مي سكاف
مي سكاف

بقلم عبد الحفيظ شرف/

انتقلت الفنانة الكبيرة مي سكاف إلى رحمة الله قبل أيام قليلة إثر نوبة قلبية، وبشكل مفاجئ عن عمر يناهز التاسعة والأربعين عاما، وبعد مسيرة فنية حافلة ومميزة. فقد كانت رمزا كبيرا وقد أحبها كل السوريين بل والوطن العربي. مي سكاف وقفت ومنذ الأيام الأولى لانطلاق الثورة السورية مواقف مشرفة مؤيدة لحرية المواطن وكرامته في بلده ورافضة للظلم والقتل والحلول الأمنية.

ترعرت مي سكاف التي ولدت عام 1969 في أسرة مختلطة، فوالدها مسلم عربي سني وأمها مسيحية وهي اختارت أن تؤمن بالمسيحية دينا لها في جو مفعم بالحرية الدينية في بيتها الجميل وأسرتها الصغيرة. وأنا هنا لا أريد مطلقا أن أتحدث بشكل طائفي أو عرقي، وإنما أحببت أن أذكر هذا كمثال للتعايش الذي كان يميز سوريا وشعبها الراقي، هذا الشعب الذي تميز بمكوناته المختلفة والتي تعايشت على مدار أكثر من ألف سنة لتشكل فسيفاء جميلة للموزييك السوري.

اشتهرت مي سكاف برقي أدائها الفني، فقد بدأت مشوارها من خلال المسرح ثم انتقلت إلى الشاشة ومثلت في أكثر من ثلاثين عملا تلفزيونيا وأحبها كل السوريين وأحبو فنها فكانت قامة فنية كبيرة خسرتها سورية كلها، ولا شك. 

مي سكاف هذا الاسم الذي تردد على ألسن السوريين لسنوات طويلة، قررت أن تغامر بكل ما تملك لتقف إلى جانب الحق والعدل والحرية، وكانت ولا شك مخاطرة كبيرة جدا، بالذات أنها تتعامل مع نظام مجرم ومستبد وظالم لا يكترث بأحد على الإطلاق ويريد أن يزيل كل من يقف يوجهه، إلا أنها قررت ومنذ الأيام الأولى أن تنتصر لمبادئها التي آمنت بها، ولتكون لبنة من لبنات سوريا المستقبل أو سوريا العظيمة كما سمتها في آخر ما كتبته على مواقع التواصل الاجتماعي. فقد كتبت قائلة: (لن أفقد الأمل .. لن أفقد الأمل .. إنها سورية العظيمة وليست سورية الأسد).

شاركت مي سكاف في ما يعرف بمظاهرة الفنانين أو المثقفين في قلب دمشق، واعتقلها النظام مرتين متتاليتين، كانت أولاهما في بدايات الثورة السورية عام 2011 ولم يكتف بهذا بل أخضعها لمحاكمة سياسية الأهداف وعندما لم تغير موقفها بدأ النظام بقمعها ومنعها من العمل والسفر واضطرت للخروج من سورية سرا بعد تعرضها للتهديد، وتوجهت إلى الأردن ثم انتقلت إلى فرنسا لتكمل غربتها القسرية عن الوطن الذي عشقته وأحبته وأحبت أهله.

(أيقونة الثورة ) و( الفنانة الحرة ) هو اللقب الذي اختاره لها السوريون لأنها بالفعل أيقونة للحرية والكرامة والمبادئ قولا وفعلا. فقد قامت بكل ما يمكن القيام به لتقف في وجه قاتل الأطفال بشار الأسد بأسلوبها الخاص المميز وبأنوثتها التي غلبت جبروت هذا المجرم، ولك أن ترى ردود فعل إعلام النظام على قنواته التلفزيونية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي والتي امتلأت بالشماتة والقبح بوفاة هذه البطلة الثائرة.

جمعت محبة مي سكاف كل أطياف الشعب السوري بكل طوائفه وعرقياته فقد كتب توفيق حلاق وهو مقدم البرامج السوري الشهير (غنوا ولحنوا كلماتها أيها المغنون والموسيقيون، وارسموها وانحتوا لها الأيقونات وهي تحمل شعلة الحرية أيها الرسامون والنحاتون، واكتبوا قصتها أيها الأدباء، واصنعوا عنها فيلما ومسلسلا يا كتاب السيناريو والمخرجين، لأن مي تستحق الخلود). أما الصحفي السوري إياد شربجي فقد كتب: (الآن استيقظت لأجد هذا الخبر المفجع... كم لهذا القلب أن يتحمل ويستمر رحيل أحبة تشاركنا معهم لحظات الحلم.... وداعا مي... وداعا أيتها الأصيلة الصادقة... لن أنسى تلك الذكريات). كما امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بالمحبة والدعوات بالرحمة والسكينة لهذه الفنانة التي اختارت أن تكون إلى جانب الشعب والحق والعدل ودفعت ثمن هذا الاختيار من صحتها ووقتها ومالها، إلا أنها كانت إلى آخر لحظة في حياتها سعيدة ومقتنعة تماما باختيارها ولم تندم لحظة واحدة عليه، فهي اختارت الحرية والعدالة.

رحم الله مي سكاف وأسكنها فسيح جناته فقد كانت مثالا للفنانة الحرة التي التصقت بالشعب وشعرت بآلامه وهمومه، وكانت صوتا للحق والعدل في بلد أصبح مليئا بالظلم والقتل.

ـــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟