متظاهرون ضد الفساد في مدينة صور جنوب لبنان في العام 2015 (أرشيف)
متظاهرون ضد الفساد في مدينة صور جنوب لبنان في العام 2015 (أرشيف)

بقلم حازم الأمين/

تولى نائب في حزب الله تعبيد طريق منزل أحد مناصريه في قريتنا. نفذت وزارة الأشغال اللبنانية "الخدمة" من موازنة "خدمات النواب"، على ما قال رئيس بلدية القرية. وصودف أن الطريق المذكور يفضي إلى منزلنا. أقل من خمسة أمتار تفصل منزل مناصر نائب الحزب عن منزلنا. الزفت (الإسفلت) توقف عند باب منزل جارنا، وضاقت عين وزارة الأشغال بالأمتار القليلة المتبقية. المقاول الذي تتولى آلياته تعبيد الطريق، والذي رفع على هذه الآليات راية وزارة الأشغال اللبنانية، قال لأمي إن عليها أن تدفع مبلغ 1600 دولار أميركي لكي يعبد ما تبقى من أمتار تفصل منزلنا عن نعمة الإسفلت التي أغدقها الحزب على مناصره وحرمنا منها. قال إن الوزارة أوصته أن يتوقف عن تعبيد الطريق ما أن يصل إلى باب منزل الجار.

حزب الله، الذي خصص أمينه العام حسن نصرالله نائبا من كتلته ليتولى ملاحقة الفساد المتفشي في الدولة اللبنانية، لا يشعر أن في الخطوة التي أقدم عليها نائبه رائحة فساد.

الفساد في إيران هو ابن ولاية الفقيه، ولا أحد محصن طالما أن قيم الدولة الحديثة والعادلة ما زالت طموحا بعيد المنال

​​إنها "خدمة" عابرة لمناصر للحزب، والأمتار الخمسة المتبقية من دون تعبيد هي أداة عقابية على الأرجح، رغم أن أمي، التي لم ينعم منزلها بإسفلت الحزب، ليست عدوة له وهي شأنها شأن آلاف من نساء القرى من "عوام المؤمنين". وإذا كان ابنها لا يحب الحزب فشقيقها يحبه، وابن شقيقها الآخر مناصر لحركة أمل، والقضية لا تتعدى أمتارا خمسة من الإسفلت. الأرجح أن هذا الضيق الموضعي هو صورة عن ضيق أكبر وأوسع عن فهم السلطة وعن ممارستها.

الواقعة على موضعيتها يمكن أن تشكل مدخلا لنقاش فهم حزب الله للسلطة بعد أن استتبت له، وبعد أن شرع يمارسها بوصفها تسييرا ليوميات "رعاياه" في الجنوب والبقاع اللبنانيين. فالأرجح أن الحزب بدأ يتعثر بموقعه المستجد هذا، ويبدو أن انحسار موارده الخارجية سيرشحه لمزيد من التعثر. الوقائع اليومية في جنوب لبنان تزخر بحكايات عن فساد في الحزب، وعن آلته البيروقراطية الساعية لجني ثمار السلطة عبر قنوات الفساد نفسها.

اقرأ للكاتب أيضا: موقع بيروت وبغداد من العقوبات على طهران

الأرجح أن الحزب سيعجز، إذا ما أراد، عن الحد من جموح جماعاته إلى تكديس الثروات. هذا ما ينقله كثير من الجنوبيين من غير خصوم الحزب. فالأخير كبر وتوسع وصار آلة بيروقراطية منغمسة بمصالح مسؤوليها وطموحاتهم بالثراء. الحكايات عن المستفيدين من أعضاء الحزب، مثلا من قضية مسح الأراضي والعقارات، كثيرة. ويبدو أن هذه القضية تحولت إلى ظاهرة يتحدث عنها معظم أبناء قرى الجنوب اللبناني.

والملاحظ هنا أن الحزب بدأ يستثمر في "حصته" من الدولة اللبنانية، وهي ما كان يوحي أنه تعفف عنها سابقا، ذاك أن أمينه العام سبق أن قال أكثر من مرة إن اقتصاد الحزب من ألفه إلى يائه مبني على ما تقدمه له إيران.

الأرجح أن حزب الله سيعجز، إذا ما أراد، عن الحد من جموح جماعاته إلى تكديس الثروات

​​وهنا على المرء أن يتوقع تقهقر التمويل الإيراني في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها الجمهورية الإسلامية وفي ظل العقوبات الأميركية. ويبدو أن مؤشر التقهقر صار من الممكن رصد أوجه منه في أداء الحزب وفي علاقته ببيئته وجماعاته. وهو ما سيرشحه من دون شك إلى الانغماس في بؤر الفساد اللبنانية، التي لا يبدو أن جماعة لبنانية واحدة تملك مناعة تفادي الانغماس فيها.

علينا أن نضيف هنا عاملا آخر مرتبطا بأفول "اقتصاد الممانعة" وهو اقتصاد القتال في سورية الذي بدأ يشهد مراحله الأخيرة، وهو ما سيفضي إلى حقيقة أن آلافا من الشبان سيصبحون من دون عمل. يتحدث الجنوبيون عن هذا الاحتمال بشكل يومي، ذاك أن القتال في سورية شكل مخرجا لآلاف ممن وجدوا فيه فرصة لتأمين دخل، وجرى في ظل هذه المشاركة تأسيس لعائلات ولمنازل ولتصور عن المستقبل لا يأخذ بعين الاعتبار احتمال وقف الحرب.

اقرأ للكاتب أيضا: 'بشار الأسد هو الضمانة'

ثمة مؤشرات كثيرة تدل على أن حزب الله سيستعيض عن اقتصاد الإعالة الذي أتاحه له التمويل الإيراني بالسعي لحجز حصته من موازنة الحكومة اللبنانية. والمؤشرات ليست توقعات، إذ يبدو أن الحزب باشر وجهته هذه، وهنا يمكن للمرء أن يتوقع ما تستدرجه هذه المهمة من احتمالات بدأت تثقل على صورة الحزب بصفته خارج "نِعَمِ" الفساد اللبناني.

ثمة مؤشرات إلى بدء تصدع دور "الأيديولوجيا" المذهبية بصفتها مصدر تماسك جماعة حزب الله في لبنان والجماعات الموازية لها في كل من العراق وإيران. فالسلطة استتبت بعد أن "أنجز النصر". وهذه القوى أنشأت لتتولى إدارة الحروب، أما إدارة حياة الناس ويومياتهم، فلن تؤديها على نحو أفضل مما أدتها سلطات موازية لها. الفساد في إيران هو ابن ولاية الفقيه أيضا، ولا أحد محصن طالما أن قيم الدولة الحديثة والعادلة ما زالت طموحا بعيد المنال.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟