البرلمان الأردني
البرلمان الأردني

بقلم نضال منصور/

هل يفعلها مجلس النواب الأردني ويسقط حكومة الرئيس عمر الرزاز في اختبار الثقة البرلمانية؟!

نظريا، يستطيع مجلس النواب أن يفعل ذلك وهو يمتلك الحق الدستوري بأن لا يعطي الثقة لأي حكومة. أما عمليا، ومنذ عودة الحياة الديموقراطية في الأردن عام 1989 لم يتجرأ أي برلمان على إسقاط حكومة، أو عدم منحها للثقة!

حتى الآن لا تسمح الدولة الأردنية ومؤسسات صنع القرار فيها، أي ثنائية "الديوان الملكي ودائرة الاستخبارات"، بمكاسرة بين الحكومة ومجلس النواب تخرج عن حدود اللعبة المسموح بها. كثيرا ما قيل في الأردن أن سياسة "الألو"، وتعني الاتصالات، قد بدأت لحماية الحكومة وحشد التأييد لها لتفوز بمعركة الثقة أو لمواجهة أزمة اقتصادية وسياسية.

كلمة السر لحكومة الرزاز ابتكار حلول استثنائية تتجنب فرض الضرائب

​​لم يسقط البرلمان حكومة في الأردن، وإن كانت حكومات كثيرة مرجحة للتعثر وعدم الحصول على الثقة لولا التدخل لإنقاذها في اللحظات الأخيرة. وقيل لي قصة إبان جلسات الثقة بالحكومة الأولى للدكتور عبد السلام المجالي وذلك في عهد الراحل الملك حسين؛ كانت كل المؤشرات حينها تؤكد أن الحكومة لن تحظى بالثقة وبأن الرئيس المجالي لم ينجح في حشد المؤيدين له في البرلمان، وصباح التصويت على الثقة استدعى الملك على مأدبة إفطار أعضاء كتلة التجمع الديموقراطي العربي، وكانت مزيجا من "الليبراليين واليساريين"، وشرح لهم باستفاضة الظروف الحساسة التي يمر بها الأردن وتمنى عليهم دعم حكومة المجالي، إثر هذا الإفطار المفاجئ للنواب اتفقت الكتلة على توزيع الأدوار، فحجب بعض النواب الثقة ومنهم من امتنع عن التصويت وبعضهم منحها، وبهذا حصلت حكومة المجالي على ثقة 41 صوتا من مجموع 80 نائبا في البرلمان آنذاك، فكان نجاح على حافة الهاوية.

لا أتذكر ولا أعرف إن تكررت هذه الحوادث بتدخل مباشر من الملك لإسناد الحكومات بعد ذلك، ولكن السنوات الماضية كانت تشي بأن جهاز الاستخبارات بات قادرا على إدارة المشهد بالتعاون مع الحكومة.

اقرأ للكاتب أيضا: سورية.. نازحون على حدود الأردن ومفاوضات سرية في الغرف المغلقة

من يستمع من خارج الأردن، ولا يعرف تفاصيل المشهد النيابي، لخطابات الثقة من النواب بحكومة الرزاز يصل الى قناعة محتمة بأن هذه الحكومة راحلة ولن تحظى بالثقة البرلمانية. لكن رغم هذه النيران التي وصلت لحدود التخوين أحيانا، واتهامات الفساد أحيانا أخرى، والاحتجاج على الوزراء لدرجة اتهام بعض النواب وزير الاتصالات مثنى الغرايبة بأنه كان من المشاركين في "حراك آذار (مارس) 2011" في أول الربيع العربي وطالب بإسقاط النظام الأردني، رغم كل هذا السجال والخطب النارية فإن الحكومة ستحوز على الثقة.

في الأيام الماضية راجت رواية، أو لنقل إشاعة، تعتقد أنه ليس مرغوبا باستمرار بحكومة عمر الرزاز، التي جاءت بعد موجة الاحتجاجات الشعبية ضد حكومة هاني الملقي، ولهذا فإن "الدولة العميقة" لا تهتم بإسنادها وستعطي البرلمان فرصة لاستعراض قوته واستعادة هيبته المفقودة حتى ولو كان الثمن إسقاطها.

لا تجد لهذه الرواية أو الإشاعة مؤيدين يتوقعون حدوثها، وإن كان هناك من بدأ يسترسل بتحليلات عن مخاطر دعوات الرئيس الرزاز لمشروع نهضوي وعقد اجتماعي جديد ويستحضر نظرية المؤامرة على الأردن، ويرى أن هدف هذه الأطروحات هو تفكيك الدولة.

الحقيقة التي يجب أن تقال؛ حظي الرزاز بتأييد شعبي لافت عند اختياره رئيسا للوزراء، وأظهر استطلاع الرأي الذي أعلنه مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية أن تفاؤل الناس بالرزاز وصل إلى 81 في المئة، وهذه نتيجة تستحق التوقف، ولم تتحقق في استطلاعات الرأي السابقة، وهي بذات الوقت مقلقة لمراكز القوى ولخصوم توجهات الرزاز.

من الواضح حتى الآن أن الرزاز يريد أن يخوض معاركه بقوته الذاتية، ولا يريد أن تتدخل مؤسسات صنع القرار لمساندته وتوفير مظلة الدعم. وهو يريد بهذا التوجه أن يحاول استعادة "الولاية العامة" للحكومة التي اتهم بأنه لم ينجح بالظفر بها عند تشكيله لحكومته، وبأنه لم يكن صاحب القرار الأول في اختيار فريقه الوزاري، وبأن العديد من الوزراء فرضوا عليه.

شجع إحساس بعض النواب بأن الرزاز يخوض معركة الثقة وحيدا ودون غطاء مباشر من "القصر والاستخبارات" على شيوع ظاهرة الاتهام والتنمر والاستقواء، ودفع نوابا مخضرمين إلى إعلان حجب الثقة عن الحكومة في أول الكلمات حتى يشجعوا زميلاتهم وزملاءهم على المضي في هذا التوجه.

لا يبدو أن "شهر العسل" بين حكومة الرزاز والبرلمان ممكنا، حتى وإن حظيت بالثقة البرلمانية. خطابات الثقة مقدمة لصراعات ومعارك شد وجذب، فهذا البرلمان ليس ممثلا لأحزاب وازنة، باستثناء كتلة الإصلاح التي يمثل غالبية نوابها حزب جبهة العمل الإسلامي، ويمكن القول إن 130 نائبا يعبرون عن 130 توجها و"حزبا" إن جازت التسمية، وهو ما يزيد من صعوبة بناء التفاهمات، وما يزيد من صعوبة الحال طغيان سمة "المحافظين" على البرلمان، وتعود النواب في علاقتهم مع الحكومات على سياسة التنفيعات والمقايضات التي تعزز مصالحهم، وهذا ما يتناقض مع فكر وتوجهات الرزاز الذي يطرح مفهوم الدولة المدنية في مواجهة الدولة الريعية.

الطريق الأصعب للرزاز الحصول على الثقة الشعبية ونزع صاعق الانفجار من الشارع

​​في خطاب الثقة الذي ألقاه الرئيس عمر الرزاز، أكد أن حكومته تبحث عن حلول استثنائية وليست سحرية، وأنه يدرك حجم المصاعب التي تنتظره في مواجهة الأزمة الاقتصادية وتفاقم الفقر والبطالة والحصار السياسي للأردن.

لم يجترح الرزاز معجزات في خطاب الثقة. ذكر ببديهيات أساسية لبناء الدولة، إذ ركز على مبادئ العدالة والحرية والمساواة والتعددية والتسامح وحقوق الإنسان.

وذكر بأن المال العام مال الناس، وبحق الناس بالمعرفة والوصول للمعلومات، وبحقهم في التعبير السلمي عن آرائهم.

قد تجد هذه المبادئ من يخالفها في برلمان محافظ، وقد تجد من يفسرها ويزجها في أتون الاتهامات المعلبة لمؤسسات المجتمع المدني وارتباطاتها الدولية، وقد تجد من يعارضها ويرفضها ولا يعتبرها أولوية لبلد يواجه تحديات أمنية.

اقرأ للكاتب أيضا: مفاجآت مونديال روسيا... 'ذل الكبار' وتألق 'الصغار' وظلم الحكام!

لا تزال ظلال الاحتجاجات في الدوار الرابع تؤثر بالرزاز، فهو يعلم أن الطريق الأكثر وعورة وصعوبة هو الحصول على الثقة الشعبية، وليس ثقة مجلس النواب، ويعرف أن استمرار بقائه أو رحيله مرتبط بالقدرة على "نزع صاعق الانفجار" من الشارع وتقديم حلول ترضيه على المستوى الاقتصادي والمعيشي، ويقبل بها ولا تشعره بالخنوع على المستوى السياسي.

على وقع خطابات النواب بالثقة، إن التعامل مع البرلمان ليس المهمة الأصعب للرزاز، وإنما كيف يبني جسورا من الثقة مع الشارع الذي راهن عليه وأصيب بخيبة بعد تشكيل الحكومة!

كلمة السر هي ابتكار حكومة الرزاز لحلول استثنائية تتجنب فرض المزيد من الضرائب على الناس، وتشعرهم بتحسن ولو طفيف بمسار حياتهم، وتعيد صناعة الأمل والمستقبل أمامهم، وتؤكد لهم أن الأردن يتسع لأبنائه ويؤمن لهم حياتهم، وليس من الضروري أن يحزموا حقائبهم ويهاجروا، وهذا ما قاله الرزاز للشاب "قتيبة" حين سأله هل يهاجر أم يبقى في البلد، لأن هناك أملا!

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.