عيتاني وابنته بعد الإفراج عنه (أ ف ب)
الفنان اللبناني زياد عيتاني بعد الإفراج عنه (أ ف ب)

بقلم حسين عبد الحسين/

في لبنان، قضت المحكمة بمنع مواطن من استخدام موقع فيسبوك لمدة شهر بسبب نشره تعليقا تهكم فيه على "معجزات القديسين"، بعدما أعلن لبناني آخر أن زوجته التي كانت تعاني بسبب عدم الحمل، حملت بعدما زارت "محبسة مار شربل". وقبله في مصر، أصدرت محكمة حكما قضى بسجن سائحة لبنانية بتهمة بثها على صفحتها على فيسبوك فيديو "خادش للحياء، ويزدري الأديان، ويتطاول على الشعب المصري".

وقبلهما، أصدرت محكمة لبنانية عسكرية حكما ضد الزميلة حنين غدار بتهمة انتقاد "الجيش اللبناني"، وأصدرت محكمة لبنانية أخرى أحكام سجن وغرامة بحق الزميل الآخر فداء عيتاني بتهمة إهانة وزير الخارجية جبران باسيل في تعليق على فيسبوك.

وفي لبنان أيضا، تم اعتقال وتعذيب الممثل المسرحي زياد عيتاني بتهمة "التعامل مع العدو"، أي إسرائيل، في تهمة ثبت أنها مفبركة بدواع انتقامية، ما أدى لاعتقال ضابط أمن لبنانية، ثم تم الافراج عنها، على ما يبدو بسبب النفوذ الواسع الذي يتمتع به زوجها والمحيطون بها.

الأحكام هذه، إما جائرة تستهدف حرية الرأي والتعبير، أو أحكام مضحكة وغير مبنية على تشريعات، مثل حكم منع مواطن من استخدام موقع فيسبوك. طبعا في حالة منع استخدام فيسبوك، يبدو أن القاضية التي رفضت في الماضي الموافقة على إقفال محطة تلفزيونية لبنانية كانت انتفضت في حينه على وصاية آل الأسد على لبنان، يبدو أنها حاولت امتصاص نقمة المدعين "بالتي هي أحسن" ومن دون سجن أو تغريم المدعى عليه.

لكن الانطباع العام لتصرفات القضاء العربي، المصري واللبناني وغيرهما، هو أنه قضاء شذ عن دوره، وراح يتصرف بموجب تعليمات الحكام ومصالحهم، ويبرر قمع الحريات، ويرمي الناس في السجون بسبب إدلائهم بآرائهم، وهي أحكام مبنية على ادعاءات باطلة وشعارات شعبوية، على طراز أحكام "إضعاف الشعور القومي" و"تخريب العلاقة مع دولة شقيقة"، التي كانت تسطرها محاكم صدام حسين وحافظ وبشار الأسد ضد معارضي النظامين، وهو ما أكسب المحاكم العراقية والسورية، وقريبا على ما يبدو المصرية واللبنانية، اسم "محاكم الكنغارو". أما دول هذه المحاكم، فغالبا ما تكتسب اسم "جمهوريات الموز".

أما المفارقة الكبرى في أداء القضاء العربي فتكمن في أنه يندر أن يعثر على مجرم حقيقي أو مختلس للمال العام، ففي لبنان، ما تزال سلسلة من جرائم اغتيالات القادة السياسيين، منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، من دون مرتكبين. وفي مصر ولبنان، اللتين تكادان تتصدران الترتيب العالمي للدول التي تعاني من الفساد، لم يجد القضاء المصري أو اللبناني فاسدا واحدا يحاكمه ويرميه في السجن (في لبنان استثناء واحد في العقد الماضي في محاكمة استهدفت أحد مستشاري رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري).

وفي لبنان، ادعى القضاء على رجل دين من مدينة صيدا الجنوبية بتهمة "إقامة تنظيم عسكري"، وفي نفس الوقت، يقوم "حزب الله" اللبناني، أكبر تنظيم عسكري غير حكومي في منطقة الشرق الأوسط، باستعراض مقاتليه وقدراته وشبكة اتصالاته الخاصة، من دون أن يحرك القضاء اللبناني ساكنا.

في القول العربي المأثور أن "العدل أساس الحكم"، أما في لبنان، فيتباهى رئيسه ميشال عون أن حكمه هو "حكم القوي"، وكأن لبنان والمنطقة، التي تعاني من دوامة عنف غير مسبوقة في التاريخ، تحتاج إلى المزيد من الأقوياء، بدلا من حاجتها للعدالة.

والمفارقة، في حالة الرئيس اللبناني عون، تكمن في أنه هو نفسه كان ضحية لغياب العدالة، ما أجبره على تمضية عقد ونصف العقد في منفاه في باريس، وكان كل مرة يسعى فيها للعودة إلى لبنان، يلوح له القضاء اللبناني، مدفوعا من حكام لبنان في دمشق، بفتح ملفات حول اختلاسات مزعومة يفترض أنه قام بها أثناء ترؤسه حكومة عسكرية نهاية ثمانينات القرن الماضي.

لا يجوز سجن لبنانية 11 عاما في مصر (خفضت إلى 8 لاحقا)، مهما كانت أقوالها، ولا يجوز إصدار أحكام بسجن صحافي شتم وزير الخارجية اللبناني، ولا تجوز محاسبة أي من "يتهكم على الأديان" أو "يزدري المعتقدات" أو "يوهن نفسية الأمة". السجن هو للقتلة وشركائهم، وللمختلسين ومن يقف وراءهم. وإقحام القضاء في تمثيليات تهدف للقمع باسم العدل ينتقص من العدل أولا، ومن الحكم الذي يفترض أنه مبني عليه ثانيا.

قد يكون أفضل لحكام مصر ولبنان، وسورية والعراق، أن يبنوا حكمهم على العدل، بدلا من القوة. أما أن يواصل الحكام تقويض القضاء، فربما على المواطنين أن يحذو حذو حكامهم، وأن يقدموا سلسلة من الادعاءات ضد الحكام بتهم "عدم احترام الدستور"، و"تحويل القضاء إلى العوبة"، و"تحويل الدولة إلى أضحوكة"، وهي ادعاءات تتناسب ولا شك مع الاتهام بـ"إضعاف الشعور القومي" و"بث الوهن في نفسية الأمة" و"التطاول على الشعب".

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.