العاصمة الأردنية في لقطة من جبل القلعة
العاصمة الأردنية في لقطة من جبل القلعة

بقلم مالك العثامنة/

لا يخفي المدير العام للتلفزيون الرسمي الأردني فراس نصير شيئا من القلق وهو يتحدث عن واقع الإعلام الأردني عموما، وصدف أن التقيته في عشاء ليلة انطلاقة بث تلفزيون "المملكة". والقناة الوليدة، هي قناة رسمية جديدة للدولة الأردنية أثارت جدلا منذ إعلان تأسيسها قبل أكثر من عام، خصوصا في ظل وجود مؤسسة تلفزيون وطنية رسمية قديمة وعريقة، وهي المؤسسة التي أنهكها الترهل في المحتوى والهيكلية إلى درجة أن الأردنيين أنفسهم يتساءلون عن معنى "الدينار" الإلزامي كضريبة يدفعونها مع كل فاتورة كهرباء لمحطة تلفزيون متثاقلة. (وهو تحصيل مالي لا يذهب للتلفزيون مباشرة بل يذهب إلى خزينة الدولة عبر وزارة المالية!).

المدير، بالغ التهذيب والحريص جدا في انتقاء مفرداته وكلماته، توافق معي في الاستغراب من إنشاء محطة تلفزيونية جديدة بتمويل "رسمي" هائل بدلا من استثمار المال العام في رفد المحطة القديمة والعريقة والتي كان لها في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ريادة متميزة أمام المحطات العربية.

القناة التي طرحت نفسها أنها قناة الدولة لم تخرج بمحتواها الإعلامي عن ذات دائرة الطباشير الأمنية المرسومة حول التلفزيون الأردني

​​لكن ذات المدير المهذب والحريص جدا في انتقاء كلماته ومفرداته، لم يجبني بوضوح عن سؤال طرحته على كل من قابلت والتقيت في الأردن: من الذي يقف فعلا وراء إنشاء محطة تلفزيون جديدة؟

السؤال بقي معلقا حتى اليوم، والأجوبة تفاوتت في طروحاتها كتوقعات بين أن يكون الديوان الملكي هو من يقف وراء تأسيس قناة "المملكة" وأن جهات متنفذة في القصر الملكي ترى في بعض مؤسسات الدولة التقليدية عجزا غير قابل للإصلاح مما يجعل استبدالها بمؤسسات جديدة بالكامل حلا للمعضلة.

لكن، وفي سبيل البحث عن إجابات، كنت دوما أكتشف صراعا خفيا بين ثنايا الدولة الأردنية في العمق، ومن إحدى أوضح تجلياته كان هذا الصراع بين الشاشتين: الشاشة القديمة التي يسيطر عليها الأمن الاستخباراتي في كل محتواها، والشاشة الجديدة التي تريد الخروج عن الطاعة الأمنية البيروقراطية بدعم من القصر الملكي مباشرة، بنظام خاص يجعل تعيينات الإدارة فيها مربوطا بإرادة ملكية على عكس التلفزيون الرسمي المناط التعيين في إدارته بمجلس الوزراء وبديوان الخدمة المدنية وبتنسيبات أمنية بالضرورة.

اقرأ للكاتب أيضا: أزمة الهجرة: البحث عن الفردوس المفقود (1)

تواصلت معي المحطة الجديدة، "المملكة"، وفي أول أيام وصولي إلى عمان عبر أحد أشهر مقدمي برامجها الحوارية للظهور على شاشتها، واعتذرت حينها لارتباطي بمواعيد أخرى.

التلفزيون الأردني أيضا تواصل معي للظهور على شاشته في برنامجه الصباحي اليومي على الهواء (واعتذرت أيضا لذات السبب السابق)، وهو ما جعلني أتساءل عن مدى دقة الحسابات السياسية في الظهور على أي من الشاشتين واحتساب النقاط! (مؤكدا أن اعتذاري للشاشتين لم يكن بحسابات النقاط السياسية بل سوء توقيت لا أكثر).

منذ تلك اللحظة، وأنا أفكر بعبارة "الدولة بين شاشتين" لكن مع مرور الأيام والبحث عن إجابات والدخول في تشعبات المشهد السياسي الأردني المتشابك فإن العبارة تقلب نفسها أحيانا في خاطري لتصبح: "الشاشة بين دولتين!".

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

لا صحة لأي من العبارتين مع بيان الحقائق تباعا، فما تبين لي وما لم يقله المدير العام للتلفزيون الأردني (البالغ التهذيب) وحصلت عليه كمعلومات إضافية في طريق البحث والتقصي أن فكرة إنشاء قناة إخبارية بطابع مستقل تمثل الدولة الأردنية (لا حكوماتها فقط) كانت فكرة دراسة قدمها هو شخصيا إلى مجلس وزراء حكومة السيد عبدالله النسور قبل سنوات، وفحواها إنشاء قناة ثالثة إخبارية مع تغيير الأنظمة والتعليمات وقانون المؤسسة نفسه ليصبح ملائما لعصر الفضاء الرقمي والتلفزيوني.

حتى الآن الفكرة منطقية وجيدة، لكن الشيطان الذي يكمن في التفاصيل قد يكمن أيضا في منعطفات الأفكار الجيدة. ولأن الكل يتحدث عن مرحلة كان فيها الديوان الملكي يشكل حكومة ظل موازية للحكومة الدستورية، فلا غرابة حسب الحقائق التي وصلتني أن يختطف مدير مكتب الملك السابق (نائب رئيس الوزراء في حكومة هاني الملقي) السيد جعفر حسان تلك الفكرة من ادراج الحكومة في الدوار الرابع، ليغيرها ويبدأ فكرة إنشاء قناة جديدة خارجة عن سيطرة الحكومة، صاحبة الولاية العامة، لكن بأموال الخزينة العامة نفسها.

وفعلا، تمت صناعة توليفة جديدة للفكرة الرائدة، والتواصل مع طاقم تم "تجميعه" بحسابات دقيقة ليكون رئيس مجلس إدارة القناة "الملكية" الجديدة أحد أشهر كتاب الصحافة اليومية وأكثرهم انتشارا على مستوى الأردن، وهو السيد فهد الخيطان.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

شخصيا، تابعت ما تيسر لي من المحتوى الإعلامي لقناة "المملكة"، ولا أخفي إعجابي بالمؤثرات البصرية واللونية التي دخلت من خلالها تلك القناة في منافسة حادة مع رائدة الإبهار البصري في الأردن، قناة "رؤيا" وهي قناة خاصة أهلية.

في سبيل البحث عن إجابات، كنت دوما أكتشف صراعا خفيا بين ثنايا الدولة الأردنية في العمق

​​لكن تلك القناة التي طرحت نفسها بوضوح أنها قناة الدولة والخدمة العامة للدولة برمتها، لم تخرج بمحتواها الإعلامي عن ذات دائرة الطباشير الأمنية المرسومة حول قناة التلفزيون الأردني، ولعل أحد أكثر معايير المضمون والمحتوى قياسا كان معالجتها (أو عدم معالجتها) لخبر مهم تزامن مع أيام البث الأولى لها، وهو ما يتعلق بالكلمة الساخنة والجريئة لأحد نواب البرلمان الأردني الذي انتقد فيه "بلغة قانونية بحتة لا إساءة فيها" ما يتداوله الناس من نفوذ غير دستوري لزوجة الملك الأردني.

اقرأ للكاتب أيضا: أزمة الهجرة: البحث عن الفردوس المفقود (2)

هذا بكل الأعراف المهنية، خبر.. وما تبعه من تداعيات بتحويل النائب المذكور إلى لجنة سلوك قد تفضي إلى تجريده من عضوية المجلس وسحب الحصانة عنه خبر آخر لا يمكن التغاضي عنه في عالم الصحافة المهنية، لكن قناة الخدمة العامة للدولة، وفي ذات يوم الخبر لم تر في كلا الخبرين الضخمين أهمية توازي تغطية إضرابات عمالية تحرج الحكومة!

وفي استطراد مؤجل لمقال قادم فإن الحديث عن الشاشتين في الدولة، أو الدولتين في الشاشة حديث متشعب وله تفاصيله (مما أقرا وأسمع وأشاهد وألتقي) وهي التفاصيل التي لا زلت أحاول الإلمام بها كصحفي أردني مهاجر، غادر بلاده وعاد إليها "زائرا" بعد غياب طويل.

وللحديث كثير من بقية.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.