يهود يصلون عند الحائط الغربي
يهود يصلون عند الحائط الغربي

بقلم حسن منيمنه/

قانون «يهودية الدولة» الصادر عن الكنيست الإسرائيلي مهين ومحرج ومؤذ ومؤسف. مهين للمواطنين الفلسطينيين الإسرائيليين خاصة وللفلسطينيين كافة، محرج لجمهور واسع من الإسرائيليين لا يريد لبلاده أن تخطو باتجاه التمييز على الهوية، مؤذ لعموم الإسرائيليين وجميع الدول المجاورة، مؤسف لكل من يريد لهذه الأرض المنهكة السلام ولعموم أهلها الحياة والحرية والكرامة.

المتوقع عربيا، إزاء صدور هذا القرار هو إما الإمعان بالطعن بإسرائيل وحشد العداء لها، أو تجاهل الأمر والتقليل من أهميته لتجنب الإرباك أو للابتعاد عن سجال يشتّت المصلحة المشتركة معها وإن الآنية إزاء إيران. على أن ثمة منحى ثالثا لا يشكل الحل السحري الكفيل بالتصحيح الفوري للإشكالية، ولكن من شأنه ربما تحسين فرص الخروج بنتائج إيجابية بعيدا عن الحصيلة الصفرية والتي يضمنها كل من المنحيين الآخرين.

قد تكون ردة الفعل الأكثر فائدة إزاء هذا القانون، خلافا لما يبدو بديهيا، تبديل منهج التعاطي مع إسرائيل من المواجهة إلى التواصل، ومن المقاطعة إلى التفاعل، لا من منطق الإذعان للأمر المجحف، بل من موقع القناعة بأن حصيلته الضرر والضرار، والسعي بالتالي إلى إجلاء الصورة للجانب الإسرائيلي.

الخلل في القانون الجديد ليس في إعلانه إسرائيل دولة يهودية. فهي كذلك، كما مصر، مثلا، دولة عربية. ذلك أن تقرير الهوية الوطنية هنا كما هنالك ينطلق من أنه في كل من الدولتين أكثرية سكانية ذات صفة ثقافية غالبة من شأنها أن تطلق على الدولة ككل. وفي الحالتين، ثمة تجاوز حاصل من خلال الاختزال. فليس كل المصريين عربا بهويتهم الذاتية، ولا كل الإسرائيليين يهودا. هو إذا إجمال على مستوى الصفة الثقافية، ولكنه يتطلب تفصيلا على المستوى التشريعي، كي لا يشكل انتقاصا في حقوق المواطنين الذين لا تشملهم الهوية الإجمالية.

وفي عدد من الحالات المشابهة، كما في مسعى بعض الدول الأوروپية مثلا إلى التعبير عن استعدادها لاحتضان من هم ذوي أصول عائدة إليها، ألمانيا، إيطاليا، إيرلندا وغيرها. التوجه هو إلى التشديد على أن الخلفية الثقافية القومية إذ تمنح الفرد حقوقا تلقائية أو أولوية للحصول على الجنسية، أو "استرجاعها"، فإنها لا تضفي عليه أية أفضلية إزاء أي مواطن داخل البلاد، مهما كانت أصوله العرقية أو الثقافية.

إسرائيل، من وجهة نظر غربية، هي حالة على حدة. إذ حين ابتدأ السعي القومي اليهودي في أوروپا في القرن التاسع عشر، لحاقا بسائر الحركات القومية على مدى القارة، لم يكن للتصور القومي اليهودي أرضا وطنية قائمة، على الخلاف من سائر الطروحات القومية. بل إن تضافر هذه الطروحات، أضاف مادة جديدة في استهداف اليهود. فقبل القومية، كان الجميع رعايا (أو في بعض الحالات مواطنين)، وكان اليهودي مختلفا بالدين دوما، معيّرا به حينا، مستضعفا به أحيانا. أما بعد بزوغ القومية، وبغضّ النظر عن أمد استقرار اليهودي في بلداته ومجتمعاته، جاء الطرح القومي الصارم ليجعل منه غريبا في وطنه، وليبدّل حقّه الطبيعي في دياره إلى منّة من القومية السائدة، صاحبة زعم الأولوية أو الحصرية.

وقد كان للمجتمعات اليهودية على مدى العصور توقا دينيا إلى بيت المقدس وأرض الميعاد، والبعض منهم قد حاول، في أكثر من مناسبة تاريخية "الصعود" إلى "أرض إسرائيل"، ولكن شظف العيش في فلسطين، يوم كانت أوروپا أقلّ عدائية، أقصر هذه الهجرة على فصول متقطعة. أما بعد أن جعلت القوميات الأوروپية الصارمة من اليهود "شعبا بلا أرض"، أصبحت "العودة" المادية إلى الوطن الروحي موضوع الصهيونية.

ولكن أوروپا تدرّجت وارتقت، بعد تجارب مريرة أثبتت أن القومية الصارمة هي مقدمة لما هو أسوأ. فاليوم الذي يجري فيه تصنيف السكان إلى أصيل ودخيل يليه يوم يدعو فيه الداعي إلى اجتثاث الدخيل. وذكرى المجتمعات اليهودية في أوروپا، والتي أبيدت في مواطن كانت لها قبل أن تقرّر العقائد القومية أنها طارئة عليها، شاهد مهيب على هذا الخطر. فبعد الحرب العالمية القاتلة، تبيّن الشرّ في القومية الصارمة، فانكفأت وحلّت محلّها في أوروپا القوميات الأكثر سماحة، أقلّه نظريا، والتي تعتز بالوجه الثقافي الحضاري لتراثها، فيما تؤكد على المساواة الحقوقية.

وإسرائيل نشأت أوروپية، وإن استوطنت الشرق الأوسط. طبعا لم تكن فلسطين يوماً "أرضا بلا شعب"، ولكن الحسابات في زمان هان فيه التهجير، كما بين تركيا واليونان وبين الهند وپاكستان، كان حسابات قدرة وقوة. إسرائيل الناشئة هجّرت واستقبلت، فلسطينيين قسرا مقابل يهود من بلدان عربية وإسلامية قسرا وطوعا. ولكنها بصورتها الذاتية أصرّت على القومية السمحة. هكذا كانت صفتها في "إعلان الاستقلال" والذي جعل منها دولة لليهود، تشترط على نفسها أن يتساوى مواطنوها كافة بالحقوق.

ولكن، بالمقابل، فإن إسرائيل استوطنت الشرق الأوسط وإن نشأت أوروپية. أي أنها منذ ولادتها في حالة حصار وحرب. وإذ تمتعض معظم الثقافة فيها من تجاهل محيطها للمصاب التاريخي للشعب اليهودي، فإن هذه الثقافة ما فتئت تبدو غير معنية بحجم الإساءة المادية والمعنوية التي طالت الشعب الفلسطيني، ويواصل بعضها وهم أن هذا الهم إلى زوال.

فالدوافع عدة، ولكن رغم جهود المتمسكين بالقيم العالمية، ورغم الدعم المتفاوت من السلطة القضائية المستقلة، فإن المساواة لم تستقم في إسرائيل، لا بالحقوق ولا بالامتيازات ولا بالواجبات. وبقي السؤال المطروح فيها على مدى العقود السبعة منذ إعلان قيامها هل هي وطن لمواطنيها، وإن كانت دولة "يهودية" من حيث الهوية الإجمالية، أم هل هي أولا دولة اليهود، كل اليهود، دون غيرهم، في الداخل وفي الشتات؟

واليوم، وبعض إقرار سلطتها التشريعية لقانون الدولة القومية، فإن الخلاف والتأرجح بهذا الشأن قد حسم لصالح صيغة تخلّى عنها الغرب الرسمي بعد طول عناء، وإن كانت في صلب طموحات التوجهات السياسية الرافضة للهجرة والداعية إلى إشهار الهوية الثقافية ببعدها القومي العرقي الوراثي، لا بأبعادها المبدئية الحقوقية المعتمدة.

هي خطوة إلى الوراء تضع إسرائيل في مصاف العراق في زمن صدام حسين، يوم كان لليمني والسوداني والتونسي بحكم قوميتهم العربية أفضلية على أهل البلاد من الأكراد والأشوريين، وبمصاف إيران الجمهورية الإسلامية، حيث للإيرانيين من الشيعة الإثني عشرية أعلوية على مواطنيهم من السنة والمسيحيين والزرداشتيين، والبهائيين بالتأكيد.

وكأن هذا القانون يقول بأن إسرائيل قد استسلمت، بدلا من أن تنشط لتأكيد التزامها بالقيم العالمية وتعمل على تجاوز أوجه التباعد عنها بفعل الظروف الآنية، فإنها تقرّ بأن هذه الظروف ليست آنية بتاتا وأن المساواة ليست ممتنعة للطوارئ، بل بالأصل والجوهر.

لن تجني إسرائيل من هذا القانون أية ثمار، وهو لا يتيح ما ليس متحققا للتوّ. ولكن في اعتماده خسارة ضخمة. فخطوط التماس بين الصرامة والسماحة في التصور السياسي للدول ليست بين الغرب والمحيط العربي، بل هي تقطع كليهما. في الغرب، لا يزال صف السماحة هو الغالب، وإن بدا أن الرئاسة الحالية في الولايات المتحدة تنحو بالبلاد إلى الصرامة. أما في الشرق الأوسط، فالسماحة لم تكن صفة أي من الدول، باستثناء نظري هو إسرائيل، وإن كانت تركيا قد لامستها يوم كانت راجية أن تنجح في دخول الاتحاد الأوروپي.

أحد العوامل التي حفّزت أوساطا عدة في المجتمع اليهودي الإسرائيلي للانكفاء والانطواء هو الحصار الخطابي المفروض عليه: ليس فقط أن اليهود هم "قتلة الأنبياء" و"أحفاد القردة والخنازير" وفق الإساءات المتواصلة التي تنهال عليهم، ولكن ثمة تربصّ للسلوك الإسرائيلي يتجاهل كل ما هو حسن ويطلق العنان لإدانة كل ما هو قبيح، وصولا إلى خشية لدى من يريد الانفتاح في إسرائيل أن لا جدوى.

ماذا تكون ردود الفعل في الوسط الإسرائيلي لو أن الاعتراض على مقولة "يهودية الدولة" صيغت في إطار يحترم التاريخ اليهودي ويتعامل معه من منطلق أنه جزء من التاريخ الإنساني، بإيجابياته وسلبياته، ولا يبدو مصرّا على الاقتصار على ما يوحي أن إسرائيل "شر مطلق"؟ هو سبيل لم تختبره الثقافة العربية، وبما أن غيره لم ينتج إلا التردي، ربما آن الأوان لخوضه، على أساس الوضوح في الرؤية والثقة بالموقف المبدئي والعزة التي لا تفرّط بالكرامات، لا كرامة الإنسان الفلسطيني، ولا كرامة الإنسان اليهودي.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.