عناصر في الجيش المصري- أرشيف
عناصر في الجيش المصري- أرشيف

بقلم محمد ماهر/

على مدار السنوات السبع الماضية، اختارت القاهرة أن تنأى بنفسها عن الدخول مباشرة في الصراع السوري، تارة بسبب مشاكلها الداخلية، وتارة أخرى بسبب تعقيد الملف السوري، لا سيما مع انتشار قوات روسية وأميركية وأوروبية وإيرانية وتركية داخل سورية.

ومع ذلك، هناك بعض الدلائل التي تشير إلى أن القاهرة قد تسعى إلى توسيع دورها في سورية، وذلك بدافع عدائها للجماعات الإسلامية، إذ تخشى من أن يؤدي سقوط النظام السوري إلى تمكين هذه الجماعات من الاستيلاء على السلطة.

ومن ثم، تدعم القاهرة الآن وبشكل نشط الرئيس السوري بشار الأسد، وذلك رداً على محاولات نظام الإخوان المسلمين لتقويض الحكومة المصرية. وللأسف، وإلى جانب كونه غير أخلاقي، فإن دعم القاهرة للأسد ليس بقرار حكيم من الناحية الاستراتيجية.

وفى شهر حزيران/يونيو 2013، وقبل فترة وجيزة من انتهاء ولايته القصيرة، قام الرئيس المصري محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان، بإعلان الجهاد ضد نظام الأسد في سورية، وأعلن عن خطة لإرسال مقاتلين متطوعين إلى سورية وحاول إقناع المسؤولين السعوديين والإيرانيين والأتراك بالمشاركة في الحوار.

ومع ذلك، وعلى الرغم من الجهود التي بذلها في هذا الصدد، فشل مرسي في إقناع المجتمع الدولي بأن يأخذ تصريحاته ومقترحاته حول سورية على محمل الجد.

وفى أعقاب الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين في حزيران /يونيو 2013، تغير الموقف المصري بشكل جذري، فأكدت مصر على مبدأ وحدة الأراضي السورية، ومبدأ دعم الدولة السورية ومؤسساتها، ومبدأ الحل السياسي للأزمة، مع استبعاد الجماعات الإرهابية من الحل والسماح لقوى المعارضة المعتدلة بالمشاركة في الحوار.

وأيدت القاهرة علنا التدخل العسكري الروسي لدعم النظام والجيش السوري ضد المعارضة.

مؤخراً، ظهرت مصر كلاعب رئيسي في سورية للمرة الأولى، إذ قامت في تموز/يوليو الماضي برعاية المفاوضات بين الميليشيات المتمردة والنظام في الغوطة الشرقية (شرق دمشق) والأحياء الشمالية في مدينة حمص، وتلك المناطق كانت جزءا من مناطق "تخفيف التصعيد" التي وافقت عليها روسيا وتركيا وإيران في أيار/مايو 2017.

علاوة على ذلك، يبدو أن المجتمع الدولي قد رحب بمشاركة مصر في الأزمة السورية المستمرة، واستقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في وقت مبكر الشهر الماضي في القاهرة، ستيفان دى ميستورا، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لسورية، قادما من إيران، وذلك قبل أن يتوجه المبعوث الأُممي لزيارة موسكو وبروكسل.

ويأمل المبعوث الأممي من زيارته إلى دفع القاهرة لاستخدام نفوذها واتصالاتها لدفع الأطراف المعنية داخل سورية إلى الجلوس على مائدة المفوضات والبدء في العملية السياسية.

وفي هذا السياق، من المهم ملاحظة أنه على الرغم من أن نطاق تدخل مصر في سورية قد تغير، إلا أن موقفها تجاه النظام السوري لم يتغير، فالقاهرة تخشى من النمو المحتمل للجماعات الإسلامية في سورية، وتأثيرها المحتمل على حركات التمرد المحلية في مصر. ومن ثم، تحالفت القاهرة مع الحكومة السورية التي تقدم نفسها كبديل وحيد لتلك الجماعات.

ومع ذلك، وعلى الرغم من مخاوف القاهرة بشأن تمدد الميليشيات الإسلامية، إلا أن تبني القاهرة لمقاربة الدعم العلني لنظام الأسد لا يوجد ما يبررها على الجانب البراغماتي أو حتى الأخلاقي.

فمن الناحية الأخلاقية، يجب على القاهرة ألا تستمر في دعم نظام الأسد الذي اقترف كل أنواع الجرائم ضد شعبه ابتداء بإطلاق النار على المتظاهرين العزل ونهاية بهجمات كيماوية ضد نساء وأطفال ومدنيين.

وقد شكل موقف مصر من نظام الأسد تهديدا حقيقيا للعلاقات بينها وبين حلفائها الخليجيين الذين يطمحون إلى تقويض النظام السوري بسبب علاقاته مع إيران.

وقد برزت بوادر التوترات بين مصر ودول الخليج على خلفية الأزمة السورية في تشرين الأول/أكتوبر 2016، عندما صوتت مصر لصالح قرار روسي -تعارضه السعودية- في مجلس الأمن، ما تسبب في حالة غضب عارمة لدى المملكة التي وصف مندوبها في مجلس الأمن القرار بأنه "مؤلم".

وردت السعودية بوقف إمداداتها من النفط الرخيص إلى مصر، الأمر الذي أجبر القاهرة على شراء إمداداتها النفطية من مصادر أخرى بأسعار السوق، ما أضر أيما ضرر بالموازنة المصرية وهي التي تعاني أصلا من عجز قياسي متنام منذ عام 2011.

لذلك، فإن دعم القاهرة للأسد يمثل تهديدا للعلاقات بين مصر وتلك الحكومات التي مدت يد العون لمصر للإطاحة بحُكم الإخوان المسلمين، ومن ثم، ساهمت في دعم الاستقرار في مصر في أعقاب 30 يونيو 2013.

ويمكن لمصر في هذا الصدد أن تتبنى سياسة أكثر براغماتية وأخلاقية في الوقت ذاته، وذلك بالحفاظ على قنوات اتصالاتها مفتوحة مع كل الأطراف.

ويجب أن تنظر مصر بعين الاعتبار للتهديدات الإيرانية في المنطقة، وأن تعمل جنبا إلى جنب مع حلفائها الخلجيين والولايات المتحدة لمواجهة تلك التهديدات ووضع حد للنفوذ الإيراني في المنطقة.

وإما عن خطر صعود الجماعات المتطرفة في سورية الذي يقلق المصريين فهذا أمر يمكن احتوائه وجرى احتوائه بالفعل عن طريق الحملة الدولية ضد تنظيم "داعش" هناك.

ويجب ألا يؤثر تخوف القاهرة من التمدد الإرهابي على سياستها الخارجية في سورية، إذ أن هناك منافذ أخرى وحلفاء آخرين يعملون من اجل إحلال السلام الداخلي في سورية.

محمــد ماهــر هو صحفي وباحث مصري مقيم في الولايات المتحدة

المصدر: منتدى فكرة

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟