مقاتلون تابعون لميليشيات قريبة من "حزب الله" في شوارع العاصمة اللبنانية بيروت عام 2008 (أرشيف)
مقاتلون تابعون لميليشيات قريبة من "حزب الله" في شوارع العاصمة اللبنانية بيروت عام 2008 (أرشيف)

بقلم منى فياض/

في العادة لم يكن الانتحار من المواضيع التي تشغل بال اللبنانيين ولا يشكل ظاهرة ملفتة، لكنه بدأ يتحول إلى أحد المواضيع الساخنة في الأعوام القليلة الماضية، وبلغ الاهتمام به ذروته هذا العام، بحيث بات ظاهرة شغلت الرأي العام وصارت من المواضيع التي تشغل الإعلام اللبناني والعربي.

تعددت التقارير والمقالات والتحقيقات، ما جعل التلفزيون العربي يشير في مطلع حزيران/يونيو الفائت إلى أن لبنان سجل زيادة تبلغ 30 في المئة في معدلات الانتحار وأن شهر أيار/مايو وحده سجل 23 حالة. مع ذلك هناك من يجد أن الانتحار لا يزال ضمن المعدلات العالمية العادية ولا داعي للقلق.

ازدادت معدلات الانتحار في السنوات الماضية زيادة ذات معنى، فتضاعفت عدة مرات منذ العام 2008 وحتى الآن. تشير "الدولية للمعلومات" إلى أن نسب الانتحار المسجلة لدى قوى الأمن الداخلي ارتفعت من معدل 60 حالة في الأعوام 2004، 2005، 2006 و2007، إلى 103 حالة في العام 2008، أي كادت تبلغ الضعف. وقفز الرقم مرة أخرى عام 2013 إلى 143 بحيث كاد يتضاعف ثلاث مرات عما كان عليه سابقا. ثم عاد إلى الارتفاع مجددا هذا العام فبلغت حالات الانتحار 100 حالة في النصف الأول فقط للعام الحالي، وهو ما أثار البلبلة.

إن تفكك المجتمع والتفكك الأخلاقي يؤدي إلى تيارات من الكآبة واليأس والخيبة ما يعرض الفرد ذا الوضعية الهشة للانتحار

​​وهذا مؤشر مهم على تردي أحوال الصحة الذهنية عموما في لبنان.

وإذا كان من الطبيعي عقد المقارنات مع معدلات الانتحار العالمية، لما لتلك المؤشرات من دلالة، وتسمح المقارنة بتكوين فكرة عن موقعنا في سلم الصحة الذهنية العالمي، إلا أن ذلك يحيلنا إلى دوركهايم حين قارن تطور نسبة الانتحار في مختلف البلدان، ولاحظ أنها تتعلق بالمجموعات الاجتماعية؛ فاستنتج أن الانتحار هو واقعة اجتماعية مستقلة عن القرارات الفردية. يبقى أن علينا اكتشاف العوامل الاجتماعية المسؤولة.

كما ستظل المقارنة قاصرة لأن الأرقام لا تدل بالضرورة على العدد الفعلي للمنتحرين أو لمحاولات الانتحار، لأنها توثق من سجلت وفاته في خانة الانتحار، وهذا التوثيق سيختلف من بلد إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى، وسيكون أكثر دقة في الغرب عنه في بلادنا، بسبب الموقف من الانتحار ووجود الموانع الاجتماعية والدينية للإفصاح عنه ولاختلاف مستوى العناية الصحية ودقة الأرقام الرسمية.

اقرأ للكاتبة أيضا: الهروب إلى الأمام في مسألة المهاجرين/ اللاجئين

لمحاولة فهم وتتبع ظاهرة الانتحار لجهة خطورتها، كجميع الظواهر الطبية أو الاجتماعية الأخرى لا تكفي مقارنتها بالأرقام والمستويات العالمية، بل علينا العودة إلى تاريخ الحالة نفسها ـ سواء كانت بلدا أو مجتمعا أو فردا ـ وتتبع مسارها الخاص وتطوره لتقدير مدى خطورتها من عدمها.

من هنا نجد أن حالة السواء ـ أي ما يعد طبيعيا ومقبولا ـ تقاس بالنظر إلى كل حالة بذاتها. وسأورد مثلا مأخوذا من الميدان الفيزيولوجي للتوضيح: من المعروف أن معدل النبض الطبيعي عند الشخص البالغ في الأحوال الطبيعية يتراوح ما بين 60 إلى 70 نبضة في الدقيقة الواحدة، وقد تختلف سرعة نبض القلب من شخص لآخر فترتفع أو تنخفض. لكن نلاحظ أن النبض عند الشخص الرياضي المحترف (Athlete)يبلغ 40 نبضة في الدقيقة وقت الراحة، بينما يرتفع إلى أكثر من 120 عند التمارين بالطبع، دون ذلك لن يحتمل جسمه ارتفاع ضغطه بشكل يفوق المعدلات السوية حين بذله المجهود القوي أثناء التمرينات. لذا يعمد إلى تخفيض ضربات نبضه عندما يكون في حالة راحة.

لكن لمن لا يعرف طبيعة عمل هذا الشخص سيعده في وضع حرج إذا اعتمد على قياس نبضه فقط؛ بينما إذا انخفض ضغط الشخص العادي إلى 40 فهذا يعني أنه بحاجة إلى عناية سريعة.

وهذا ينطبق على حالة السواء الاجتماعية بما فيها معدل الانتحار في لبنان؛ إذ لا يكفي أن نطمئن أنفسنا أن الوضع لا يزال عاديا مقارنة بهذا البلد أو ذاك أو هذا المتوسط أو ذاك، بل مقارنة بما كان الوضع عليه وما أصبحه لاحقا. هنا يصبح ازدياد معدلات الانتحار مؤخرا ملفتا ومثيرا للقلق.

وأول ما يسجل في هذه الظاهرة أن القفزة الأولى حصلت في العام 2008 وجميعنا نعلم ما حصل حينها عندما وجه حزب الله سلاحه نحو الداخل اللبناني في 7 أيار/مايو "المجيد". فهل من الممكن عدم الربط بين ارتفاع أعداد المنتحرين وبين "التروما" الأمنية والسياسية والاجتماعية التي شكلها هذا الحدث؟

أما القفزة الثانية فحصلت في العام 2014، أي مباشرة في العالم التالي لعجز رئيس الحكومة تمام سلام عن تشكيل حكومته طوال عام 2013. فشكل عدم الاستقرار السياسي عامل ضغط وقلق.

لكن التردي الهائل حصل عام 2017 ومطلع العام الجاري فوصل البلد إلى حافة الانهيار على جميع الصعد؛ من فشل الدولة والمؤسسات إلى الإفلاس وإغلاق المصانع إضافة إلى الوضع السياسي والأمني المضطرب وغير المستقر والوضع الاقتصادي الخانق والبطالة والفقر، مما يقلق المواطن ويزيد ارتفاع حالات الاكتئاب المتفشي وسمة اليأس التي تتردد على كل لسان.

فهل يمكن الاكتفاء بما يذهب إليه كثير من الاختصاصيين والأطباء النفسيين، من أن الانتحار مشكلة شخصية تنجم عن اضطراب عقلي بمعزل عن الشروط الاجتماعية، خصوصا في حالتنا هذه؟ لا أحد يشكك بالطبع بأهمية العوامل الشخصية لحالات الانتحار الفردية، وفهم كل حالة على حدة من ميدان الاختصاصات النفسية، لكن لا يمكن إلا التأكيد مع دوركهايم على أن "المعدل الاجتماعي لحالات الانتحار لا يجد تفسيره إلا سيسيولوجيا". فدوركهايم الذي اهتم بتوضيح التباين في معدلات الانتحار، أي بمعرفة لماذا نجد أن مجموعة معينة لها معدل انتحار أعلى من الأخرى، افترض أن العوامل البيولوجية والنفس اجتماعية تبقى ثابتة من مجموعة لأخرى ومن وقت لآخر. لذا يجد أن تفسير الاختلافات في معدلات الانتحار تعود إلى الاختلاف في العوامل الاجتماعية وتحديدا التيارات الاجتماعية الموجودة في المجتمع.

القفزة الأولى في أعداد المنتحرين حصلت في العام 2008 عندما وجه حزب الله سلاحه نحو الداخل اللبناني

​​لكل مجموعة اجتماعية استعداد جماعي خاص بها للفعل، هو مصدر الاستعداد الفردي وليس نتيجته؛ ويتكون من تيارات تتخلل المجتمع وتتوزع بين الأنانية والإيثار واللامعيارية إلى الفوضى وغيرها. اعتمد دوركهايم هذه التيارات لتصنيف أنواع الانتحار الأربعة التي وضعها بعدما فحص وقارن العديد من المعطيات والاحصاءات؛ فتوصل إلى أن الانتحار الأناني يأتي كنتيجة طبيعية لانحلال الروابط الاجتماعية، سواء العائلية أو السياسية أو الدينية. فكلما تدنت درجة الاندماج في رابط ما تزداد نسبة الانتحار.

وكما نلاحظ، يمر لبنان بمرحلة انتقالية جعلت جميع هذه الروابط تتعرض للانحلال. ومن الطبيعي أن تزداد نسب الانتحار الأناني، لأنه يتولد عندما تنتهي صلاحية القيم المجتمعية السابقة فتولد معها قيم جديدة، أو أخلاق جديدة لم يتأقلم معها الفرد أو لم تتركز بعد، فينتحر لأقل صدمة من صدمات الظروف المحيطة، تتراوح من القلق إلى الحيرة أو غياب المعنى. فالانتحار الأناني هو نتيجة تراخي روابط المجتمع، وينجم عن حالة مفرطة من التفرد، عكس المجتمعات التي تتمتع بضمير جمعي قوي ما يمنع حدوث وانتشار الانتحار فيها. إن ضعف التيارات الاجتماعية الضابطة في المجتمع تمكن الأفراد بسهوله من تجاوز الضمير الجمعي ليفعلوا ما يريدون. وهذا يساعدنا على تفسير حالات الانتحار التي حصلت في لبنان والتي يحصرها البعض بالوضع النفسي للمنتحر.

اقرأ للكاتبة أيضا: الفساد والاقتصاد الموازي: دعامتا الاستبداد والهيمنة

إن تفكك المجتمع والتفكك الأخلاقي يؤدي إلى تيارات من الكآبة واليأس والخيبة ما يعرض الفرد ذا الوضعية الهشة للانتحار. فالإنسان مهما كان فرديا لديه دائما ما هو جماعي. وعند الإشارة إلى دور البطالة والبؤس والفقر في الانتحار فذلك لا يعني أن البؤس في حد ذاته السبب، بل هو نتيجة للاختلال وللأزمات والاضطرابات في النظام المجتمعي التي تجعل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية متدهورة وهي واضحة للعيان في لبنان.

هذا الاضطراب يؤدى إلى التعطيل المؤقت للمجموعات الاجتماعية عن أداء دورها الحاضن والضابط للأفراد، ما يطلق العنان لتيارات اللامعيارية ـ أي الإحساس بانعدام الجذور وانعدام المعايير ـ فتقود هذه التيارات إلى الزيادة في معدلات الانتحار المعياري. من السهل تصور هذا في حالات الكساد. إغلاق مصنع نتيجة للكساد الاقتصادي ربما يؤدي إلى فقدان وظيفة، ونتيجة ذلك أن الفرد ينقطع عن تأثير ضوابط الشركة والوظيفة. الانفصال عن مثل هذه البنيات ـ الأسرة، الدين، الدولة مثلا ـ يترك الفرد فريسة وعرضة للانتحار.

لقد بلغ انهيار الدولة وتفلت الغرائز والعصبيات وكسر التقاليد والأعراف وانعدام القيم وغياب الشفافية مبلغا أوصل إلى حالة من اليأس الوطني العام، الأمر الذي ينصرف أزمات نفسية واكتئابا وحالات انتحار لدى الحالات الأكثر هشاشة.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!