الرئيس ترامب في حديثه من البيت الأبيض
الرئيس ترامب يلقي كلمة في البيت الأبيض - أرشيف

بقلم جويس كرم/

بعث الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الـ 72 ساعة الأخيرة برسالتين متناقضتين في مضمونهما، إنما ليس بالضرورة في هدفهما السياسي للجمهورية الإسلامية الايرانية. واحدة تحمل تحذيرا قوي اللهجة للرئيس الإيراني حسن روحاني والثانية تبدي "استعدادا لصفقة حقيقية" مع طهران، فماذا يوحي ذلك عن الاستراتيجية الأميركية؟ وما هي التوازنات التي ستصوغها واشنطن لتحقيقها؟

الرسالة الأولى وجهها ترامب لروحاني فجر الاثنين وبعد خطاب وزير خارجيته مايكل بومبيو عن إيران. وغرد ترامب بالحرف الكبير محذرا الرئيس الإيراني من التجرؤ على تهديد الولايات المتحدة وإلا "سيواجه العواقب". أما الثانية فجاءت في تجمع انتخابي أمس الثلاثاء حيث قال الرئيس الأميركي إن "إيران لم تعد كما كانت ... سنرى ما سيحصل انما نحن مستعدون لإبرام صفقة" إنما "ليس الصفقة التي أبرمتها الإدارة السابقة والتي كانت كارثية".

كلام ترامب يلخص خطوط سياسته حيال إيران والسعي من جهة إلى طلاق كامل عن نهج باراك أوباما، إنما في نفس الوقت عدم تبني خيارات انقلابية (أقله ليس علنا)، وإبقاء الباب مفتوحا لتفاهمات وصفقات بمعايير مختلفة. ويمكن اليوم تعريف نهج ترامب حيال إيران بأربعة بنود تراهن الإدارة على تسريع وتيرتها وامتحان فرصها إقليميا وداخليا.

البند الأول يستند إلى ممارسة أكبر كم من الضغوط على إيران اقتصاديا وسياسيا وإقليميا. هذه السياسة غادر قطارها المحطة في 8 أيار (مايو) الفائت بعد الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني وستتضح حدودها مع بدء تطبيق العقوبات المصرفية على إيران في 6 آب (أغسطس) المقبل ومن ثم العقوبات النفطية في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. وفي هذا الإطار تريد واشنطن إنزالا دوليا سريعا وفعالا للعقوبات لكي يكون تأثيره أكثر فعالية، وليؤذي الاقتصاد والريال الايراني بشكل يجبر القيادة في طهران على إعادة حساباتها.

أما البند الثاني فيستدعي إعادة النظر بأركان القيادة الإيرانية وتناسي مفهوم المعتدلين مقابل المتشددين الذي اعتمده أوباما. فروحاني وجواد ظريف هم كما قاسم سليماني أو صادق لاريجاني بالنسبة لهذه الإدارة، لا بل يمكن القول إن هناك استخفافا أكبر بالمعتدلين نظرا لموقعهم المتراجع داخليا. هذا يفسر هجوم ترامب على روحاني مقابل إرسال بومبيو برقية لقاسم سليماني العام الفائت حول عدم المس بالقوات الأميركية في العراق.

ثالثا، وداخليا أيضا تراهن إدارة دونالد ترامب على استمرار التظاهرات والاضرابات في إيران، وهذا ما قصده الرئيس الأميركي في حديثه عن أن البلاد “لم تعد كما كانت عليه". أما بومبيو فكان أوضح في خطابه أمام الجالية الإيرانية من مكتبة رونالد ريغان في كاليفورنيا، حيث قال: "حلمنا هو حلمكم"، وشن هجوما مركزا على أركان النظام والحسابات المصرفية الخفية لهم. أما حديثه عن أن معاش مقاتلي حزب الله هو ثلاثة أو أربعة أضعاف رجل الأطفاء الإيراني، فيلعب من خلاله على النقمة الشعبية ضد الوضع المالي وصرف إيران ما يعادل 16 مليار دولار في النزاعات الإقليمية منذ 2011. 

الورقة الداخلية تحدث عنها آري فلايشر الناطق السابق باسم إدارة جورج دبليو بوش، إذ قال لشبكة فوكس نيوز إن الشعب الإيراني يريد "حاجاته الأساسية ، الغذاء، الضمان الصحي، البيئة، والحكومة الإيرانية بفسادها تجعل من الصعب أن يعيش الناس في تلك الدولة". وزاد فلايشر قوله: "كلما جعلنا إيران أقل استقرارا كلما كان أفضل لضمان السلام في حال تمكننا من التخلص من هذا النظام يوما ما". 

هذه الخطوط الثلاثة مجتمعة قد تهيئ في حال نجاحها من وجهة نظر واشنطن الأرضية لمفاوضات مع إيران "استعدادا لصفقة"، إنما فقط في حال بدلت طهران بمسارها الاستراتيجي داخليا وإقليميا كما أوضح بومبيو. أما طهران فهي تراهن من جهتها على عامل الوقت وعلى خروج ترامب من البيت الأبيض خلال سنتين ونصف وعلى انشقاق الأوروبيين عن الأميركيين في موضوع العقوبات. 

الرهانان، ترامب على تغيير جذري في سلوك النظام بسبب العقوبات، وإيران على تغيير في السياسة الأميركية بعد ترامب، طموحان ويصطدمان بتعقيدات في الواقع السياسي في كل من واشنطن وطهران. فلا خروج ترامب حتميا ولا عودة الديموقراطيين تعني عودة نهج أوباما، والدليل غض الديموقراطيين في الكونغرس النظر عن مواقف الإدارة حيال إيران. أما النظام الإيراني، فلديه بدائل للتهرب من العقوبات وتخطي أزمات اقتصادية سابقا. كل ذلك يرجح استمرار سياسة الضغوط والمواجهات غير المباشرة وشراء الوقت بين واشنطن وطهران إلى حين فرض مفاجأة غير متوقعة نفسها على المعادلة الحالية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.