جدار يحمل أسماء الجنود القتلى في المقبرة الأميركية في النورماندي-فرنسا
جدار يحمل أسماء الجنود القتلى في المقبرة الأميركية في النورماندي-فرنسا

بقلم فارس خشّان/

أخبارنا قتل وويلات، إحباط وخيبات...

اختراعاتنا تفخيخ سيارات وتسديد عبوات...

قوتنا تزخيم رياح الكراهية وتوزيع أخبار المؤامرات...

عدونا يرتاح لنا، وأبناء جلدتنا يرتعبون منا...

أعيادنا ذكرى اغتيالات وانتصاراتنا بداية لحروب جديدة...

شبابنا وقود لمشاريع مشبوهة وإلّا طاقة يستهلكها الضياع...

غروب الشمس تحجبه غبار القذائف وشروقها تائه فوق جبال من الهموم، وقصائدنا لا تعرف سوى لون الرثاء، ولوحاتنا حمراء حتى آخر لون في آخر وريد...

سياسة الممكن مجرد تجنب للأسوأ وليست مفاضلة بين عادي وجيّد...

كل ما لدينا مستورد، استهلاكا حتى العلكة، وعمالة حتى تربية الأطفال...

قلوبنا صخور وصخورنا رمال ورمالنا مسروقة وإلا مدفونة تحت نفاياتنا...

وطننا جواز سفر وأحلامنا جنسية أجنبية وحقيبتنا ملجأ والهدوء مجرد نذير لعاصفة عاتية...

ديكتاتورنا مقدس ومقدسنا منجّس، وتدمير مدننا على رؤوسنا دبلوماسية...

قاتلنا وسيط وحلّال عقد وطاعته واجبة...

حليفنا مرحلي، مثله مثل تاجر المفرق، لا يحتفظ بالبضائع الا بمقدار ما تستغرق الرحلة من المصنع الى المتجر...

لا تُبقي لنا غريزة البقاء إلا العيش في الأوهام.

أوهام الاعتقاد بأن الويل الذي يصيب جاري لن يصيبني، وبأنّ النوائب التي تلحق بغيري مجرد لعنة خاصة به...

ولا يشبع التطلع إلى الغد سوى مراقبة المتطورين. ننقسم بين أقواهم، وتسحرنا طبيعية قياداتهم، وتسرق ألبابنا نماذج ديموقراطيتهم، ونتسامر في مساءلة صغيرهم لكبيرهم وفي خشية كبيرهم من غضب صغيرهم.

نتابع أخبار هؤلاء كما نتابع مسلسلا تلفزيونيا. وقائعهم الراسخة نشاهدها كما لو كانت قصة خرافية. هذا بديهي، فمن يقتله رئيسه ببرميل متفجر كيف يمكنه أن يحسب واقعيا ما يشاهده من محاكمة رئيس، جريمته أن من اختاره مرافقا له، ذهب واعتدى بالضرب على متظاهر؟

ماذا لدى غيرنا ما ليس لدينا؟

لماذا دماؤنا تُستباح ودماء غيرنا محرّمة؟

لماذا جوعنا بديهي وجوع غيرنا مأساة كونية؟

لماذا حروبنا ملهاة أممية، ومعارك غيرنا ويلات إنسانية؟

لماذا خياراتنا محصورة بين التصفيق في القاعة أو الأنين في المعتقلات؟

لماذا الذين يعيشون على وعد الفردوس يحوّلون الأرض إلى جحيم؟

كيف يمكن لهؤلاء أن يحولوا دليلهم الأول والأكبر على وجود الخالق، إلى رقعة موت وعويل وحرائق وروائح نتنة؟

لماذا لا تُنتج أسئلتنا سوى الأسئلة، وكأن الاجوبة محظورة علينا؟

هل قدرنا فعلا بين أيادينا؟

كيف يكون كذلك، ولم تنفع ثورة، ولم تنتج تضحية ولم تتوقف قافلة الشهداء؟

من أين أتتنا هذه اللعنة الأزلية؟

(هذه الكلمات دوّنتها بعد نهاية زيارة للمقبرة الأميركية في "كول فيل سُور مير" في النورماندي الفرنسية حيث يرقد أكثر من تسعة آلاف جندي كانوا طليعة تحرير فرنسا قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبالتزامن مع تفجيرات ضربت أكثر من بلدة في أكثر من بلد في شرقنا "الأحمر" الذي يعيش في ظل معارك تكريس الديكتاتورية)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.