إيرانيون في باريس، يحملون صور أقاربهم الذين قتلهم النظام الحاكم
إيرانيون في باريس، يحملون صور أقاربهم الذين قتلهم النظام الحاكم

بقلم حسن منيمنة/

إيران اليوم تشكل تحديا أمنيا، بل ثقافيا واجتماعيا ودينيا، لعدد من المجتمعات العربية. والخطورة التي بلغتها إيران قد خسفت ملفات جسيمة سابقة، لتمسي الشاغل الأول لأكثر من طرف وفي أكثر من عاصمة. هي نتيجة مفهومة، بل مطلوبة، إزاء سلوك من طهران يبدو لدى من يتلقاه إما عدائيا صراحة، أو مؤذيا في أحسن الأحوال نتيجة الإهمال وسوء الاعتبار من جانب إيران لأحوال غيرها، في سعيها إلى تحقيق مصالحها.

وفي هذا الكلام عن "إيران" دون شك قدر من الاختزال، فالمقصود طبعا هو نظام الحكم في إيران، لا إيران بالمطلق، ويمكن كذلك فرز هذا النظام إلى "الدولة" والتي ربما يمكن التفاعل البناء معها في بعض الملفات، و"الثورة" وهي الأكثر إشكالية وصعوبة، وإن كان في هذا الفرز بعض التكلف في العديد من الأحيان، وبعض الإذعان لمسعى "الثورة"، أي الحرس الثوري ومنظومته، التترس بالدولة المعهودة والتلطي خلفها، لاسيما وأن رأس السلطة في كلتيهما هو "المرشد الأعلى"، وإن جرى تقديم "رئيس الجمهورية" المنتخب، خلافا لطبيعة النظام في إيران وانسجاما مع التوقعات المبنية على الألقاب، على أنه رأس السلطة التنفيذية.

إن نشر التشيع لأهل البيت في إيران، طوعا أو كرها، تحقق بمساهمة فاعلة لعلماء دين عرب شيعة، جلهم من جبل عامل، أي الجنوب اللبناني

​​على أنه ثمة نزعة في الثقافة العربية لا إلى اختزال النظام السياسي الإيراني وحسب، ووسمه بالعدائية دون تحفظ، بل إلى تعميم افتراض العداوة من نطاقها الآني الموضعي إلى حالة صراع وجودي حضاري بين فريقين على طرفي نقيض، "العرب" و"الفرس"، وإسقاط المنازلة الحالية في إطار المواجهة التاريخية المستمرة والتي لا تنتهي إلا بغلبة أحد الفريقين على الآخر.

ثلاث ملاحظات لا بد منهما: الأولى أن الثقافة الإيرانية تعاني من نزعات مشابهة، بل في العديد من الأحيان أكثر حدة واستعلاء وإيغالا في هذا المنحى. والثانية أن أصحاب هذه التوجهات العدائية لدى الجانبين يعتبرون أن السعي إلى تفكيك توجهاتهم أو الحد من زخمها أدوات وحسب لتشتيت جانبهم وتقديم الدعم وإن بالخفاء لجانب خصومهم. والثالثة هي أنه ليس لأي من الجانبين تصور فعلي لطبيعة "الانتصار" الموعود: ما معنى أن تهزم إيران؟ تجزئتها وتقسيمها واقتطاع الأحواز منها؟ تقويض مؤسساتها الدينية؟ وما معنى أن تنتصر إيران؟ أن تتوسع في المساحة وأن تترسخ بالنفوذ، أو أن تفرض لغتها ومذهبها؟ لا جواب على كل هذا لأنه خارج اهتمام مقولة العداوة الفارسية العربية. إذ أن وظيفة هذه المقولة، رغم زعمها تأطير التنافر بين الجانبين، هي أساسا تغليب وجهة نظر في سجال داخلي لدى كل من الثقافتين المعنيتين.

اقرأ للكاتب أيضا: إسرائيل اليهودية.. كي تكون ردة الفعل نافعة

الرواية التي تعتمدها مقولة العداوة، في الإطار الثقافي العربي، هي أن "الفرس"، وهم أصحاب الجاه والسلطان قبل الرسالة المحمدية، لم يرضوا يوما بالإذلال الناتج عن إطاحة الإسلام الفاتح بمجدهم، فهم "مجوس"، وإن ادعوا قبول الإسلام، بل اختيارهم للتشيع هو لإضعاف الدين وشرذمته. وما الشعوبية في العصر العباسي إلا وجه من أوجه التجلي لهذه العداوة، والتي تنتقل اليوم من الضمور إلى الظهور.

أوجه الفساد في هذه الرواية عديدة، أولها تجاهل التداخل العرقي والاجتماعي بين المكونين العربي والفارسي على مدى التاريخ، ابتداء من الفتوحات التي أنزلت قبائل عربية كبيرة في مختلف بلاد العجم، وما تلاها من مشاركة واستقرار للفرس في كل الأقطار التي شملها تتابع الفتوحات. وهذا التداخل يجعل إيران، من حيث خلفيتها الوراثية أكثر "عروبة" من العديد من المجتمعات العربية، في حين ينشر الوزن الوراثي الفارسي في هذه المجتمعات كافة.

أما أعظم المغالطات التي تنطوي عليها هذه الرواية، فهي في تخلفها عن إدراك حجم المساهمة الفارسية في تشكل الرصيد العلمي الإسلامي ومؤسساته وبناه. فالأقرب إلى الواقع بدلا من الطرح المتداول سرا وجهارا بأن "الفرس" عادوا الإسلام وسعوا إلى تهديمه، هو أن العلماء الفرس وغيرهم من "العجم" في أصولهم، ولا سيما في المراحل التأسيسية، كانوا في طليعة الذين وضعوا اللبنات الأولى وما يليها لصرح المخزون التراثي الإسلامي، بل من حيث الأعداد المطلقة يمكن حساب الغالبية لهم. وإذا كان ثمة عداء في أوساط فارسية لهذا المجهود، فالأصح إدراجه في إطار صراع متواصل، سابق للإسلام ومستمر ضمنه وفيما يتعداه، داخل هذه الثقافة بين التوجهات التنظيمية والانتفاضات عليها.

وكان اليسار العربي، في محاولة لاستكشاف سوابق ثورية في التراث الإسلامي، قد أشار إلى بعض هذه الحركات، كالخرمية والبابكية والقرامطة. ولكنه ليس من الإنصاف، لا في المدح ولا في الطعن، تحميل هذه الحركات من الأهمية ما لا تحتمل. فصلب المساهمة الثقافية الفارسية انصبت في الجهد التنظيمي المؤسساتي، وانتقلت التجربة السلطانية (الساسانية الإيرانية)، مع الأجيال المتعاقبة والمعتنقة للإسلام، إلى المخزون التراثي الإسلامي.

ونشوء مفهوم "أهل السنة والجماعة" بقدر ما هو استمرار لمدرسة "أهل الحديث" (العربية)، فإنه كذلك ناتج طبيعي للتوجهات السلطانية (الفارسية أو العجمية)، في إصرارها على الولاء وفي اعتمادها على النص والتشريع. وإن انطوت الصفة على الاقتضاب وافتقدت التنويه، فإنه قد يجوز وسم "الإسلام السني" كذلك بـ"الإسلام الساساني"، لبنائه على الخلفية الساسانية (الفارسية) في تشييده لصرحه الإداري والتنظيمي والسياسي والبنيوي.

لا إيران التاريخ، ولا إيران الحضارة، ولا إيران الشعب والإنسان، بل إيران الدولة اليوم وحسب، هي في موقع المعتدي في أكثر من حالة عربية

​​أهمية هذه الإشارات هي في تنديدها بالطرح الضمني الفاسد والمفسد في مقولة العداوة الفارسية العربية والتي تجعل من التشيع إيرانيا ومن إشهار الانتماء إلى السنة عربيا، فيما الواقع التاريخي هو أنه قبل قرار الحكام الصفويين في إيران، عند خاتمة القرن الرابع عشر الميلادي، فرض المذهب الشيعي على عموم بلاد فارس، فإن معظم التواجد الشيعي في العالم الإسلامي كان ضمن المحيط العربي. بل إن نشر التشيع لأهل البيت في إيران، طوعا أو كرها، تحقق بمساهمة فاعلة لعلماء دين عرب شيعة، جلهم من جبل عامل، أي الجنوب اللبناني اليوم.

نعم، الدولة الساسانية هزمت في معركة القادسية، وتلا ذلك فتح وخراب. وإذا كان بعض القوميين الإيرانيين، لدواعيهم الذاتية، يستدعي هذا الحدث، فإن التاريخ الإيراني قد تجاوزه، ليكمل التداخل بين الثقافات والشعوب بوتيرة أكثر ارتفاعا، ولينشأ عن هذا التداخل، مع مزج سائر المكونات التوالي الحضاري الإسلامي، والذي يمكن القول عنه بحق أنه لا فضل فيه للمكون العربي على المكون الأعجمي.

اقرأ للكاتب أيضا: السرديات الكبرى وصولا إلى "المستقبلية"، واعدة، واهمة، مهدِّدة

فالحديث، مع النظر إلى هذه المقومات، عن عداوة فارسية عربية لا يستقيم، بل هو أقرب إلى أن يكون وسيلة تعبوية لتسهيل استهداف الآخر الداخلي من خلال الطعن بهويته الداخلية واتهامه بالولاء للخارج. ذلك أن النتيجة الرئيسية لهذه العداوة المفترضة هي الفرز التسطيحي والذي يجعل من الانتماء السني عربيا والانتماء الشيعي إيرانيا وما يتبعه بالتالي من استهداف الأوساط الداخلية ذات الهوية الشيعية في المجتمعات العربية، إذ يمسي التشيع انتقاصا من الولاء القومي أو الوطني، بالإضافة إلى كونه خروجا أو "رفضا" دينيا.

وبعض الجهات الإيرانية مأزومة بدورها في سعيها إلى التخلص من وجهها الذاتي الإسلامي مع التحرج عن التصريح بالأمر وتحويلها المسألة إلى مواجهة قومية حضارية بين الإيرانيين المتفوقين والعرب البدو المتخلفين. وحين تلجأ هذه الجهات إلى اعتماد مقولة العداوة الفارسية العربية المتأصلة، فإنها تقدم المادة التوكيدية الخام لأصحاب الطروحات المقابلة عربيا.

أي أن هذه الطروحات التسطيحية تعتاش من بعضها البعض، فيما هي تضر بالتعددية والتكامل الثقافي والاجتماعي لدى كل من الجانبين، وفيما هي تعمّي وتطمس أنه لا إيران التاريخ، ولا إيران الحضارة، ولا إيران الشعب والإنسان، بل إيران الدولة اليوم وحسب، هي في موقع المعتدي في أكثر من حالة عربية. فهنا كما هنالك، لا بد بالتالي من التمييز بين الصواب في الإشارة إلى هذا العداء والخطأ في الحديث عن تلك العداوة.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.