نساء منقبات خلال تظاهرة دعم للحركة السلفية في ألمانيا عام 2014 (أرشيف)
نساء منقبات خلال تظاهرة دعم للحركة السلفية في ألمانيا عام 2014 (أرشيف)

بقلم محمد المحمود/

الإسلام ـ كأي دين، وكأي أيديولوجيا إطلاقية ـ يتأسس على نصوص أولية مقدسة، أو شبه مقدسة، كما يتأسس على تجربة تاريخية تأخذ طابع المثال/ الأنموذج في المخيال العام للأتباع. والنصوص المقدسة من جهة، والتجربة التاريخية المُنَمْذَجَة من جهة أخرى، ليست في النهاية (أي كما تتجلى في وعي المتلقي) إلا منظومة من العلامات المنفتحة على فضاء تأويلي واسع، يسمح لكثيرين ـ وفق ظروف محددة، ومعطيات متنوعة ـ بصياغة رؤيتهم الخاصة التي يعتقدون أنها تتطابق مع الدلالة الأولى/ الصادقة أو الأصدق/ المتعالية لمنظومة العلامات المستهدفة بالتأويل.

من يمتلك "الحقيقة المطلقة" الكامنة في النصوص؛ كما في التجربة الأولى المُؤسِّسة/ المقدسة؟ هذا هو سؤال الافتراق في أي دين وفي أية أيديولوجيا. ثمة افتراض صريح أو ضمني يؤكد وجود حقيقة مطلقة/ نهاية/ مكتملة، وأن على الجميع البحث عنها، والتطابق معها، كشرط لمصداقية الإتباع؛ ومن ثم كشرط لتحقيق الخلاص. وتكون النتيجة التي يتوقعها كل أحد ـ حتى من تعذر عليه الوفاء بشرط البحث والوفاء بشرط إرادة الخلاص ـ أن تكثر دعاوى الوقوع على تلك الحقيقة المطلقة المنتصبة في صلب الادعاء الأصولي. وهو الادعاء الذي يفترض ـ بالضرورة ـ نفي كل تجارب/ محاولات الآخرين.

إذا أصرت جماعة ما على طرح "الجهاد" كما هو في المدونات التراثية، فهذه يمكن اعتبارها حركة تطرف

​​منذ فجر التاريخ الإسلامي؛ كان الصراع ـ ومن ثم الافتراق ـ على من هو الممثل الشرعي لحقيقة الإسلام. بدهي أن كل النسخ هي في النهاية تأويلية، وكلها تدعي التطابق التام مع مراد الله في الدين. كل فرقة تدعي أنها "الفرقة الناجية" وأن الآخرين ـ بالضرورة ـ هم من 72 فرقة أخرى، كلها في النار/ هالكة/ غير ناجية. إنها فرق المعارضة، في وقت كانت فيه المشروعية السياسية مرتبطة بالمشروعية الدينية؛ والعكس صحيح إلى حد كبير.

وبالتالي، لم يكن غريبا أن تحدد بعض روايات هذا الحديث هوية "الفرقة الناجية" من بين 72 هالكة، بأنها "الجماعة"، وأن يكون راوي الحديث هو الوالي: معاوية بن أبي سفيان الذي إذ لم يجد لنفسه مشروعية يحكم بموجبها، لا في النصوص المقدسة، ولا في التجربة المقدسة. لهذا بحث عنها في مجريات التاريخ الواقعي الذي كان يسهم في صناعته، أي في "الجماعة" كحدث تاريخي اضطراري، كواقعة يريد أن يتخذ منها مشروعية دينية، ومن ثم سياسية، تنافس مشروعية رموز التجربة المقدسة (من قرابة وصحابة) أولئك الذين كانوا ينازعونه صراحة أو ضمنا على الموقع السياسي/ ولاية الأمة؛ من خلال منازعتهم له على الحقيقة الدينية التي لا يملك أدنى مقومات المنافسة في مضمارها. لقد كان ينطلق من التاريخ/ الواقعة السياسية ليفرض حقيقة دينية تشرْعن موقعه السياسي، في الوقت الذي كان فيه خصومه ينطلقون من حقيقة دينية (قرابة وسابقة) ليفرضوا واقعا تاريخيا/ سياسيا يمنح حقيقتهم الدينية مزيدا من المصداقية بشهادة الواقع العيني؛ حتى تضمن لنفسها أن تتمدد في المكان في الزمان.

اقرأ للكاتب أيضا: الثقافة والانفجار السكاني

استمر هذا الجدل الديني/ التاريخي، في كل تفاعلاته الجدلية؛ حتى أفرز مئات المذاهب والفرق والطوائف والجماعات المنتسبة للإسلام. وكانت كل هذه التنويعات تدعي المطابقة من حقيقة الإسلام الأول؛ إما صراحة؛ بالتطابق مع حرفية النصوص، والتماهي مع تفاصيل وقائع التجربة الأولى، وإما ضمنا؛ بالتطابق مع المضامين غير المباشرة للنصوص، ومع مقاصدية التجربة الأولى. وحتى عندما كان الواقع يفرض شروطه؛ كان هذا المنحى التأويلي أو ذاك (كلاهما تأويلي؛ فحتى النصوصيون الحرفيون هم مُتأوِّلَة في النهاية) هو ما يؤطر الخيارات؛ من حيث هو يشرعنها.

طبعا، كل هذه التجارب ليست على مستوى واحد، لا في مراعاة الشرط الواقعي، ولا في مراعاة الحشد النصوصي، ولا في اعتماد العقل كجزء أصيل وحاسم في معادلة إنتاج الدلالة، ولا في مراعاة الأبعاد الإنسانية... إلخ. خلال هذه التجربة الطويلة الممتدة على مدى أربعة عشر قرنا، كان "التدين" كحالة مرافقة للدين ذاته يفرز حالاته القصوى على يد أولئك الذين تصوروا أن حقيقته تتجلى في البلوغ بمفرداته ـ غلوا ـ إلى حدودها القصوى؛ حيث الطرف الأقصى/ التطرف الذي أنتج "المُحكِّمة الأولى/ الخوارج"، تلك الحركة الراديكالية التي اتخذ بإزائها الطرف السني، كما الطرف الشيعي، موقعه كممثل للاعتدال.

إذن، كان هناك الخوارج/ المُحكِّمة من جهة، وكان هناك الناؤون بأنفسهم ـ بدرجات مختلفة ـ عن مجمل التجربة الدينية والتباساتها من جهة أخرى. وبين هؤلاء وهولاء يوجد الخط الاعتدالي الذي توسط بينهما من سنة وشيعة؛ فكفل لنفسه الشيوع والاستمرار؛ لقدرته على الملاءمة بين الاشتراطات الدينية والطبائع العامة لأكبر قدر من الناس، ولقدرته على التفاعل مع المنعطفات التاريخية الحرجة بمرونة كبيرة جعلته يستفيد منها في مراكمة مكاسبة وضمان استمراريتها؛ فضلا عن تثبيت نفسه كحقيقة متجذرة بعمق التاريخ؛ ومن ثم كحقيقة قادرة على الصمود والبقاء في المستقبل كأمل موثوق لملايين المحرومين البائسين.

لكن، مشكلة السنة/ التراث السني، كما هي مشكلة الشيعة/ التراث الشيعي، أي مشكلة ممثلي الاعتدال، تكمن في عدم وعي الأتباع بحقيقة أن الظرف التاريخي الراهن (الذي ابتدأ حديثا باكتشاف الغرب) يختلف جذريا على كل مسارات التاريخ السابق. ما كان يصنف في خانة الاعتدال طوال أكثر من اثني عشر قرنا، لن يكون ممثلا للاعتدال في عصر جديد خضع فيه الوعي الإنساني كله لمتغيرات جذرية، متغيرات طالت كل ما يتعلق بالحراك الإنساني، وأهمها ما يتعلق بالإنسان الفرد من حيث هو إنسان، وما يتعلق بعلاقة الإنسان بالإنسان، وما يتعلق بالعلاقات بين الجماعات/ الأمم/ الدول... إلخ. وفي سياق هذه المتغيرات الجذرية، يصبح الاعتدال الموروث تطرفا صارخا، ويكفي الإصرار عليه ـ كما هو بكليته؛ ودونما انفتاحات تأويلية ـ ليتحول إلى إرهاب صريح يندرج في صِدام دام مع كل العالم، بل ومع معظم مكونات الذات.

ما كان في الماضي فتحا وتمددا، ومشروعا وفق منطق ذاك العصر، أصبح اليوم عدوانا مدانا

​​منذ بدايات الانفتاح على العصر الحديث المتمثل بالغرب الحديث قبل قرنين، والإصلاحيون يحاولون اجتراح الحلول لكثير من مفردات الموروث الإسلامي؛ بغية الخروج بـ"إسلام معتدل" قادر على التعايش مع العالم بسلام. كانت المحاولات كثيرة، ومتفاوتة في عمقها، وفي جرأتها، وفي قدرتها على المواءمة بين المنطلقات الأساسية التي تشكل هوية الإسلام من جهة، واشتراطات المعاصرة من جهة أخرى. حاول ذلك الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا في فترة ما، وبدأت إسهامات بعض المفكرين في هذا المجال، كالعقاد، وخالد محمد خالد... إلخ.

لكن، كانت الأصولية السلفية الانكفائية بالمرصاد لكل هذه المحاولات، إذ تم تشويهها بأكثر من أسلوب، وعلى أكثر من صعيد. فقد أطلق عراب الأصولية الإسلامية/ سيد قطب على النسخ الحديثة من التأويل الإسلامي مسمى: "الإسلام الأمريكاني"، وأكد رموز "السلفية السرورية" على أن ما يسمى بـ"الإسلام المعتدل" ليس أكثر من "إسلام أميركي"؛ لأنه ـ كما يقولون صراحة ـ إسلام بلا جهاد. أي أنهم لا يتصورون "الإسلام الحق" إلا اسلام الحروب والقتال والصراع المستمر مع العالم الذي يقسمونه ـ في سياق تصور تراثي خالص ـ إلى فُسْطاطين: دار الحرب ودار الإسلام.

اقرأ للكاتب أيضا: خطر الانفجار السكاني

الحديث عن الجهاد (الحروب المقدسة المفتوحة) ليس حديثا عابرا في خطاب الأصوليات الإسلامية، بل هو جزء أساسي؛ إذ لا يكون ثمة إسلام حقيقي/ إسلام صادق يضمن الخلاص؛ إن لم يكن ثمة تأكيد على الجهاد. لا تستطيع الحركات الأصولية أن تخرج من شرنقتها التاريخية لتدرك أن الجهاد ـ كما يتوهمونه ـ كان طوال تاريخنا بمثابة حراك مسلح لحماية حدود مفتوحة/ دائمة التغير، وأن الجيوش الحديثة المنضبطة بالإرادات العليا للدول المعترف بها وفق حدود جغرافية محددة، تكفي لحماية الدول، وبالتالي تلغي أية حاجة للمفهوم القديم للجهاد. ما كان في الماضي فتحا وتمددا، ومشروعا وفق منطق ذاك العصر، أصبح اليوم عدوانا مدانا لا يبقل التبرير بحال.

يمكن اعتبار "الجهاد" مفردة اختبار أولي لكشف أعلى درجات التطرف في الخطابات الدعوية، المسيسة وغير المسيسة. إذا أصرت جماعة ما/ تيار ما/ حزب ما/ على طرح "الجهاد" كما هو في المدونات التراثية، وتقسيم العالم إلى عالم إسلام وعالم كفر؛ فهذه يمكن اعتبارها حركات تطرف/ إرهاب صريحة ابتداء؛ ولا تستحق أن ينظر لما وراء ذلك من مفردات خطابها. وإن تجاوزت ذلك، فيمكن الدخول معها في حوار حول مستويات الاعتدال.

إن كل السلفيات الأصولية تدرك أن الخطوة الأولى/ الخطوة البدهية لـ"الإسلام المعتدل" تكمن في نزع فتيل العنف بإعادة تأويل "الجهاد" على نحو جذري يضمن تغييرا نوعيا في الأدوات والوظائف والغايات. لهذا، تجدها تحارب بشراسة كل المحاولات الإصلاحية التي تتطلع لخلق "الإسلام المعتدل" الضامن لمستقبل تصالحي مع الذات ومع العالم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.