يتجنب استفزاز مشاعر الناس العاديين. رغم ذلك، اعتبر إخراج مسرحية تعبيرية ألمانية قديمة تتناول تفتح مشاعر الجنس عند المراهقين مثل مسرحية "يقظة الربيع" للمؤلف فرانك فيديكند خطوة بالغة التحدي لتابو الجنس في المجتمعات العربية. الأمر المثير للاستغراب هو أن العرض لم يستفز مشاعر الجمهور الدمشقي، لأن التصدي لعواقب غياب التوعية الجنسية للمراهقين في البيت والمدرسة كان أمرا مقنعا بأهميته وضرورته مع إطلالة القرن الحادي والعشرين، بحيث حضرت عديد من الفتيات المحجبات عرض المسرحية وصفقن لها بحرارة، ربما أكثر من بعض أولئك الذين يدعون التحرر. الواقع، بدأ تابو الجنس منذ مطلع القرن الحادي والعشرين بالانحسار عربيا، ليحل محله قناعة بأن مناقشة موضوعات الجنس لا تستهدف استثارة الغرائز، وإنما هي مسألة تربوية مفيدة لصحة المجتمع.

في فترة من الزمن، ظهر طرح مفاده: "طالما أننا ننتقد جميع المؤسسات الاجتماعية والسياسية، لماذا لا ننتقد المؤسسة الدينية أيضا؟" تناسى أصحاب هذه النظرية أن انتقاد المؤسسات السلطوية أمر يرضي الغالبية من الشعب، أما انتقاد المؤسسات الدينية فأمر يثير حفيظتها. المشكلة أن الإيمان أمر عاطفي، وليس عقلانيا. بالتالي، من الصعب مجادلة مؤمن بهذا العقيدة أو سواها ومحاولة إقناعه بالحجة والمنطق. ربما كان الأفضل الالتزام بالمثل الشعبي "كل على دينه، الله يعينه،" والأبلغ منها الجملة الشهيرة: "الدين لله، والوطن للجميع".

اقرأ للكاتب أيضا: نعمة الكبرياء ونقمة الغرور

لذلك، اتجه النقد الديني الناجع والفعال إلى الكشف عن نوايا أفراد يستغلون الدين وسيلة لخدمة مصالحهم الخاصة. أما المغالاة في انتقاد أي دين، فهو أمر يمكن أن يستفز مشاعر الناس بحيث يؤلبهم ضد المبدع، فيعرضون عن عمله متهمين إياه بالتحامل. بالتالي، الأجدى بالإبداع الدرامي العربي أن يستلهم نظائر لشخصيتي راسبوتين الروسي وطرطوف الفرنسي، دون المساس بجوهر العقيدة الدينية ذاتها، لأن حرية المرء تقف عند حدود حرية الآخرين، ولأن الإساءة لأي دين من الأديان قد تستفز المشاعر للقيام بردات فعل توقع البلاد في الفوضى وتؤدي إلى فتنة تسيل بسببها الدماء.

لا شك أن "التابو" الأبرز في مجتمعاتنا العربية هو السياسة. تفاقم هذا التابو منذ ظهور فكرة "الزعيم الأوحد والخالد إلى الأبد" بحيث أسرف الإعلام الموجه في تضخيم صور الزعماء وتمجيدهم وحظر أي انتقاد لقراراتهم، في الوقت الذي تغولت فيه سلطة الأمن بسبب هواجس الإرهاب، وكثيرا ما شوهت صورة الزعيم الوطني المحبوب الذي بدأ عهده بتفاؤل شعبي إزاء تغييره لهنات السلطة عبر عملية إصلاح شاملة. في الواقع، لم يعد هذا مقتصرا على دول العالم النامي، بل عانت دول متعددة في الشرق والغرب من خيبات أمل مريرة وإجهاض للأحلام. صرنا نلحظ إعراضا صريحا عن القيم التي نشأت عليها بعض الأمم، وتخليا تاما عن المبادئ مقابل المصالح، مما ينذر بخطر يذكر بحقبة الحرب العالمية الثانية التي استغرق العالم المتقدم زمنا للتعافي من ندوبها.

في عصرنا، لم يعد كثير من الشباب يدري أي مستقبل ينتظرهم، وما هي آمالهم عن الأفق البعيد لحياتهم المستقبلية. بالتالي، بدأ حلم عديد من المواطنين بالتبدد مثل حلم المهاجرين بالجنة الموعودة قبل اكتشافهم أنها مجرد سراب، ليضيعوا في ضباب من الغربة والإحباط والبطالة والقلق، لتتحول الأحلام إلى كوابيس.

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.