ورود وشموع للكاتب المعارض للنظام السوري سمير قصير بعد أسبوع على اغتياله عام 2005 (أرشيف)
ورود وشموع للكاتب المعارض للنظام السوري سمير قصير بعد أسبوع على اغتياله عام 2005 (أرشيف)

بقلم حسين عبد الحسين/

ربما حان وقت المصارحة والاعتراف أن الشعب العربي ليس مستعدا لثورات تطيح بحكوماته المستبدة وتستبدلها بأخرى ديموقراطية. ربما حان وقت الإفادة من دروس التغيير منذ حرب العراق في العام 2003، مرورا بثورة لبنان 2005، وثورات تونس ومصر وليبيا وسورية واليمن في 2011. ربما حان وقت إدراك أن المستبدين من حكام العرب ليسوا شذوذا، بل هم نتاج طبيعي لنشأتهم، وثقافتهم، والبيئة الحاضنة لهم.

لم يكن صدام حسين استثناء. لم يكن زوج أم صدام، الذي كان يوسع صدام الضرب بالعصا، استثناء. لم يكن مربي صدام وخاله خيرالله طلفاح، الذي أطلق نظرية المساواة بين الفرس واليهود والذباب، استثناء. معظم العرب نشأوا مع عصا أبيهم، وشبشب أمهم، وحزام عمهم. ومعظم العرب انضربوا، وضربوا، وعاشوا في عالم عنيف يرددون فيه "أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب"، فانقلبت الجيوش على الحكومات، وانقلب الضباط على الضباط، وانشقت الفصائل عن بعضها البعض، وتناحرت، وتحاربت، واغتالت قادة بعضها بعضا.

هو لم يكن ربيعا عربيا، بل كان حلما عن ربيع موعود، لم يتحقق على أيدي الجيل العربي الحالي، لكنه لن يبقى بعيد المنال إلى الأبد

​​لم يبدأ فشل العراق في العام 2003، ولا بدأ فشل مصر وليبيا وسورية في 2011، بل هو فشل ناجم عن تخلف حضاري عربي عن باقي الحضارات والشعوب. لم يبدأ العرب منذ زمن قريب رحلتهم للبحث عن الذات وعن الهوية، ولم يندلع النقاش حول سبل التخلص من الاستبداد مع صدام والأسد والقذافي، بل هي رحلة بدأت منذ وطأة أقدام جيش نابليون مصر قبل أكثر من 200 عاما. يومها رأى العرب بأم أعينهم الفارق الشاسع بين تقدم الغرب وتأخرهم.

في ذلك الزمن، انقسم مفكرو النهضة العربية إلى قسمين: واحد نادى بإصلاح الإسلام لجعله متناسقا مع القرن العشرين، وآخر طالب بإصلاح المسلمين وإعادتهم إلى القرن السابع. مني الفريقان بفشل ذريع، فانقسامهما ظل فكريا، واستمر العرب، من العلمانيين البعثيين والناصريين كما من الإسلاميين، يعيشون في دوامتهم العبثية من العنف المفرط.

اقرأ للكاتب أيضا: لم لا يمول 'أصدقاء الفلسطينيين' الأونروا؟

ليت التغيير كان ممكنا في عالم العرب ودنياهم. لكن التغيير لا يقتصر على الإطاحة بالحاكم المستبد، على أهمية التخلص من الاستبداد، بل إن التغيير يحتاج إلى ثقافة على مستوى فردي، وعائلي، وعشائري، وقبائلي، ومجتمعي، وقومي. فالرخاء الاقتصادي يتطلب اقتلاع الفساد، واقتلاع الفساد يتطلب محاسبة، والمحاسبة تتطلب ديموقراطية، والديموقراطية تتطلب حرية فردية، والحرية الفردية تتطلب التخلص من هوية الجماعة، والتخلص من هوية الجماعة تتطلب إدراك أن العبادة علاقة بين خالق ومخلوق لا بين خالق وعشيرة أو قبيلة أو شعب.

يردد العراقيون أن صدام رحل، وأن خمسين صدام حلوا مكانه، وهذا صحيح إلى حد ما، فأسس الاجتماع العراقي بقيت على حالها، قبل صدام وبعده، إذ لا يمكن أن ينتج العراقيون دولة أفضل ما لم يتغير مفهوم الدولة في ثقافتهم، وما لم تتغير توقعاتهم التي يعقدونها على الحكومة والحاكم، إذ نرى نفس العراقيين الذين يطالبون بمحاسبة وشفافية وتداول سلطة يطالبون في الوقت نفسه حكامهم بوساطة هنا، ومنحة هناك، ووظيفة تحت طائلة الغضب على الزعيم الفلاني لامتناعه عن "خدمة جماعته"، فالدولة إما جماعات وزعماء وفساد، أو مواطنون ومؤسسات وصلاح.

أشعلت الأقلية الديموقراطية ربيعا عربيا بدا جميلا في بدايته

​​لهذا السبب، لم يختلف صدام عمن خلفه في الحكم إلا بمستوى دمويته، التي لا يضاهيه فيها أحد، وكذلك لن يختلف الأسد إلا بعنفه المفرط. أما المعارضون، فهم في الغالب نسخ أقل عنفا من الحكام، وأكثر فشلا.

على أنه، وللإنصاف، لا بد من الإشارة إلى حفنة من الديموقراطيين العراقيين واللبنانيين والتونسيين والمصريين والليبيين واليمنيين والسوريين. هؤلاء غالبا ما كانوا في صدارة ضحايا الثورة، إما قتلى أو منفيين. هؤلاء ديموقراطيون، يدركون معنى الحرية، ويعرفون متطلبات بناء دولة حديثة وعصرية، لكنهم أقلية مستهدفة من الحكام والمعارضين في الآن نفسه.

اقرأ للكاتب أيضا: الحاج زياد الرحباني

هكذا أشعلت الأقلية الديموقراطية ربيعا عربيا بدا جميلا في بدايته، عزف ألحانه السوري مالك جندلي، وكتب افتتاحياته اللبناني سمير قصير، وبكى لأجله المصري وائل غنيم، ونشطت في تنظيم تنسيقياته السورية رزان زيتونة. ثم تداور المستبدون ومعارضوهم في القضاء على هؤلاء الأحرار، فانقلبت ثورات الحرية إلى حروب أهلية دموية، والباقي للتاريخ.

هو لم يكن ربيعا عربيا، بل كان حلما عن ربيع موعود، لم يتحقق على أيدي الجيل العربي الحالي، لكنه لن يبقى بعيد المنال إلى الأبد.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.