أطفال يلهون بالمياه في مونتريال
أطفال يلهون بالمياه في مونتريال

نجلس إلى طاولة في "ساحة الفنون" في مونتريال تطل على إحدى الفسح التي تقدم فيها عروض منوعة تتوالى ما بين موسيقى أو عروض مسرحية صامتة إلى أداء حركات رقص تعبيرية على وقع بعض الأغنيات الفرنسية وبعض الألحان الأخرى مثل زوربا أو ألحان غجرية وشخصيات سيرك تقوم بملاعبة الجمهور بمظلاتها الماطرة. جذبت هذه العروض جمهورا من البالغين والأطفال، رجالا ونساء من قوميات وثقافات شديدة الغنى والتنوع... في هذه الأجواء، تلفتت إليّ ابنتي فجأة بنوع من التساؤل العاتب المختلط بالتعجب: ألا تفكرين بالكتابة عن مونتريال، مدينة الفرح والسعادة؟ هل عليك دائما الالتزام بالكتابة السياسية؟

في الواقع إن أكثر أنواع الكتابة التي أحبها، هي الكتابة عن المدن ولطالما فعلت ذلك، قبل أن أقرأ ما حكاه ماركو بولو لقبلاي خان (بطل "مدن خفية" لإيتالو كالفينو).

حملتني حكاياته إلى مدن سحرية ذات قباب ملونة، أبراج بلورية وشوارع تعبرها امرأة عارية تركض لتختفي وتضيع. إلى مدن، بهندستها ومعمارها كما في ألف ليلة وليلة، بحجارتها ونقوشها؛ وساحات وسطوح وشرفات بناسها وأزهارها، بظلالها وأضوائها. صارت الكتابة عن المدن تشبه طقس عبادة؛ وكلما مشيت في مدن جديدة تسجل ذاكرتي مشاهد وصور بطريقة السرد القصصي الذي يقبع بانتظار مناسبة كي يظهر.

بات ينطبق على اللبناني ما قاله محمود درويش: تحمل صليبك وتمشي إلى ميعاد انتحارك

​​سبق أن كتبت عن مونتريال، التي أدهشني تنوعها والتعدد والتسامح الذي يغمرها كفيء منعش أو كدفء شمس خريفهم المعروف بـ"الصيف الهندي" والمغنى في قصائد؛ والمقصود هنا الاستمتاع بسحر ألوان الأشجار في الخريف، بتدرجاتها من الأخضر إلى الأصفر والذهبي والنحاسي والأحمر..

تتحمس ابنتي، التي تتابع مهرجانات مونتريال منذ عدة سنوات، لتخبرني أن السلطات المحلية تعمل مؤخرا على جلب الفرح والسعادة إلى قلوب السكان فتقدم جميع التسهيلات والتدابير اللوجستية الممكنة لهذه الغاية. ويبدو أن سياسة رئيس البلدية الحالي هي جعل مونتريال مدينة سياحية ترحب بالزوار وتسهل حياتهم وتجعلها ممتعة وغير مكلفة؛ لذا يلاحظ في المدة الأخيرة انتشار المقاعد في الشوارع، سواء السياحية الشهيرة منها كالأولد بورت، أو في الضواحي حيث تخصص أمكنة قريبة من مراكز التسوق والمقاهي والكنائس والمحال المنوعة لوضع طاولات ومقاعد ـ كالمقاهي ـ كي يجلس إليها السكان لتناول ما يجلبونه. وكثيرا ما تصادف عازف (أو عازفة) يجلس إلى بيانو في الشارع قرب مركز رياضي أو ترفيهي أو كنيسة يلعب مقطوعات منوعة يستمع إليها من يرغب.

اقرأ للكاتبة أيضا: التنكيل والارهاب كأسلوب حكم.. قراءة في رواية 'مولانا'

تستمر المهرجانات حوالي شهرين خلال كل عام، وتمتد من 10 حزيران/يونيو إلى آخر شهر تموز/يوليو فتتوزع على شتى أنواع الفنون، وفي مناطق مختلفة ما بين ساحة الفنون وشارعي سان دنيس وسان لوران. وأشهر هذه المهرجانات، مهرجان الجاز الذي شارك فيه هذا العام في دورته الـ 39 مئات آلاف الأشخاص وصنفته موسوعة "غينيس" كأكبر مهرجان للجاز في العالم، ناهيك عن مهرجان الضحك مع شخصية فيكتور والسيرك والليالي الأفريقية وكثير غيرها.

عند التجول بين هذه الجموع التي تملأ الشوارع المخصصة للمشاة فقط دون المركبات في فترة المهرجانات، يجرفك الحشد ويحملك معه مثل موجة تغرق داخلها فتجد نفسك كأنك دخلت في قوقعة تلفك بالأمن والدفء والطمأنينة.

أما الجمهور المسالم فيغمرك بلطفه وقد يتبرع أحدهم تلقائيا لأخذ صورة لك أو لمساعدتك؛ ولن تشهد أي عراك أو عنف بل سترى وجوها ضاحكة أو متأملة أو متحلقة حول الطاولات الموزعة على شكل بارات أو مقاه صغيرة متفرقة تجلس إليها بحرية ويمكنك أن تطلب مشروبا أو طعاما أو تحضر ما تريد تناوله معك. حتى الأطفال سيجدون أماكن مخصصة لهم للعب تحت رذاذ البخار البارد أو العزف على أصابع بيانو ضخم يفترش الأرض.

وفي هذه الأثناء تستمتع بمشهد مسرحي أو فرقة موسيقية أو عازف منفرد أو أي من العروض الآتية من مختلف أنحاء الكرة. هنا، ستعتاد حواسك على سماع ومشاهدة وقبول مختلف اللغات واللهجات والأعراق وألوان البشرة والأزياء كما الأعمار والأجناس.

يشعرك كل ذلك بدفء العلاقات بين البشر وتستعيد الثقة بأن الجنس البشري يحافظ على إنسانيته عندما يتمتع بحقوقه في المجتمعات التي يصفها بعض من عندنا بالمادية والمتحللة وغير الأخلاقية!

وفي حين مارست الرقابة الوطنية في لبنان صلاحياتها في قمع الفن بعدم السماح عرض فيلم بسبب قبلة بين شابين؛ كنا نتابع أحد العروض التي اختلط فيها الأداء المسرحي بالموسيقى وبالنكات الضاحكة مع الأكروباسي الذي حكى لنا ما جرى لإيفا وتريستان اللذين أحبا بعضهما، وككل العشاق تقاربا وتباعدا فاستقرا على توازن متحرك. لكن إيفا شعرت بقلق ما، فغابت وعادت بعد أن تحولت الى إيف واستعادت قصة الحب مع تريستان وأعادا التجربة وتوصلا مجددا إلى التوازن المتغير ككل المحبين. في مقابل منع فيلم بسبب قبلة في بيروت، يصفق جمهور مونتريال لحكاية لإيفا/ إيف وتريستان، وهو جمهور شديد التنوع ومن جميع القوميات والأجناس والألوان والثقافات.

تتحول بيروت إلى مدينة عالمثالثية فاشلة، محتلة من قبل مقاولي سلاح ومال. يغمرها الفساد كما النفايات

​​سيخطئ من يعتقد أن الجمهور، كأفراد، يختلف كثيرا عن الجمهور في لبنان. فالأفراد يتشابهون كثيرا، بحاجاتهم ولفتاتهم وردات فعلهم وكلماتهم. ينشغلون بتناول الأطعمة والتحادث والجلوس مع بعضهم البعض وللأطفال نفس الحركات والأصوات والضحك والبكاء.. لكن الخلطة العامة تنتج شيئا مختلفا. سنجد حرية أكبر في اللبس وتكلفا أقل وقبولا تاما للآخر مهما كان مختلفا، وهناك كثير من العرب والمسلمين والمسلمات المحجبات الذين نجدهم حولنا يختلطون ويشاهدون ما يعرض كالآخرين.

هناك التمايزات طبعا، سواء الفردية أو الثقافية، لكن لا تظن أن من أمامك سيكون أكثر معرفة سياسيا أو علميا... مع ذلك ينتج اجتماعهم اختلافا نوعيا وسلوكا أكثر التزاما واحتراما للنظام والقانون وحرية الآخر والملكية العامة، لأنهم جزء من نظام عام ذي فعالية، يحسن الإدارة ويقوم على التعاون التام بين جميع مكوناته، حتى العرب. لكل مهمته التي يؤديها بمنتهى الدقة والالتزام مهما كانت صغيرة أو تافهة بنظر البعض.

تسأل نفسك لماذا هذا الاختلاف؟ أليست المشكلة إذن في النظام السياسي والتقاليد الديموقراطية واحترام الحريات وفي القدرة على التعاون التام المتزامن!

اقرأ للكاتبة أيضا: خلفيات ظاهرة الانتحار في لبنان نفسية أم اجتماعية؟

تتحول مونتريال إلى مدينة سياحية يغمرها الدفء الإنساني والرعاية وتتمتع بالحريات العامة والشخصية وتبحث عن توفير الفرح لمواطنيها وتحتضن زائريها وترعاهم، بينما تتحول بيروت إلى مدينة عالمثالثية فاشلة، محتلة من قبل مقاولي سلاح ومال، يغمرها الفساد كما النفايات، والعمل جار على تحويلها إلى نسخة عن "سورية الأسد"، محكومة من قبل "بساطير" الأجهزة الأمنية.

تمارس الرقابة على جرعات صغيرة، منها المعلن الذي يستثير الإعلام عندما يتعلق الأمر بصحافي معروف، ومنها ما تحدثت عنه منظمة العفو الدولية عن أن الأمن اللبناني يبتز ناشطين ويجبرهم على توقيع تعهدات بعد اعتقالهم وتهديدهم... الغريب أن الاعتقالات مستمرة ومن دون توضيح من وزارة الداخلية أو أي جهاز أمني.

بات ينطبق على اللبناني ما قاله محمود درويش: تحمل صليبك وتمشي إلى ميعاد انتحارك. كما صار يبحث عن "قلبه الذي وقع تلك الليلة وتكلس كالحصى".

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.