الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الإمارات ورئيس مجلس الوزراء، وولي العهد الأردني حسين بن عبدالله
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الإمارات ورئيس مجلس الوزراء، وولي العهد الأردني حسين بن عبدالله

بقلم عبد الله صوالحه/

على الرغم من التوترات الأخيرة التي حدثت بين المملكة الأردنية الهاشمية وبعض الأطراف الأخرى الفاعلة في الشرق الأوسط، أتاحت الديناميكيات المتغيرة في المنطقة الفرصة لظهور تحالف مؤقت ـ مدعوم من قبل الولايات المتحدة ـ بين إسرائيل والدول العربية السنية المعتدلة (السعودية، الإمارات، مصر، الأردن، البحرين). وفي حين أن هذا التقارب قد أثبت أنه مفيد ماليا وسياسيا للملكة، إلا أنه أثار غضب العديد من الأردنيين. ومع ذلك، نجح الملك عبد الله الثاني بن الحسين في مقاومة هذه الضغوط واتخذ خطوات جريئة وقرارات استراتيجية حكيمة لتعزيز هذا التقارب.

يقوم هذا التحالف على ركيزتين أساسيتين؛ أولهما التهديد الذي تشكله إيران وتنظيم والدولة الإسلامية (داعش)، فقد عبر الملك عبد الله عن مخاوفه في ما يخص تمدد النفوذ الإيراني، إذ قال في مقابلة له مع صحيفة "واشنطن بوست" في عام 2017 إن "الحرس الثوري الإيراني على بعد 70 كيلومترا من حدودنا وإذا كان ذلك غير جيد بالنسبة لنا فيجب أيضا أخذ المعادلة الإسرائيلية في الحسبان". وفى واقع الأمر، دفعت المخاوف بشأن النوايا التوسعية لإيران وتنظيم "داعش"، فضلا عن الرغبة في منع إيران من تحقيق طموحاتها النووية، دفعت إسرائيل والدول السنية المذكورة إلى الاعتراف بمصالحهم المتبادلة وفتح الباب أمام التنسيق الأمني في ما بينها.

سعى الملك عبد الله إلى تقوية العلاقات مع إسرائيل والدول السنية الأخرى

​​أما الركيزة الثانية التي دفعت إلى تشكيل هذا التحالف فهي اقتصادية بطبيعتها، حيث شهدت الأعوام السابقة تزايد كبيرا في حجم التبادل التجاري والمشروعات المشتركة بين إسرائيل والدول العربية المكونة للتحالف السني. فمثلا، وقعت شركة ديليك دريلنغ الإسرائيلية في عام 2014 اتفاقا بقيمة 771 مليون دولار مع شركات أردنية مثل شركة البوتاس العربية وشركة برومين. وبعد مضي عامين، وقعت الشركة المالكة لحقل الغاز الإسرائيلي ليفاثيان اتفاقا بقيمة 10 مليار دولار مع شركة الكهرباء الأردنية.

ومع ذلك، تخلفت الأردن عن مشاركة الولايات المتحدة وإسرائيل والمحور السني نفس الرؤى حول القضايا الإقليمية الحاسمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية ومستقبل القدس، والحرب في اليمن. فمثلا، ترى عمان أن الأولوية يجب أن تكون للصراع العربي ـ الإسرائيلي، في حين ترى الأطراف الأخرى أن الأولوية يجب أن تكون لمواجهة التمدد الإيراني.

إضافة إلى ذلك، أدى رفض الأردن إرسال قواته إلى حرب اليمن ومعارضته للحصار الذي فرضته الدول السنية الأربع على قطر، وعدم اتخاذ موقف متشدد من جماعة الإخوان المسلمين أدى إلى توتر العلاقات بين الأردن والمملكة العربية السعودية. وبالطبع، لم يساهم قرار نقل السفارة الأميركية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس في تعزيز العلاقات بين عمان وواشنطن، كما أدى اندلاع العنف المرتبط بقرار إسرائيل تركيب بوابات إلكترونية على أبواب المسجد الأقصى لتفتيش المصلين المسلمين في صيف 2017 إلى إغلاق مؤقت للسفارة الإسرائيلية في الأردن، رغم إعادة فتح السفارة منذ ذلك الحين.

يجب على الشعب الأردني أن يتفهم أن الأردن بصفته دولة صغيرة ذات موارد محدودة، تعتمد على حلفائها

​​وعلى الرغم من الضغوط المفروضة على الملك عبد الله من قبل قوى المجتمع المدني والمؤسسات السياسية الرسمية وغير الرسمية، لحثه على الانسحاب من المحور السني ـ الإسرائيلي، إلا أن الملك سرعان ما أدرك خطورة ذلك على المصالح الأردنية على المدى الطويل. ومن ثم، سعى الملك عبد الله إلى تقوية العلاقات مع إسرائيل والدول السنية الأخرى، حيث استقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال زيارته الأخيرة لعمان، كما استدعى سفيره من طهران، ولا نية لديه لإرسال سفير جديد، وقام بإرسال ولي العهد الأمير حسين إلى الإمارات للقاء نظيره الإماراتي الأمير محمد بن زايد. وبالمثل، سافر الملك عبد الله إلى واشنطن العاصمة وشارك في قمة مكة، التي نتج عنها دعم الأردن بمبلغ 2.5 مليار دولار.

التحدي الأكثر جدية الذي يواجه العاهل الأردني الآن هو كيفية إقناع الأردنيين بالمصالح التي سوف يتحصل عليها الأردن من خلال بقائه في التحالف السني الإسرائيلي. ومع ذلك، يدرك المجتمع الأردني محدودية قدرة صانع القرار الأردني على التأثير في مجريات الأحداث خاصة تلك التي تتعلق بالقدس وعملية السلام الإسرائيلية ـ الفلسطينية. وبالتالي يجب على الملك أن يحاول إقناع الشعب الأردني بأن مشاركة الأردن في التحالف ستوفر له مظلة سياسية للانخراط التام في أي صفقة مقبلة يحافظ من خلالها على دوره التاريخي في عملية السلام وعلى مصالح المملكة في القدس بشكل أساسي. لذلك، يجب على الشعب الأردني أن يتفهم أن الأردن بصفته دولة صغيرة ذات موارد محدودة، تعتمد على حلفائها، حتى لو بدا هؤلاء الحلفاء في بعض الأحيان أقل مثالية.

الدكتور عبد الله صوالحه مؤسس ومدير مركز الدراسات الإسرائيلية فى عمان، الأردن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟