لاعبو المنتخب الفرنسي يحتفلون بفوزهم في كأس العالم
لاعبو المنتخب الفرنسي يحتفلون بفوزهم في كأس العالم

بقلم منصور الحاج/

"أنا سعيد جدا. لقد فازت أفريقيا بكأس العالم، لقد فازت أفريقيا بكأس العالم. أنا أتفهم لماذا عليهم القول بأن المنتخب الفرنسي هو الذي فاز بكأس العالم لكن انظر إلى أولئك الشباب.. ليس من الممكن أن تحصل على هذه الدرجة من السمرة من خلال التجول في شوارع جنوب فرنسا".

بهذه الكلمات أعرب تريفر نواه، الجنوب أفريقي مقدم البرنامج الكوميدي "ذا ديلي شو"، عن فرحته العارمة بفوز المنتخب الفرنسي الذي يضم لاعبين من أصول أفريقية. وقد أثار هذا التعليق جدلا واسعا في وسائل التواصل الاجتماعي احتدم بعد اعتراض السفير الفرنسي لدى الولايات المتحدة السيد جيرارد آرنولد الذي انتقد نواه في رسالة بعث بها إلى البرنامج واعتبر وصفه لانتصار فرنسا بكأس العالم بالفوز الأفريقي بمثابة إنكار لفرنسية اللاعبين وتأييد للعنصريين الذين يؤمنون بأن بياض البشرة هو العامل الوحيد الذي يحدد مدى "فرنسية" المواطنين في فرنسا.

فرنسا ليس دولة مثالية كما يحاول السفير تصوريها، فالأقليات هناك من سود وعرب وغيرهم يعانون من العنصرية والتمييز

​​كشخص متعدد الهويات ومهتم بالعوامل التي يحدد على إثرها الأفراد والجماعات هوياتهم، أقول بأنني أتفهم وجهة نظر الطرفين وأرى في الوقت نفسه أن في اعتراض السفير الكثير من المبالغة. كما أنني أتفهم أنني لست محايدا تماما في حكمي على ردة فعله نسبة لعوامل كثيرة أبرزها كوني أفريقي الأصل وأسود البشرة. بالإضافة إلى ذلك، فقد قضيت ردحا من الزمن في تشاد، المستعمرة الفرنسية السابقة التي تشرب الكثير من أبنائها الثقافة الفرنسية ولا تزال شوارعها ومدارسها وكنائسها تحمل أسماء زعماء فرنسيين وقادة عسكريين ولا يزال يتحكم قصر الإليزيه في سياساتها الداخلية والخارجية والعسكرية عبر قاعدتها العسكرية هناك حيث من المعتاد جدا رؤية الجنود الفرنسيين يجوبون شوارع العاصمة انجمينا، ولا أنسى مدى الإزعاج الذي سببته لي أزيز طائراتهم وهي تقلع وتهبط من المطار في كل صباح.

والخلاف بينهما في نظري يتمثل في أن السفير الفرنسي، وكذلك صديقي الفرنسي/الجزائري الذي يتفق معه، هو أنهما وبكل حسن نية يحاولان قطع الطريق على العنصريين وعدم منحهم أي فرصة للتقليل من وطنية أولئك اللاعبين وذلك بالإشادة بكونهم فرنسيين ولد جلهم في فرنسا (ما عدا اثنين فقط) كما ذكر السفير، وتعلموا فيها رياضة كرة القدم وبأنهم مكون رئيسي من مكونات المجتمع الفرنسي.

اقرأ للكاتب أيضا: هذا ما سأفعله لو كنت محمد بن سلمان

وبحسب صديقي الفرنسي، الذي يفضل أن يعرف نفسه بأنه من فرنسا دون الإشارة إلى أصوله الجزائرية، فإن الأقليات في فرنسا كالسود والعرب والأفارقة، خاصة من أبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين، يسعون سعيا حثيثا لإثبات وترسيخ فرنسيتهم وذلك بالتشديد على أنهم ينتمون إلى فرنسا في المقام الأول وأن أصولهم العرقية لا يجب أن تقلل من فرنسيتهم شيئا.

وفي المقابل، أراد نواه أن يشيد بالأصول الأفريقية للاعبين دون الانتقاص من فرنسيتهم شيئا نسبة لأن "اللون يحن" كما هو متداول في الدارجة العربية؛ بمعنى أن أصحاب البشرة السوداء يشعرون بوجود رابط معنوي ربما بسبب التمييز الذي نتعرض له بسبب سواد البشرة، فالاشتراك في الشعور بالمعاناة من العوامل التي تقرب بين السود وتسهل عملية التواصل بينهم. ففي أميركا مثلا، عندنا يلتقي أسودان في الشارع لأول مرة فإنهم ينادون بعضهم بعضا بـ"برو" وهي اختصار لكلمة أخ بالإنكليزية.

إن الإشكال في ما قاله نواه يكمن في أنه يحتمل أن يكون مدحا وذما في نفس الوقت وأن المعيار الذي يحدد ذلك هو شكل قائل المقولة وأصوله العرقية، وفي الغالب لون بشرته. فلو صرح شخص أبيض بأن أفريقيا هي التي انتصرت بكأس العالم ففي الغالب يعتبر تصريحه ذما وعنصرية وانتقاصا من فرنسية اللاعبين السود نسبة لأصولهم العرقية.

ولتوضيح ذلك أكثر، أقول إن السود، على سبيل المثال، لا يرون إشكالا في أن ينادون بعبارة "Nigger" وتعني "عبد" إذا كان المنادي أسود البشرة، بل إن تلك العبارة هي السائدة في الوقت الحالي في أوساط الشباب ويكثر استخدامها في أغاني موسيقى الراب وفي أوساط المطربين المشهورين، لكن يحرم "عرفيا" على الأبيض مناداة الأسود، وإن كان صديقا، بتلك العبارة نسبة لما تحمله من آلام ومعاناة ارتبطت بعهود العبودية.

وللأمانة أقول بأن الكثير من السود يتوسعون في وصف الكثير من البيض بالعنصرية في حالات لا يكون الخلاف فيها لأسباب عنصرية بالضرورة، فهناك على سبيل المثال من البيض من يعارضون حركة "Black Lives Matter" ليس تقليلا من حجم معاناة السود مع رجال الأمن واستخدامهم المفرط للقوة ضد السود وإنما على أساس فكري يرتبط بنشاط الحركة وأهدافها والوسائل التي تستخدمها والتحالفات التي تقيمها. في أغلب الأحيان، يتجاهل الكثير من السود كل تلك النقاط الفكرية ويهرعون إلى وصف من ينتقد حركتهم بالعنصرية.

إن موضوع الهوية من أكثر القضايا حساسية نسبة لاشتراك عدة عوامل في تحديدها، فهناك على سبيل المثال اختلاف كبير في تحديد معنى الهوية والانتماء بين الكوري الشمالي والكوري الجنوبي على الرغم من انحدار الطرفين من أصل واحد واشتراكهما في الثقافة واللغة والتاريخ والجغرافيا.

وقس على ذلك مفهوم الهوية لدى كل من الإثيوبيين والإرتريين الذين يشتركون أيضا في التاريخ والثقافة والفن واللغة، إلا أن الإشارة إلى الأثيوبي بأنه إرتري أو العكس قد تجر إلى ما لا يحمد عقباه نسبة للحساسية الكبيرة للموضوع وارتباطه بالحروب والصراعات التي شكلت الذاكرة الجمعية التي تركز على الخلافات السياسية بين الجانبين أكثر من المشتركات.

تلك الحساسية هي التي دفعت العديد من اللاعبين الفرنسيين من أصول أفريقية إلى التشديد على فرنسيتهم فقط وأن انتماءهم هو للبلاد التي نشأوا وترعرعوا فيها والتي منحتهم الفرصة للوصول إلى قمة العالم على المستوى الرياضي، على الرغم من أن غالبيتهم يفتخرون أيضا بأصولهم الأفريقية والدول التي ينحدرون منها وهو أمر يتضح من خلال ارتباطهم بالفن الأفريقي وعبر أدائهم للرقصات الأفريقية.

نعم، هي الحساسية التي دفعت أولئك الأبطال، الذين من حق أفريقيا أن تفخر بإنجازهم ومن حق جميع السود حول العالم الاحتفال بانتصارهم وبالمستوى المتميز الذي قدموه خلال بطولة كأس العالم، إلى التشديد على أنهم فرنسيون في المقام الأول.

لم تفز فرنسا بكأس العالم لأن فريقها يضم لاعبين من أصول أفريقية

​​لقد كانت مواقفهم وتصريحاتهم وتعليقاتهم في وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي ذكية هدفت إلى قطع الطريق أمام كل من يحاول التشكيك في وطنيتهم وولائهم لفرنسا. تلك الحساسية هي التي دفعت نجم نادي مانشيستر ستي بنجامين مندي إلى "تعديل" تغريدة موقع "سبورف" وضعت فيها أعلام الدول التي ينحدر منها لاعبو منتخب فرنسا حيث قام مندي بوضع العلم الفرنسي أمام أسماء جميع اللاعبين وإضافة عبارة "تم التعديل" في نهاية التغريدة.

وكما ذكرت لصديقي الفرنسي، فإنني لا أرى غضاضة في وصف لاعبي منتخب فرنسا بأنهم أفارقة، إن كان القصد من ذلك الثناء وليس الانتقاص والذم. كما أنني أتفهم موقفه وموقف سفير بلاده، لكن يبقى لون البشرة بالدرجة الأولى معيارا يبني عليه الكثير من الناس وخاصة الأجهزة الأمنية في العديد من الدول موقفهم من الشخص ويحدد مدى القوة التي سيتم استخدامها معه. كان لون بشرة هو ما دفع رجال الأمن في فرنسا لاستخدام القوة المفرطة مما أدى إلى وفاة الشاب أداما تراوري الذي لم يكن مسلحا في العام 2016. وقبل أيام من انطلاق بطولة كأس العالم، قتلت الشرطة الفرنسية الشاب الأسود أبو بكر فافان (22 عاما) بعيار ناري في مدينة نانت.

اقرأ للكاتب أيضا: مسؤولية 'فيفا' في تعزيز المساواة ومحاربة التمييز والعنصرية

لم تفز فرنسا بكأس العالم لأن فريقها يضم لاعبين من أصول أفريقية، فالقائلون بذلك وهم كثر يقللون من الجهد الذي بذلته الدولة الفرنسية في إعداد أولئك اللاعبين وتوفير المناخ المناسب لهم للإبداع في مداعبة الساحرة المستديرة، كما أنهم أيضا يبخسون جهود اللاعبين من أصول غير أفريقية فضلا عن أن هذا الرأي يكشف مدى جهل أولئك بأن كرة القدم لعبة جماعية يكمل فيها اللاعبين بعضهم بعضا، ولكل لاعب وظائف متعددة عليه تأديتها على أكمل وجه حتى يظهر الفريق بهذا التجانس والاتساق.

فرنسا ليست دولة مثالية كما يحاول السفير تصوريها، فالأقليات هناك من سود وعرب وغيرهم يعانون من العنصرية والتمييز، وعليه أتمنى أن يساهم فوز الديوك الفرنسية المختلفة الألوان والأشكال والأحجام في تحسين أوضاع الأقليات المضطهدة وتقوية الصف الداخلي ليصبح المجتمع كتلة واحدة تماما كالمنتخب يؤدي كل فرد فيه واجبات محددة ليجعل من فرنسا نموذجا ومضربا للمثل في العدالة والمساواة بين البشر بغض النظر عن اللون أو العرق أو الديانة أو الجنس.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.