سيدة تسير بجانب حواجز إسمنتية في دمشق
سيدة تسير بجانب حواجز إسمنتية في دمشق

بقلم دارا عبدالله/

في الغرفة التي تسمى "المهجع الخارجي"، في فرع الخطيب التابع لأمن الدولة في منطقة القصاع بدمشق، تم حشر أكثر من 300 شخص في غرفة لا تتسع فعليا لأكثر من 50 شخصا. ولمنع تشكيل طاقة سياسية أو شبكات تضامن معنوية، كان رجال الاستخبارات يقومون بدمج السجناء السياسيين مع السجناء الجنائيين، وذلك منعا من تشكيل قضية عامة، ولسهولة تحويل السجناء الجنائيين إلى مخبرين، يرتقون في عالم السجن من خلال الوشاية على القادمين الجدد.

أتذكر سجينا جنائيا من ركن الدين، عمره 33 سنة، قضى منهم 13 سنة في السجن، ليس لأسباب سياسية، بل لجرائم قتل وسرقة واغتصاب. هذا الشاب كان معارضا للثورة السورية، لأسبابه الخاصة، فعلى حد تعبيره "كان السجن جنة قبل ما يجو هالـ..."، و"كان الأكل كتير"، و"كنت مقضيها هون آكل شارب نايم".

هذا العدد الهائل من المساجين داخل هذا المكان المغلق، كان بحاجة إلى شكل من أشكال التنظيم الذاتي، والتدبير الداخلي، وإلا ستندلع حرب أهلية دامية داخل السجن، يأكل فيها الجميع الجميع. خصوصا في ظل وجود مرحاض واحد فقط في الزاوية، وصنبور ماء يتيم، تنقطع فيه المياه كثيرا.

لم أسمع عن الشاب شيئا بعد ذلك، فقط أملي أن يكون قد رأى ابنه

كما أن السجن دوما بحاجة إلى "دستور داخلي" ناظم لشؤون الناس، من حيث تقسيم المكان. المكان أغلى عملة في السجن، ذهب عالم السجن، البلاطة هي العقار السحري. حدود عالمك هي حدود البلاطة. وبعد فترة من الانغماس في العالم الداخلي للسجن وتلاشي صورة العالم الخارجي تدريجيا، يصبح حلم الاستقرار بامتلاك بلاطة مستقلة، أهم من إسقاط نظام بشار الأسد.

كان الناظم لشؤون حياتنا في السجن، شاب في نهاية العشرينيات من دوما. محافظ حليق الشوارب ويمتلك ذقنا خفيفة، وكان من بيت الساعور. كان يعمل في التمديدات الصحية، وله محل في مدينة دوما. وضع هذا الشاب بالتعاون مع زملائه، الدستور الداخلي لنا. كان يسعى إلى تحقيق شكل من أشكال العدالة الناظمة.

مثلا، وضع قانونا بأن الأطفال والشيوخ يحصلون على بلاطة فورا بسبب ضعف بنيتهم الجسدية. كما أن المرضى المصابين بالأمراض التنفسية لهم الحق بالبقاء بالقرب من الباب حيث قطرات الهواء الوحيدة التي تهب إلى الغرفة. شكل أيضا، فرقة تقوم بتوزيع الطعام، وكان يوزع المساجين في ثلاثة صفوف في فترة الطعام، بحيث يحصل كل فرد بشكل عادل على رغيف خبز وبعض المربى والزيتون والبطاطا المسلوقة للبقاء. وكان يترك بعض الطعام دوما للقادمين الجدد.

لم يتحدث هذا الشاب بكلمة سياسية واحدة، بل كان يشدد على الصبر والتحمل وضرورة التعاون حتى نتجاوز هذا الظرف. أتذكر بأنه تدخل مرة بعد انقطاع المياه لمدة عشر ساعات داخل السجن، وأورد مثالا تاريخيا مشابها من السيرة النبوية عن شح المياه في فترة هجرة محمد من مكة إلى المدينة، وكيف أن القافلة النبوية تحملت العطش كثيرا. حققت هذه القصة، فعلا، الراحة والسكينة في قلوب عشرات.

بعد فترة، دخل أحد أصدقائه إلى السجن، ويبدو بأنه قد تم اعتقاله حديثا، سلم الشاب من بيت الساعور على صديقه القادم، ورحب به. ولكن بعد عشرة دقائق، سمعنا صوت واضع الدستور، وهو يبكي ويضع يده على عينه، كمصاب بصدمة نفسية هائلة. كان يبكي وكأن صوته يحاول أن يخرج أحشائه من جوفه، ويضرب رأسه بالحائط فيتطاير الغبار من الحائط، ويدب الصوت الكتوم في كل أرجاء المهجع ويقول: "بس بدي شوفو قبل ما روح". عيون حمراء ملتهبة تنزف ولا يعرف أحد حتى الآن السبب. لاحقا، قال لنا صديقه بأن زوجته كانت حامل، وهي أنجبت ولدا، وبأنه قد أخبره بهذا الأمر للتو.

لم أسمع عن الشاب شيئا بعد ذلك، فقط أملي أن يكون قد رأى ابنه.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.