الملك الأردني وزوجته خلال زيارة البيت الأبيض
الملك الأردني وزوجته خلال زيارة البيت الأبيض

بقلم عريب الرنتاوي/

يرتفع منسوب القلق في الأردن مع اقتراب الكشف عما بات يعرف بـ"صفقة القرن"، في إشارة إلى المبادرة التي يعمل صهر الرئيس الأميركي جارد كوشنير على بلورتها وتظهيرها، كإطار نهائي لحل القضية الفلسطينية وإغلاق ملف الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

وعبر مقال كتبه رئيس الوزراء الأردني الأسبق طاهر المصري، معقبا على "قانون قومية الدولة اليهودية"، الذي أقره الكنيست الإسرائيلي مؤخرا، عن هذا القلق مباشرة، حيث توقف في سياق مقالته عند ما وصفه بالزيارة الأهم والأخطر التي يقوم بها العاهل الأردني للولايات المتحدة، وهي الزيارة المستمرة منذ الحادي والعشرين من حزيران/يونيو الفائت، داعيا حكومة الدكتور عمر الرزاز لاتخاذ المواقف والسياسات التي تنسجم مع "المنعطف الأخطر" الذي ينتظر الأردن.

بدأت تظهر في أوساط النخبة السياسية الأردنية، آراء ونظريات، تتحدى ما كان يعرف حتى وقت قريب، بـ"ثوابت السياسة الخارجية"

​​ وأثارت الزيارة الملكية الطويلة (للأسبوع السادس حتى كتابة هذا المقال)، الكثير من التكهنات والأقاويل، وجوبهت بانتقادات حادة من قبل شخصيات معارضة، من حجم المهندس ليث شبيلات، حيث دارت هذه التكهنات حول إمكانية أن يكون الملك تعرض لضغوطات أميركية، لدفعه لقبول المبادرة الأميركية والتساوق معها، كما استبطنت التكهنات أقاويل وشائعات، حول احتمالات حدوث تغييرات كبيرة في المواقع الأساسية لهرم القيادة الأردنية انسجاما مع أدوار مرتسمة للأردن في سياق "الصفقة" المذكورة... كل ذلك، في غياب تام للرواية الرسمية حول الزيارة ومراميها، ومتى ستنتهي وما إن كانت زيارة "خاصة" أم "رسمية"، إلى غير ما هنالك من عناوين تطغى على أحاديث الصالونات والمجالس الأردنية.

ويعود مكمن القلق إلى القناعة العامة التي تسود أوساط الرأي العام الأردني، بأن بلادهم ستكون "الضحية الثانية"، بعد الفلسطينيين، في حال تمرير هذه "الصفقة النهائية"، ذلك أن أي حل للقضية الفلسطينية، لا يشتمل على تمكين اللاجئين من ممارسة حقهم في العودة، ولا ينتهي إلى إقامة دولة فلسطينية، مستقلة وقابلة للحياة، سيفتح الباب رحبا أمام حلول تنتقص من السيادة الأردنية وتمس هوية الدولة الأردنية، وستكون على حساب الأردنيين والفلسطينيين على حد سواء.

اقرأ للكاتب أيضا: هل تفتح قمة هلسنكي صفحة جديدة في العلاقات الدولية؟

وتعود جذور هذه "النظرية" إلى الرواية الرسمية أساسا، والتي طالما حاولت تفسير وتبرير موقفها الداعم لـ"حل الدولتين" بالقول إن قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، هو خط الدفاع الأول عن أمن الأردن واستقراره وهويته الوطنية، وأنها الضمانة الوحيدة لعدم تهجير الفلسطينيين إلى الضفة الشرقية من نهر الأردن، وإرغام الأردن تحت مزيج من الضغوط الاقتصادية والسياسية والإنسانية للقبول بدور ما في حل مشكلة ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية والقدس، تسعى إسرائيل للتخلص من أعبائهم، بعد تجريدهم من أكبر مساحة ممكنة من الأراضي التي يقيمون عليها، وعاشوا فيها لمئات متعاقبة من السنين.

وقد تعززت مخاوف الأردنيين هذه جراء عدد من التطورات التي وقعت مؤخرا وأثارت مزيدا من القلق في صفوفهم، منها على سبيل المثال، لا الحصر، تفاقم حدة الضائقة الاقتصادية التي تواجهها البلاد، والتي يُنظَر إليها في عمان والمدن الأردنية، على أنها مفتعلة، ومقصودة، وأن هدفها هو تهيئة الرأي العام الأردني للقبول بالسيناريو الأسوأ، كأن يدخل في معادلة "تقاسم وظيفي" مع إسرائيل، يتولى بموجبها أمر "الديموغرافيا" الفلسطينية، فيما تواصل إسرائيل بسط سيطرتها على "الجغرافيا" الفلسطينية.

وجاء الكشف عن جهود أميركية حثيثة وخفية، من أجل تشكيل قوة "ناتو عربية" لمواجهة إيران، يرجح أن تكون إسرائيل جزءا منها، مباشرة أو بصورة غير مباشرة، لتضيف إلى نار المخاوف الأردنية، المزيد من الزيت الحار... ذلك أن حلفا كهذا، إن نشأ قبل أو من دون إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والقدس وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة، لا يعني سوى شيء واحد: العودة لشكل من أشكال "الخيار الأردني" الذي ظل يبرز كتهديد وفزاعة طوال أكثر من ربع قرن.

ولوحظ خلال السنوات القليلة الفائتة، وبالأخص في أثناء "هبة رمضان الشعبية" الأخيرة، التي اندلعت احتجاجا على مشروع قانون جديدة للضريبة على الدخل، ولأسباب اقتصادية ومالية وضريبية أساسا، أن شعارات المحتجين في عمان وأكثر من خمسين بؤرة احتجاجية أخرى، قد انتقلت سريعا من "الشعار المطلبي" إلى "الشعار السياسي"، وإن الدعوات لرفض "التوطين" و"الوطن البديل" كانت حاضرة بقوة في المشهد الاحتجاجي الأردني، خصوصا في المناطق العشائرية الأردنية.

وربما لهذا السبب (من بين أسباب أخرى كذلك)، تعالت الأصوات مؤخرا التي تدعو الحكومة الأردنية لتنويع خياراتها وتحالفاتها، والانفتاح على أقطاب إقليمية ودولية جديدة، بما فيها روسيا والصين (مجموعة البريكس) وإيران وسورية، على اعتبار أن لحظة المواجهة مع الولايات المتحدة حول صفقة القرن ومستقبل الضفة الغربية والقدس والرعاية الهاشمية للأقصى والمقدسات، آتية لا محالة، وأن من مصلحة الأردن تنويع خياراته وتحالفاته مبكرا، حتى لا يقع تحت ضغط المساعدات الأميركية التي تقدم له.

جاء الكشف عن جهود أميركية من أجل تشكيل قوة "ناتو عربية" لمواجهة إيران لتضيف إلى نار المخاوف الأردنية مزيدا من الزيت الحار

​​وبدأت تظهر في أوساط النخبة السياسية الأردنية آراء ونظريات تتحدى ما كان يعرف حتى وقت قريب، بـ"ثوابت السياسة الخارجية"، ومن بينها فرضية "أن أمن الأردن واستقراره هو مصلحة استراتيجية لإسرائيل وجزء من منظومة أمنها القومي"...

فالسياسي الأردني المعروف مروان المعشر، الذي شغل مناصب رفيعة من بينها رئيس الديوان الملكي ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وكان في عداد الفريق الأردني المفاوض في محادثات السلام، يجادل منذ فترة بأن إسرائيل تغيرت خلال ربع القرن الأخير، وأنها لم تعد "شريكا" في عملية السلام، وأنها تشكل تهديدا لأمن الأردن واستقراره وهويته، وهي وجهة النظر ذاتها، التي طالما دافع عنها سياسيون أردنيون في صفوف المعارضة... ويبدو أن هذه النظرية تلقى رواجا في أوساط قيادية، بعضها ما زالت في مواقع المسؤولية في السلطة والدولة.

اقرأ للكاتب أيضا: خواء الخطاب "الإسلاموي" حيال تركيا ومفارقاته

هي تحولات عميقة بلا شك، تجري تحت سطح الحياة السياسية والشعبية الأردنية، وهي وإن كانت تعكس قلقا أردنيا حقيقيا حيال مآلات الحل النهائي للقضية الفلسطينية، إلا أنها من دون شك، تتسبب بإثارة قلق المسؤولين وصناع القرار في الدولة، الذين يجدون أنفسهم بين "زاوية ضيقة" للغاية، فهم من جهة غير قادرين على إدارة الظهر لمشروع ترامب بالكامل، بالنظر لعمق وتشعب الروابط والعلاقات مع واشنطن، بيد أنهم من جهة ثانية، مجبرون على أخذ المخاوف والقلق بل والرفض الشعبي الأردني لهذه المبادرة، بعين الاعتبار.

وأخيرا، فإن كثرة من الفاعلين الأردنيين باتت تخشى من أن يصبح "عدم الاستقرار" في الأردن، هو ثمن "السلام" بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لاسيما إذا وجدت أطراف إقليمية، تجد في زعزعة استقرار الأردن، مصلحة لها ولمرامي سياساتها الخارجية.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.