يقرأون القرآن بعد صلاة الجمعة خلال شهر رمضان في أحد مساجد أبيدجان
يقرأون القرآن بعد صلاة الجمعة خلال شهر رمضان في أحد مساجد أبيدجان

بقلم بابكر فيصل بابكر/

قلت في مقال سابق إن فتح باب الاجتهاد في قراءة النصوص الإسلامية أضحى أمرا حتميا حتى تخرج المجتمعات الإسلامية من حالة الجمود والتخلف وتستطيع مجاراة التغييرات التي طرأت على الكثير من القضايا مثل الرق والعبودية والمرأة والقتال والعلاقة مع غير المسلم.

قبل أن أكمل كتابة سطور ذلك المقال، وبينما كنت أمارس عادتي المحببة في الاستماع للراديو قبل النوم، أدرت المؤشر فوقع على إذاعة سودانية محلية اسمها "طيبة"، وكانت في تلك اللحظة تبث حلقة من برنامج بعنوان "بريق المواعظ" يقدمه الداعية السلفي الراحل "محمد سيد حاج"، وقد أدركت جزءا كبيرا من الحلقة التي يبدو أنها كانت مخصصة لموضوع العلاقة مع غير المسلم.

تناول الداعية محمد سيد حاج الحديث الوارد في صحيح مسلم والذي يقول: "حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز يعني الدراوردي عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه".

إن المواطنة المتساوية وليس عقد الذمة هي التي تنظم العلاقات بين الناس داخل الدولة القومية

​​وكذلك تطرق في حديثه للآية 29 من سورة التوبة: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فيه".

قال الداعية إن حديث التضييق على أهل الكتاب من الأحاديث الصحيحة وبالتالي لا مجال لإنكار نسبته للرسول الكريم أو الالتفاف عليه، وكذلك فإنه لا يوجد مجال لنفي حكم آية الجزية، ومضى ليشرح كلامه بالقول إن "عجز المسلمين اليوم عن تطبيق أحكام الآيات والأحاديث التي تحكم علاقة المسلم بغيره من أهل الكتاب أو المشركين لا يعكس قصورا في تلك الأحكام، بل ينبئ عن ضعف المسلمين اليوم"، وعليه فإن تلك الآيات والأحاديث ستظل باقية حتى يأتي "رجال من المسلمين أفضل منا لتطبيقها".

اقرأ للكاتب أيضا: مأزق القراءة الحرفية للقرآن والأحاديث (1)

من الجلي أن الراحل محمد سيد حاج لا يعترف بالتغيرات الزمانية الهائلة التي طرأت على المجتمعات الإنسانية وما أحدثته من تغيير في أرض الواقع يجعل من الضرورة السعي لإيجاد اجتهاد جديد في قراءة النصوص حتى تواكب ذلك التغيير. فهو يرى أن تلك الأحكام يجب أن تظل ثابتة حتى يظهر جيل مؤمن قوي من الرجال يقوم بفرض تطبيقها.

كانت العلاقات المجتمعية والدولية في فترة ظهور تلك النصوص تقوم على الفرز الديني، حيث لم يكن قد ظهر حينها مفهوم "الدولة/الأمة" الذي يساوي بين جميع الناس ويجعل من "المواطنة" أساسا للحقوق والواجبات بغض النظر عن انتمائهم الديني أو العرقي أو غير ذلك، وبالتالي فإن الفقه الذي تم إنتاجه قبل مئات السنين لا يتماشى مع الحقائق الجديدة التي تتطلب اجتهادا مغايرا يجاري حقائق العصر.

إن العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب كان يجري ترتيبها بحسب "عقد الذمة" الذي يجعل من الأخيرين مواطنين من الدرجة الثانية بحسب المفاهيم الحالية؛ فهم مجبورون على دفع الجزية لأنهم يعيشون في "دار الإسلام" وتحت حماية المسلمين. ولذلك ظهرت أبواب عديدة في الفقه القديم تعالج أدق التفاصيل التي تنظم العلاقة معهم، وفيها من الأحكام ما يستحيل تطبيقه في زماننا هذا.

وإليك أيها القارئ الكريم هذا النص المنزوع من كتاب "الروض المربع شرح زاد المستنقع" للشيخ منصور البهوتي (توفي عام 1050 هجري) وهو شرح على متن "زاد المستنقع في اختصار المقنع" لمؤلفه الشيخ شرف الدين أبو النجا موسى الحنبلي (المتوفي عام 960 هجري) وهو من الكتب التي كانت تدرس حتى وقت قريب في معاهد الأزهر الشريف.

فيما يخص بعض الأحكام المتعلقة بأهل الذمة يقول الكتاب: "ويلزمهم (أي أهل الذمة) التمييز عن المسلمين بالقبور بأن لا يدفنوا في مقابرنا والحلق بحذف مقدم رؤوسهم لا كعادة الأشراف ونحو شد زنار ولدخول حمامنا بجلجل أو نحو خاتم رصاص برقابهم، لهم ركوب غير الخيل كالحمير بغير سرج فيركبون بأكاف وهو البرذعة ولا يجوز تصديرهم في المجالس ولا القيام لهم ولا بدأتهم بالسلام أو بكيف أصبحت أو أمسيت أو حالك".

النص أعلاه يخالف روح العصر ومبادئ الدولة الحديثة، فهو يلزم أهل الذمة بحلق شعر رؤوسهم بطريقة لا تشبه حلاقة الأشراف من المسلمين، وهو كذلك يحرمهم من ركوب الخيل ويسمح لهم فقط بركوب الحمير ولكن من غير "برذعة" (والبرذعة ما يوضع على ظهر الحمار أو البغل ليركب عليه، وهي كالسرج للفرس)، كما ينص الكتاب كذلك على أن الذمي إذا أراد دخول حمام المسلمين فيجب عليه ربط "جلجل" وهو الجرس الصغير على رقبته حتى نستطيع تمييزه عن المسلم!

هذه الأحكام بما فيها من تمييز يقوم على أساس الدين هي مجرد أمثلة بسيطة لما تحتويه كتب الفقه، ومن المؤكد أن تطبيقها مستحيل في عالم اليوم، إذ أنها تحط من قدر الإنسان غير المسلم وتجعله في مرتبة أدنى بكثير من المسلم.

إن الفقه الذي تم إنتاجه قبل مئات السنين لا يتماشى مع الحقائق الجديدة التي تتطلب اجتهادا مغايرا يجاري حقائق العصر

​​إن المواطنة المتساوية وليس عقد الذمة هي التي تنظم العلاقات بين الناس داخل الدولة القومية، حتى وإن كانت هناك أكثرية تعتنق دينا معينا، وذلك لأن موضوع الأكثرية والأقلية لا ينطبق على فكرة الحقوق في الدولة الحديثة، التي تقتضي المساواة الكاملة بين جميع المواطنين مهما كان عددهم، لأنه من الناحية النظرية فإن الأقلية يمكن أن تنقلب إلى أكثرية.

ومن المفارقات التي تثير الدهشة في هذا السياق هي أن البرنامج الإذاعي الذي نتحدث عنه والذي يدعو لأخذ الجزية من أهل الكتاب والتضييق عليهم في الطريق، يتم بثه برعاية شركة "سوداني" للهاتف السيار (الجوال) وهي الذراع الرئيسي لشركة "سوداتل للاتصالات" التي تمتلك الحكومة السودانية 30 في المئة من قيمة أسهمها.

اقرأ للكاتب أيضا: مأزق القراءة الحرفية للقرآن والأحاديث (2)

تقوم الحكومة تقوم بجباية الضرائب من المسلمين والمسيحيين على وجه السواء، وهذا يعني أن الأسهم التي تمتلكها الحكومة في شركة "سوداتل" قد تم تمويلها جزئيا من قبل دافع الضرائب المسيحي أو غير المسلم على وجه العموم، وبالتالي فهل يستقيم عقلا ويصح قانونا أن تقوم تلك الشركة برعاية برامج تدعو للانتقاص من حقوق مموليها من دافعي الضرائب غير المسلمين؟

وكذلك فإن شركة "سوداتل" وذراعها الرئيسي شركة "سوداني" تجنيان أرباحا طائلة من الأموال التي يدفعها المشتركين من غير المسلمين، وهو الأمر الذي كان يجب أن يمنعهما من رعاية مثل هذا البرنامج!

وهكذا فإنه يثبت في كل مرة أن المجتمعات الإسلامية في حاجة ماسة لفتح باب الاجتهاد في قراءة النصوص الدينية حتى تستطيع مواكبة المستجدات العصرية وإحداث الانفتاح العقلي الذي من شأنه أن يفتح آفاقا واسعة للحاق بركب الأمم المتقدمة.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.