حمل الرئيس اللبناني ميشال عون الشعب مسؤولية عدم محاربة الفساد
حمل الرئيس اللبناني ميشال عون الشعب مسؤولية عدم محاربة الفساد

بقلم فارس خشّان/

نادرة ـ حتى لا ننفي وجودها كليا ـ هي المرات التي قرأنا أو سمعنا مسؤول كبير في الدول العريقة بنظامها الديموقراطي، ينسب القرارات التي يتخذها إلى إرادة شعبه، أو يلقي بعجزه عن تحقيق ما تعهد به إلى تلكؤ الشعب.

ولكن، وافرة هي المناسبات التي يخرج فيها كبار المسؤولين في الدول التي تزعم أن نظامها ديموقراطي ليحملوا الشعب المسؤولية، كما حصل في لبنان مؤخرا، إذ ربط رئيس الجمهورية ميشال عون العجز عن مكافحة الفساد بإرادة الشعب وسلوكه، على اعتبار "أن لا إمكانية لإنجاز إصلاح في مجتمع لا يريد شعبه مواجهة الفساد فيه"، كما قال في تغريدة على حسابه في موقع تويتر.

عن دراية أو عن جهل، يعبر المسؤول عن تطلع إلى ديكتاتورية من سماه يوما جورج أورويل "الأخ الأكبر"

​​لكلام الرئيس اللبناني، بطبيعة الحال، خلفيات كثيرة ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، رأيه بتوجهات التصويت في الانتخابات النيابية ومطالبة الناس للسياسيين بتوفير خدمات غير قانونية، وإقدام بعض أصحاب المعاملات على رشوة الموظفين، وتوفير الجماعات، لأسباب سياسية أو طائفية، الحصانة لشخصيات يحكى عن فساد اقترفته فأثرت على حساب الخزينة العامة.

وتتلاقى خلفيات تحميل الرئيس اللبناني المسؤولية للشعب مع بعض الاعتقادات الشعبية، إذ كلما أثيرت مشكلة مرتبطة بمسؤول أو بإدارة أو بوزارة أو بمرجعية دستورية، حتى تسمع بما يشبه الإجماع، الألسن تنطق بالقول العربي المأثور "كما تكونوا يولى عليكم".

اقرأ للكاتب أيضا: من فرانكو إلى الأسد

ولكن هل رمي المسؤولية على الشعب دقيق؟

هو كذلك، لو كانت الوظائف المنوطة بالنظام مستقيمة.

فالموقف الذي يتخذه الشعب تجاه ملف فساد يحتاج إلى معلومات تصل إليه. هذه المعلومات لا تأتي بالوحي إنما من خلال وسائل إعلام تتمتع بالحد الأدنى من الموضوعية.

والموضوعية الإعلامية لا توفرها الصفات التي تسبغها كل وسيلة إعلام على نفسها بل إن هناك معايير موضوعية، ومنها على سبيل المثال، شفافية التمويل وشمولية الخط التحريري وحيادية الصحافي ووضوح المصدر وإلا قوة الدليل.

وهذا النوع من الإعلام لا توفره إرادة الشعب بل الانتظام المؤسساتي الذي يسهر على توفير هذه الشروط، من خلال تكوين المرجعيات القانونية كـ"المجلس الأعلى للإعلام المرئي والمسموع" بعلمية وحيادة وخلقية، وليس كما حصل ويحصل في لبنان.

وهذا النوع من المؤسسات الإعلامية، الذي يكاد يكون مفقودا في لبنان، لا يمكنه في أي مكان على الأرض تكوين إرادة شعبية بمجرد النشر أو البث بل يحتاج إلى مرجعية متابعة موثوق بها، وهنا يدخل دور القضاء.

في فرنسا مثلا، لو نشرت مئة صحيفة وموقع ألف تحقيق ومقال حول شخصية معينة، ولم يفتح القضاء تحقيقا فيما يكون بعين القانون مجرد مزاعم، لارتد الاستهداف على وسائل النشر وازداد التعاطف الشعبي مع المستهدف ضد الهجمة المنظمة.

وهذا يفيد أن مسؤولية الشعب تبدأ بعد قيام المؤسسات الخاضعة للقانون العام بمسؤوليتها، أي أن المحاسبة الشعبية للسياسي لا تبدأ إلا بعد لحظة واحدة من نقل المزاعم الصحافية والإعلامية إلى مستوى الاتهام القضائي.

في لبنان لا يتوافر هذا كله، بل العكس هو الصحيح.

فالقضاء ـ بدءا بالنيابات العامة المرتبطة عضويا بالسلطة ـ الذي يصمت غالبا على الفضائح المنشورة، لا يتحرك إلا عندما تكون هناك مصلحة للسلطة، سواء لتبرير التخلص من شخص مزعج لها، أم لإيجاد آلية قوية لرد المزاعم المساقة بحق شخصية قوية.

وهذا ما يعمق الشكوك بما تقدم عليه السلطة، ويزعزع مكانة المؤسسات المفترض بها أن تكون منارة المعرفة الدقيقة التي تبنى عليها المحاسبة والمساءلة.

وإقدام المسؤول في ظل هذا الانهيار المؤسساتي على تحميل الشعب المسؤولية، يعني من ضمن ما يعنيه، أنه هو الناطق بالحقيقة وعلى الشعب أن يبصم على ما يكتبه ويحني رأسه أمام ما يعلنه.

المحاسبة الشعبية للسياسي لا تبدأ إلا بعد لحظة واحدة من نقل المزاعم الصحافية والإعلامية إلى مستوى الاتهام القضائي

​​وهنا، عن دراية أو عن جهل، يعبر المسؤول عن تطلع إلى ديكتاتورية من سماه يوما جورج أورويل "الأخ الأكبر". وهذا أعظم فسادا!

ولأن طبيعة المقال لا تتسع للإبحار في بحث مستفيض في هذه المسألة المهمة، فلا بد من الاكتفاء بتدوين مجموعة نقاط ذات صلة، عن الإيمان المطلق بعدم توافر وسائل تتيح للشعب أن يتصدى ويحاسب، ومن بينها أن المسؤول:

  • ينقلب على شعاراته من دون أن يرف له جفن.
  • يدعي محاربة الإقطاعية فيما هو ينشئ إقطاعية خاصة به.
  • يعين الموالين له في المناصب ـ المفاتيح في القضاء والإدارة والأمن.
  • يضيع الوقت الثمين من أجل توفير مصالح خاصة به في الدولة والحكومة.
  • يغذي الخطاب الطائفي والمذهبي.
  • يدافع عن عدم تطبيق القانون على فئة تساعده في تحقيق طموحاته.
  • يرفض تحديث النظام التربوي بما يناسب استقامة الأجيال الطالعة من خلال دفعها إلى اعتناق سلم قيم وطني.

اقرأ للكاتب أيضا: مجرم آخر في لبنان

أمام حقائق مماثلة، تقفل الإدارة في وجه من لا يوفر "واسطة"، وتوقف معاملات خاصة بمن يمتنع عن دفع "إكرامية"، ويخسر كل مصالحه من لا يقدم "هدايا".

شعب يعامل بهذه الطريقة لا يبقى أمامه إلا المحاسبة بطريقة سلبية، على قاعدة عدم الثقة بالجميع، كانهيار نسبة المشاركة في الانتخابات النيابية الأخيرة في لبنان إلى ما تحت الخمسين بالمئة على الرغم من الشعارات التي حملت تحديات كبيرة ومخاوف عظيمة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.