قاطنون في حلب الشرقية
مواطنون سوريون في مدينة حلب

بقلم كوليت بهنا/

الرقم الذي أفصحت عنه وزارة الصحة السورية مؤخرا بأن عدد الذين يعانون من الاضطرابات النفسية الشديدة يقارب مليون سوري لم يتوخ الدقة بالتأكيد، وربما شمل هذا المسح الرقمي العاصمة فقط وبعض المدن القليلة التي يمكن لمختصي الوزارة أن يصلوا إليها، وربما تم تحديده بناء على العدد المعلن للمرضى في بعض المصحات المختصة أو عدد المراجعين للعيادات النفسية، إذ يمكننا القول وبأسف إن معظم السوريين اليوم، داخل سوريا أو خارجها، مصابون باضطراب نفسي ما تختلف حدته، وهو نمط سيكولوجي ينتج عن الشعور بالضيق أو العجز الذي يصيب الإنسان ولا يعد جزءا من النمو الطبيعي للمهارات العقلية أو الثقافية، وطبيعي أن تصيب الحرب أول ما تصيب، الجانب النفسي للإنسان الأكثر هشاشة في مواجهة هول الأحداث التي مر بها السوريون ولا تزال، وفي ظل القلق المستمر والمتنامي من مستقبل غير واضح المعالم حتى اللحظة.

السوريون الذين أصيبوا بإعاقات دائمة وباتوا من ذوي الاحتياجات الخاصة ويقارب عددهم ثلاثة ملايين إنسان بحسب إحصاءات الأمم المتحدة، هل يمكن اعتبارهم أسوياء نفسيا وأنهم سيعيشون ما تبقى من حيواتهم بصحة نفسية خالصة جراء إعاقاتهم، أم يمكنك أن تطلب من طفل فقد أحد أطرافه أن يبتسم ويقضي حياته سعيدا ويلهو مثل بقية أقرانه الأصحاء؟

الأسوياء بدنيا الذين عاشوا تجربة الغرق في البحار أو رأوا أحدهم يغرق أمام أعينهم أو ظلوا تحت أنقاض بيوتهم أو عايشوا رعب الطائرات والصواريخ، أو هدمت بيوتهم وخسروا أحد أو كل عائلاتهم وأحبتهم وأرزاقهم وذكرياتهم واضطروا للنزوح المذل أو اللجوء والعيش تحت سقف خيمة هشة، أو يعيشون في سكن مشترك مع أقاربهم في ضيق مستمر وإحساس متنام بانكسار الخواطر، هل هم حقا معافون نفسيا مع ابتعادهم عن مصدر الخطر ويمكنهم أن يتعافوا نفسيا مع مرور الزمن؟

بعض النخبة من المبدعين والمثقفين الذين اضطروا للهروب واللجوء قسريا ولا يرون بصيص أمل في عودتهم، يأكل أفئدتهم الحنين كل يوم، وتقض مضاجعهم وأعمالهم وآمالهم كل ساعة الأخبار الدامية المتواترة من الداخل السوري ويعبرون دون انقطاع على وسائل التواصل الاجتماعي- نوافذهم الوحيدة المتاحة لإسماع أنينهم- عن شدة خيباتهم وآلامهم المترافقة باستمرار بكلمتي (يا لعجزنا) و(يا لقهرنا)، هل شملهم رقم المرضى السوريين المضطربين نفسيا وهم الأكثر حساسية بطبيعة تركيبتهم، وأنت تسمع كل يوم عن موت أحدهم في الخارج قهرا وكمدا جراء نوبات قلبية أو أمراض سرطانية مفاجئة أو اكتئابات قاتلة إلى حد الموت وهم لا يزالون في ريعان شبابهم وعطائهم؟

الأسر المعتقل أحد أبنائها أو غير المعروف مصيره، أو الأسر التي فقدت أحد أبنائها جراء قذيفة هاون ووصل عددهم إلى 35 ألفا في أربع مدن سورية فقط، هل يمكنها أن تتعافى وتتعايش بشكل طبيعي مع حقيقة غيابهم أو مقتلهم دون غصة دائمة ومريرة في الحلق وعميق الأثر النفسي والعاطفي والاجتماعي والاقتصادي في القلوب، مضاف إليها مشاعر الحقد والضغينة وكراهية الذات.

كل ما تقدم غيض من فيض، إذ لم نتحدث بعد عن أرقام الذين يعانون من العوز والبطالة وانعدام الأفق والحرمان بأشكاله، مما يشير إلى أن معظم السوريين، داخل سوريا وخارجها، مصابون اليوم باضطراب نفسي ما، ما إن تخفت حدته قليلا مع أية بارقة أمل باقتراب الحل والسلام، حتى يعود ويتأجج مع الأخبار اليومية الدامية الجديدة وآخرها أحداث درعا ونزوح أهلها المذل في العراء، وقبل أيام، وربما ليس أخيرا، مجزرة السويداء المروعة من قبل تنظيم داعش الإرهابي.

إذا أضفنا إلى ما تقدم آخر الإحصائيات العالمية التي شملت أربع دول عربية هي العراق واليمن وليبيا وسوريا فقط، ووثقت أرقاما بالملايين عن عدد اللاجئين والنازحين والقتلة والعاطلين عن العمل وغيرها، يعني أن المرء السوي نفسيا سيصاب حتما بالعجز النفسي أمام هول هذه الأرقام وهو يفكر كيف سيساعد كل هذه الشعوب وهل ستتعافى حقا مع مرور الوقت وأنت الذي ما زلت تلتقي بناجين من الحروب العربية أو العالمية قبل أكثر من سبعين عاما لم يتعافوا، ولم ينسوا، ولم يطب لهم عيش طوال كل تلك السنوات الحارقة الماضية.  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن) 

 

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!