الممثل ستيسي كيش مؤديا دور هيمنغواي
الممثل ستيسي كيش مؤديا دور هيمنغواي

بقلم رياض عصمت/

تُرى، ماذا كان الأديب الأميركي الشهير إرنست همنغواي (1899-1961) ليفعل لو عاش في زماننا؟

كيف كان يمكن أن يسلك الكاتب الذي تطوَّع في شبابه كممرض مع القوات الإيطالية إبان الحرب العالمية الأولى، فجرح ونال وساما رفيعا لقاء خدماته الإنسانية؟

ماذا كان همنغواي سيفعل في أيامنا الراهنة وهو الأديب المغامر الذي شغف بمصارعة الثيران وكتب عنها روايته "وتشرق الشمس أيضا" (1926) فضلا عن عدة قصص قصيرة أخرى في أواخر حياته؟

كيف كان يمكن أن يكون موقف همنغواي إزاء ما يقترف في القرن الحادي والعشرين من خيانة للقيم وانتهاك للأعراف وتخل عن المبادئ؟  

هل كان إرنست همنغواي ليتردد عن القيام بفعل ما، وهو الذي لم يتوان عن الانضمام للثوار التقدميين للقتال ضد حكم الجنرال فرانكو في إسبانيا، الذي قام بانقلاب على حكم الجبهة الشعبية المكونة من الديمقراطيين والاشتراكيين متسببا بنشوب الحرب الأهلية الإسبانية بين عامي 1936-1939، والتي سقط خلالها نحو نصف مليون ضحية، وانتهت بانتصار فرانكو بدعم من هتلر وموسوليني، وبفضل تجنيده خمسين ألف مقاتل من المرتزقة المغاربة القادمين من الريف، فحكم فرانكو إسبانيا حكما ديكتاتوريا لمدة ستة وثلاثين عاما حتى وفاته في عام 1975 عن عمر 83 عاما؟

هل كان همنغواي، لو عاش في زماننا، سيهادن ويغض النظر عما يجري في العالم وهو الذي لم يتورع عن الإبحار في سفينة صيد هادفا إلى اصطياد الغواصات الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية، (دون أن يصادف أيا منها لحسن الحظ)؟

هل كان سيقعد في منزله في جزيرة "كي وست" بفلوريدا، أم يخلد للراحة في منزله في كيتشوم بولاية آيداهو، محجما عن فعل أي شيء ضد الظلم والظلاميين، متفرجا بكل دعة على ما يجري في العالم اليوم من مجازر وانتهاكات لحقوق الإنسان؟

هل كان لرجل من معدن همنغواي، الذي أقام في كوبا وناصر ثورتها، أن يعرض عن مناهضة الأنظمة الشمولية كما ناهض شخص الزعيم كاسترو بالرغم من إيمانه بالمبادئ الاشتراكية، ما جعله يخشى انتقامه ويحذر من أذاه؟

هل كان همنغواي، الذي قضى في باريس زمنا طويلا مع عدد من أبرز الكتاب الأميركيين آنذاك، سيعيش آمنا من سلطة المخابرات؟ وهل كان سيبقى بمنجاة من مراقبة بوليسية صارمة من أشباه ج. إدغار هوفر المعاصرين خشية تورطه بعلاقة مشبوهة مع النظام الشيوعي، أم لعل تلك كانت بعضا من تخيلات وأوهام الكاتب الكبير بعد نيله أكاليل المجد والشهرة العالمية؟ 

جدير بالذكر، إن إرنست همنغواي، الذي ولد في ضاحية "أوك بارك" المتاخمة لشيكاغو، حاز جائزة "بوليتزر" عن روايته "العجوز والبحر" (1953) وجائزة "نوبل" للآداب (1954) عن مجمل أعماله.

اشتهر همنغواي بأسلوبه المباشر البسيط والصادق في تصوير تجارب حقيقية عاشها بنفسه، سواء حول حلبات مصارعة الثيران، أم خلال رحلات صيد الضواري الكاسرة في أفريقيا، أم عبر خوض الحروب ضد النازية والفاشية والديكتاتورية.

عاش إرنست همنغواي 61 عاما فقط، إذ فاجأ العالم بإقدامه على الانتحار في عام 1961 أسوة بأبيه من قبله، وذلك عقب أربع زيجات فاشلة وعديد جدا من المغامرات المتنوعة في البر والبحر والجو، وربما أيضا بسبب ما تراكم على كاهله من ضرائب وإصابات جسدية ونفسية، فضلا عن عدة أمراض مزمنة بسبب إدمانه المزمن على الكحول.

تدهورت طائرة همنغواي مرتين في أفريقيا خلال قيامه برحلتي "سفاري" فكاد أن يقتل، وعانى وزوجته الأخيرة ماري من جروح وكدمات بليغة.

اندمج همنغواي خلال معيشته في باريس مع من أطلق عليهم اسم "جيل الضياع"، وضم ذلك الجيل بعض مشاهير الأدباء، مثل ف. سكوت فيتزجيرالد وغرترود ستاين، وبعض مشاهير الرسامين مثل بيكاسو وميرو.

ظهرت شخصية إرنست همنغواي في السينما عدة مرات، نذكر بينها فيلم "منتصف الليل في باريس" (2011) أحد أفضل إخراجات وودي ألن، وأدى فيه شخصية همنغواي الممثل كوري ستول، وفيلم "همنغواي وغيلهورن" (2012) من إخراج فيليب كوفمان، وأدى شخصية همنغواي فيه كلايف أوين أمام نيكول كيدمان في دور الصحافية الحسناء غيلهورن التي أغرم بها همنغواي وجعلها ثالث زوجاته الأربع.

من اللافت للنظر أن جميع روايات همنغواي السبع، وحتى بعض قصصه القصيرة التي تضمنتها مجموعاته الست، أنتجت إما سينمائيا أو تلفزيونيا، ونذكر منها خاصة "وداعا للسلاح" عن تجربته كممرض في الحرب العالمية الأولى، "لمن تقرع الأجراس" عن تجرته مع الثوار خلال الحرب الأهلية الإسبانية، "ثلوج كليمنجارو" عن رحلات "السفاري" للصيد في أفريقيا، "العجوز والبحر" عن الصياد العجوز سانتياغو وصراعه مع القرش في قاربه الصغير في محاولة للحفاظ على السمكة الضخمة التي اصطادها، فضلا عن أولى روايات همنغواي عن مصارعة الثيران "وتشرق الشمس أيضا".

لعب بعض أكبر النجوم أدوار البطولة في تلك الأفلام، ومنهم سبنسر تريسي، أنتوني كوين، تايرون باول، غاري كوبر، إنغريد برغمان، غريغوري بك، إيفا غاردنر، سوزان هيوارد، روك هدسون، إيرول فلين، مِل فيرر، جنيفر جونز وفيتوريو دو سيكا.

لكن الجدير بالذكر أن الممثل الأبرز الذي جسَّد شخصية همنغواي هو ستيسي كيش، إذ حاز على حسن تجسيده للشخصية في أربع حلقات تلفزيونية جائزة "غولدن غلوب" (1989).

كان العرض المسرحي "بامبلونا" Pamplona قد أنهى عروضه التجريبية في أيار/مايو من العام الماضي حين داهمت ممثله الوحيد ستيسي كيش وهو على خشبة المسرح في ليلة الافتتاح جلطة أدت إلى نسيانه الحوار وترداده للجملة نفسها أكثر من عشر مرات، ما جعل مخرج المسرحية والمدير الفني لمسرح "غودمان" في شيكاغو روبرت فولز، يعتلي المنصة معتذرا من الجمهور، ويصطحب الممثل الشهير فورا إلى طوارئ أقرب مستشفى.

في تموز/يوليو 2018، عاد ستيسي كيش تحت إخراج روبرت فولز نفسه لأداء شخصية إرنست همنغواي على المسرح بعد أن تماثل للشفاء وسط حضور كثيف من الجمهور المتعطش لمشاهدة الفنان الكبير في هذا الدور بالذات.

كتب نص المسرحية بتوثيق دقيق المؤلف المسرحي جيم ماكغراث، واختار أن تجري أحداثها بعد خمس سنوات من فوز همنغواي بجائزة "نوبل" الرفيعة، فجعله يعود إلى بلدة بامبلونا الإسبانية المعروفة بمصارعة الثيران ليحاول كتابة سلسلة مقالات لمجلة أميركية كبرى عن نجل مصارع شهير يتبع خطى أبيه.

صورت المسرحية همنغواي وهو يواجه عجزا عن الكتابة، فتستعيد ذاكرته صفحات مختلفة من حياته مع النساء اللواتي اقترن بهن، ومع الأدباء والفنانين الذين عاشرهم إبان إقامته في باريس.

إنه التعاون الثالث للنجم المعروف ستيسي كيش مع المخرج القدير روبرت فولز بعد  أدائه بطولة مسرحية شكسبير "الملك لير" وبطولة آخر نصوص آرثر ميلر "إنهاء اللوحة".

لا شك أن المخرج تمكن في "بامبلونا" من إضفاء حيوية بصرية مدهشة على النص من خلال عكسه لعديد من الصور الفوتوغرافية والأفلام التسجيلية على جدران الديكور المسرحي عن مصارعة الثيران والشخصيات الحقيقية التي عاشرها همنغواي، فمنح ذلك الجمهور طيفا أوسع بكثير من حدود غرفة الفندق الإسباني والحوار المنطوق، في حين خلق لنا تأثيرات خارجية مشوقة، إذ لا يكف جار همنغواي في الفندق عن التذمر، ولا يكف موظف استقبال الفندق عن دق جرس الهاتف رغم تأكيد همنغواي على عدم إزعاجه، إلى أن تنتهي المسرحية بتصاعد القرع المزعج مع تلاشي الإضاءة بصورة تبعث على الجنون.

يظل محور العرض هو روعة تقمص الممثل ستيسي كيش لشخصية همنغواي، مازجا بين الدعابة والأسى، بين نشوة العشق وفورة الغضب.

ورغم أن انتحار همنغواي الفعلي جرى في ما بعد في منزله ببندقية الصيد المفضلة لديه، إلا أننا نرى همنغواي في المسرحية يضع مسدسه في فمه ويهم بإطلاق النار.

بالتالي، مهدت العرض لكون تفكير همنغواي بالانتحار تعبيرا عن الإحباط الذي واجهه كأديب وصل إلى ذروة الشهرة، وعن الاحتجاج المكبوت إزاء انتصار الظلم وضياع الأحلام.

لذلك، منذ البداية نرى المؤلف المسرحي جيم ماكغراث يفتتح مسرحيته بشخصية همنغواي وهو يحاول جاهدا الشروع بكتابة موضوع على الآلة الكاتبة بعنوان "المعركة" The Fight، ليدرك همنغواي في نهاية المسرحية، بعد أن يأخذنا معه في رحلة من الذكريات، أن أكبر تحد يواجهه الإنسان في الوجود هو العدم.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.