تظاهرة دعم للثورة السورية أمام مقر الجامعة العربية في القاهرة عام 2011 (أرشيف)
تظاهرة دعم للثورة السورية أمام مقر الجامعة العربية في القاهرة عام 2011 (أرشيف)

بقلم حسن منيمنة/

مضى على إنشاء منظومة الدول الوطنية في الشرق العربي قرن كامل توالت عليه سرديات كبرى، كل منها حاولت أن تشكل الإطار الشامل للثقافة والمجتمع والسياسة، قبل أن يتبين قصورها أو فشلها، في التفسير والإنجاز وفي الاستقطاب، ليعتريها الضمور تاركة المجال للتي تليها. وقد تناوبت هذه السرديات في استيعاب الطابعين النخبوي فالشعبوي، كما العالمي فالذاتي.

فأولاها، "الحداثية" أو "العصرية" بوصفها الذاتي، مع اقتصار تدرجها إلى الحداثة الفعلية على الأولويات، وهي الوريثة السياسية لنهضة القرن التاسع عشر ومساعي محاكاة التقدم والرقي المتحققين في الغرب، كانت نخبوية وعالمية. كانت هي الصيغة التي يفضلها المتغلب الغربي، البريطاني أو الفرنسي، والذي استعاض عن الحضور الاستعماري بأطر تتناسب والقسم الأول للقرن العشرين، فاعتمد الانتداب والحماية والعهد، بما ينسجم مع رغبته بالبقاء وترتيب مصالحه الاقتصادية من دون الخروج عن خطابه السابق لسقوط السلطنة العثمانية حول دوره الحضاري ورفع الظلم عن شعوب المنطقة، وبما يتوافق مع النظام العالمي الجديد المتشكل بعد نهاية الحرب الكبرى.

التبعية الواضحة من النخبة السياسية والاقتصادية للقوى الخارجية أتاح المجال لبروز الطرح القومي، في شعبويته المتصدية للنخبة وفي خصوصيته الداعية إلى العودة إلى الأصيل، والأصالة هنا تجمع المتوارَث والمتخيَّل. والوعد كان بتحقيق ما عجزت عنه السردية "الحداثية" من تقدم ورقي، ومن دحر للمسعى الاستعماري الاستيطاني في فلسطين، والذي استحال دولة قادرة رغم تدخل جيوش الدول الوطنية العربية. ولكن السردية القومية كررت وحسب تجربة سابقتها، فإذا كانت نهاية الأولى بـ"النكبة"، فإن خاتمة هيمنة الثانية كانت "النكسة".

الجهات التي تعتنق اليوم السردية "المستقبلية" تدرك أن القوى المعادية لها لن تنكفئ إلى الأبد، فيما هي تستقطب الجمهور بطروح تزعم النجاعة

​​أما السردية الثالثة، وهي "الثورية" أو "الاشتراكية" أو كلتاهما معا، فعادت صراحة إلى العالمية، تحت مسمى الأممية، كما استعادت ضمنا الخطاب النخبوي، وإن المعمى، بالحديث عن الطليعة التي من شأنها تحقيق الوعي الطبقي الغائب لدى الطبقات الشعبية. غير أنه في حين كانت السردية "الحداثية" قد تزامنت مع نشوء الدول الوطنية وساهمت وإن بالتباس بتحقيق الاستقلال، وإذا كانت السردية القومية قد قدمت الإطار للانقلابات في الدول الجمهورية والملكية على حد سواء، في مصر وسورية والعراق، في مرحلة صعودها، وفي ليبيا والسودان واليمن في أطوار تضعضعها، فإن السردية الثورية، رغم الزخم الناتج عن الحراك والنجاحات في مختلف أنحاء العالم، لم تتمكن في بلوغ السلطة في الوسط العربي إلا جزئيا في اليمن الجنوبي، رغم الأثر البالغ لخطابها في عموم الثقافة العربية. ولا شك أن أمد السردية الثورية قد قطعه توالي الأحداث الخارجية، ولا سيما الثورة الإسلامية في إيران، كعامل سحب، والتدخل السوفياتي في أفغانستان، كعامل دفع، بل كانت الحصيلة تأهيل المقومات المتضافرة لهيمنة السردية التالية، أي الإسلامية.

اقرأ للكاتب أيضا: حرية التعبير أميركيا وعربيا

لا بد من الإشارة إلى الخواء في المضمون لدى هذه السرديات كافة. فكما أن "الحداثية" اقتصرت على قدر من اعتماد النظم والأشكال، فإن السردية القومية كادت أن تتوقف بدورها عند استنساخ الرواية الأسطورية الغربية حول "العصر الذهبي" الغابر والذي انقضى بقدوم الآخر الخارجي، انحطاطا واستعمارا، ليحل زمن استفاقة المارد، فقدمت قراءة اختزالية للماضي والحاضر. وكذلك حال السردية الثورية، رغم ثراء الرصيد الاشتراكي، نصا وحراكا، ورغم بروز مفكرين ثوريين عرب قادرين على توفير القراءة المشذبة، فإنها في صيغها التطبيقية والتعبوية، قل إن تجاوزت الشعارات.

فالسردية الإسلامية لا تختلف من حيث غياب المادة عن سابقاتها. هي، في استكمال للتناوب بين العالمي والذاتي، تختلف عن "الحداثية" والثورية وتتماهى مع القومية في ذاتيتها، وفي حين أنها في مطلع عهدها بدت مستعيدة للتناوب بين النخبوية والشعبوية، وطُرحت على أنها التعبير الشعبوي لحال الجمهور الرافض لتغرب النخبة، فإنها في مراحلها التالية، حيث تعذرت عليها التعبئة الفاعلة، انتقلت إلى اعتبار أن الأصل في العامة هو الجهل، وأن الخاصة، أي الإسلاميين أو المجاهدين، هم المناط بهم ولاية الأمة. ولكنها، كسابقاتها، بقيت قاصرة في تقديم الرؤى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مستعيضة عنها بالرموز والشعارات، من "الإسلام هو الحل" إلى "إقامة دولة الخلافة"، وتحريم الربا وفرض الحجاب.

والسردية الإسلامية، مثل سابقتها كذلك، استنفدت قدرتها على الوعد دون الأداء. وحيث كانت لها الغلبة، من السودان إلى مصر الإخوان وصولا إلى "الدولة الإسلامية"، انكشف عجزها عن الإنجاز. فهي اليوم، بكافة صيغها، من الإخوانية إلى السلفيات الولائية والحركات الجهادية، بل على مدى مشتقاتها الفكرية، من التكفيرية الحازمية إلى القرآنية، غير قادرة على توصيف السبل الناجعة لاستنهاض قواعدها ووضع ثروات أوطانهم في خدمتهم والحفاظ على هويتهم.

فالساحة اليوم متاحة لسردية كبرى جديدة تفسر وتؤطر وتوضح الطريق. وإذا كان "الربيع العربي" إشعارا بأن هذه السردية قد تتشكل من مضمون حداثي صادق مبني على استيعاب للقيم العالمية والحقوق الإنسانية، فإن فشل معظم انتفاضات هذا "الربيع" قد أتاح لـ"الثورة المضادة" الإمساك بالخطاب الحداثي، لا من جهة المضمون المبدئي والحقوقي، بل من جانب الوعد الاقتصادي. من "نيوم" السعودية، إلى "مارس سيتي 2115" الإماراتية، مرورا بـ"كابيتال كايرو" المصرية، البديل عن الإرهاب الإسلامي والفوضى "الربيعية" (أو الخريفية أو ما شاء لها التشفي من النعوت) هي السردية "المستقبلية" المشوقة والمهيبة، والتي تدعو إلى تجديد الولاء للأبوية المسؤولة القادرة على التنفيذ. بل إن "صفقة القرن" وكذلك "إعادة الإعمار" في سورية، تندرج ضمن هذه السردية، في سعي إلى حصر ما تبقى للربيع الملعون وللسردية الإسلامية، بل وسابقتيها الثورية والقومية، من قدرة على الاستقطاب.

لهذه السردية "المستقبلية" سابقة وإرهاص. القراءة كانت بسيطة ومفيدة: همّ الهوية والاعتبارات العقائدية لم يحسم رغم مرور العقود على معالجته، فيما المظالم الموضوعية لم تحلّ بل ازدادت حدة عند الإصرار على معالجتها في إطار حقوقي غير قابل للمساومة. الموضوع كان لبنان، والقارئ كان رئيس الحكومة اللبناني الراحل رفيق الحريري إذ وضع رؤيته "المستقبلية" موضع التنفيذ في سعيه إلى إنهاء حالة الحرب المستتبة في وطنه. المنطق الضمني كان في حال تحقق القدر الابتدائي من التقدم العملي، فإن الولاءات الفئوية والصراعات العقائدية من شأنها أن تتراجع، فترتفع بالتالي إمكانية إنجار المزيد، ومعه المزيد من انحسار الخلافات النظرية. الوجهة هي المستقبل، وليس بالصدفة أن يحمل تيار الحريري اسم "المستقبل". ومن الشأن اللبناني إلى ما يتعداه، كانت قناعة الحريري أن التفاعل المنتج قادر على تخفيض حدة الخلاف والتصادم، وكان هذا صلب رهانه في التعامل مع "حزب الله" وحافظ الأسد.

ما لم يحسبه الحريري بالقدر الكافي هو أنه بقدر ما يعول على التبدل لدى أصحاب الطروحات العقائدية، فإنهم بدورهم ينشطون للاستفادة المرحلية منه. فالمسألة ليست منافسة متساوية، بل حين اختل التوازن الميداني نتيجة علاقات الحريري الدولية ليميل إلى صالحه تمت تصفيته، وانتهت معه كافة الحسابات الدقيقة لصالح العقائديين. وإذا اضطر نظام دمشق إلى الانسحاب من لبنان لظروف المرحلة، فإنه يتحضر للعودة، وإن بعد طول غياب.

كانت قناعة الحريري أن التفاعل المنتج قادر على تخفيض حدة الخلاف والتصادم، وكان هذا صلب رهانه في التعامل مع "حزب الله" وحافظ الأسد

​​الإدراك أن المعترك السياسي، المحلي كما العالمي، ليس حلبة محكومة بقواعد منافسة عادلة، بل هو ساحة مفتوحة لاعتبارات القوة والمصلحة، غالبا ما يغيب عن المطالبات بالإصلاح ومحاربة السرقة الممنهجة وتبديل الشرائح السياسية الفاسدة. إذ لا إمكانية أبدا للعودة إلى الصفر، أي أن أية دعوة من هذا القبيل، بما فيها انتفاضات "الربيع العربي"، يتم اعتراضها تلقائيا، وإن بعد وهلة استجماع للأنفس وللمبادرة، من كافة الأطراف المتضررة منها.

والجهات التي تعتنق اليوم السردية "المستقبلية" تدرك أن القوى المعادية لها لن تنكفئ إلى الأبد، فيما هي تستقطب الجمهور بطروح تزعم النجاعة. بل إن هذه القوى تتربص منتظرة الفشل وانحسار التأييد، ولا سيما أن الطبيعة المفرطة بالتفاؤل للطروحات المستقبلية لا تنسجم مع الواقع الموضوعي للبلاد المعنية، لا من حيث القدرات الذاتية البشرية والعلمية، ولا من حيث توفر الاستثمارات لبلوغ الموعود، ولا من حيث الجدوى وإمكانية ترجمة السعي المستقبلي إلى رخاء وازدهار وتطور للعامة. فالسردية "المستقبلية" في صيغتها الطموحة الحالية قد لا تكون معنية بالصواب من الخطأ في سعيها المستقبلي بقدر ما هي على الفور وسيلة إلى استعادة الهيبة والاستمهال للمزيد من تثبيت الدولة الأبوية القادرة على مواجهة التحديات السياسية المرتقبة.

اقرأ للكاتب أيضا: 'الإصلاح الديني': مساءلة للمقاربة

وليس هذا محصورا بالطرح المستقبلي، بل قد يشير خواء السرديات الكبرى إلى أن الحاجة إليها تعبوية آنية أكثر منها موضوعية عملية. وحتى مع اعتبار صدق النوايا وعدم افتراض تعمد المخادعة، إذا كان المقصود آنيا ويتحقق بالخطاب القادر على حشد التأييد، أو ربما على تشتيت التأييد للطرح المخالف، فلا حاجة ماسة لمادة مضمون هادف قادر على التأثير والتحقيق والإنجاز على المدى البعيد.

كيف يؤكد صاحب الطرح القومي صحة طرحه؟ بالصدوح بأنها أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، إذا كان بعثيا أو ما يشبه ذلك في خلافه. وكيف يؤكد صاحب الطرح الإسلامي صحة طرحه؟ بالإعلان بأن الإسلام نظام شامل كامل صالح لكل زمان ومكان. هنا وهنالك، لصاحب الطرح الحق بالقناعة بطرحه. ولكن، في الموضعين، ثمة خلط بين البيان والبرهان. ولا بالقول ولا بالفعل، نجح أصحاب هذين الطرحين، مع إضافة الطرح الثوري بأشكاله إليهما، بتقديم النموذج العملي المقنع. ولا يبدو أن السردية "المستقبلية"، في وعودها المريبة، تسير نحو الاختلاف عن هذه الصيغة.

وإذا كان هذا هو حال السردية "المستقبلية" المستجدة، وحال ما قبلها، فإن الواقع الثقافي العربي لا يزال مفتوحا أمام السردية البديلة القائمة على المضمون الموضوعي القادر على موازنة الاعتبارات ورسم الرؤية المفيدة إزاء توالي تطورات جسيمة تهدد المنطقة وشعوبها بالخطر، من التبدل المناخي والتصحر وشحة الموارد إلى الأمن الغذائي والمائي والسكاني، مرورا بالانتقال القطعي في طبيعة النظام العالمي نحو اقتصاد المعلومات والتأليل لغير صالح الحالة القاصرة القائمة في الوسط العربي اليوم. بل هذه سردية مستقبلية أخرى قلّ أن يجري استدعاؤها، رغم خطورتها. وليس من شأن السردية الاستنهاضية البديلة أن تتحقق إلا إذا كان المجتمع قادرا على احتضانها. هي دائرة التدرج إذا. وفي حين لا شحة في المواضع والأماكن والدوائر التي يمكن أن تنطلق منها، فإن الإقدام عليها لا يزال غائبا.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.