خلال تشييع ضحايا السويداء
خلال تشييع ضحايا السويداء

بقلم حسين عبد الحسين/

لم تعد خديعة نظام الأسد في رعايته الإرهاب وردعه في الوقت نفسه تنطلي على أحد. هي منظومة عمرها أكثر من أربعة عقود، استخدمها نظام الأسد للتغلب على خصوم الداخل وابتزاز خصوم الخارج.

لـ"تحرير فلسطين"، رعى الأسد الأب، حافظ، تنظيمات فلسطينية على أنواعها، كان هدفها المعلن "تحرير فلسطين" فيما هدفها الفعلي إيقاع الأذى بخصوم الأسد، مثل الرئيسين الراحلين الفلسطيني ياسر عرفات والعراقي صدام حسين، فضلا عن زعماء الخليج.

يسعى الأسد لإخضاع دروز سورية، وتجنيد شبابهم، في الحملة التي يعد لها للسيطرة على محافظة إدلب الشمالية

​​خارج دنيا العرب، رعى الأسد عمليات ضد أهداف غربية وإسرائيلية لابتزاز العالم والحصول على امتيازات ديبلوماسية ومالية، مقابل توقف الهجمات الإرهابية. مثلا، أفرج الأسد عن رهائن غربيين في بيروت، وفي وقت لاحق كبح جماح عمليات "حزب الله" اللبناني ضد إسرائيل (حسب كتاب مبعوث السلام السابق دينيس روس) مقابل مكاسب من واشنطن، وكان يأمر هذ الحزب بتصعيد هجماته يوم كان العالم يتلكأ عن الوقوف على مطالب دمشق.

ومثل الأسد الأب، وجد ولده بشار فرصة سانحة في "الحرب العالمية على الإرهاب" لممارسة عملية الابتزاز التي أتقنها نظام أبيه. شرع الأسد أبواب دمشق أمام الإرهابيين من حول العالم، فراحوا يصلون مطارها ببطاقات سفر بلا عودة، وينتقلون تحت عيون استخبارات الأسد الساهرة إلى العراق للقيام بأعمال إجرامية أودت بحياة آلاف العراقيين والجنود الأميركيين.

اقرأ للكاتب أيضا: قضاء عربي ولا عدالة

لم يمتثل الأسد للقرار الدولي والإقليمي الداعم للاستقرار في العراق، فثابر على إرسال الإرهابيين إلى بغداد للقيام بعمليات تفجير، ما دفع رئيس حكومة العراق السابق نوري المالكي إلى تقديم شكوى لدى لأمم المتحدة، طالب فيها بإنشاء محكمة دولية لملاحقة الأسد ونظامه بتهمة الوقوف خلف جرائم إرهابية في العراق.

إرهابيو العراق هؤلاء لم يكونوا غريبين عن الأسد ونظامه الذي أتقن عمليات التهريب عبر الحدود السورية ـ العراقية والتلاعب على الحظر الدولي الذي كان مفروضا على صدام حسين. بعد سقوط نظام صدام، استضاف الأسد هؤلاء البعثيين، ورعى قنواتهم الإعلامية وخطابهم التحريضي. وبسبب تزامن اندلاع الثورة العراقية ضد المالكي مع ثورة سورية ضد الأسد، قام الأخير بدعم مشروع إعادة إنعاش التطرف الإسلامي غرب العراق وشرق سورية، فشن العالم حربه الضروس للقضاء على الإرهاب المتجدد.

على أن أمورا عديدة كانت لافتة في الإرهاب الداعشي، فهو إرهاب اقتسم والأسد إنتاج محطات كهرباء، وبعض النفط. وعلى رغم إصرار الأسد أن من يحاربهم في عموم سورية هم من الإرهابيين، انتهت معظم المعارك بتسويات قدم بموجبها الأسد باصاته لنقل الإرهابيين المزعومين من منطقة إلى أخرى.

آخر خدمات النقل التي قدمها الأسد للإرهابيين كانت نقله مقاتلي تنظيم "داعش" في مناطق جنوب سورية. بعد ذلك، أرسل الأسد وفده للتفاوض والأقلية الدرزية التي تسكن محافظة السويداء الجنوبية. والدروز أقلية تتمتع بوعي استراتيجي تاريخي وتتبنى مواقف حيادية ما أمكن عبر التاريخ، ما عدا القتال للدفاع عن الأرض. فالحفاظ على الأرض، حسب التقليد الدرزي، يتقدم على مغامرات الزعامة، كالتي خاضها موارنة لبنان في الماضي ويخوضها علويو سورية اليوم وهي معارك تتطلب الكثير من الدماء وتفضي إلى انتقام وثأر مع الآخرين.

في السويداء، طلب الأسد التحاق خمسين ألفا من الشباب الدروز ممن كانوا تخلفوا عن الخدمة الإجبارية لرفضهم المشاركة في قتل مجموعات سورية أخرى شريكة في الوطن. جدد الدروز رفضهم الالتحاق بجيش الأسد، فما كان من الأخير إلا أن سحب السلاح من تنظيم درزي أو أكثر كانوا يؤيدونه (لمعرفته أن هؤلاء سيدافعون ما أمكنهم عن كل الدروز). كما سحب الأسد قواته من شرق السويداء.

وفي ليلة ظلماء، قطع الأسد الكهرباء خارج "أوقات التقنين"، ما سمح لمقاتلي "داعش" بالتسلل إلى مناطق الدروز، حيث شنوا هجوما قتلوا فيه 250 درزيا، وهو رقم كبير قياسا إلى عديد هذه الأقلية، واختطفوا عشرة من الدرزيات أو أكثر.

كتاب الابتزاز الذي يستخدمه طغاة العالم هو نفسه. أما العالم الحر، فعليه أن يعي ماهية هذه الألاعيب، وأن يهب لنجدة ضحايا الطغاة

​​اعتقل الدروز حفنة من "الدواعش"، وعلقوهم شنقا في ساحات قراهم، ودافعوا عن أنفسهم ببأس، وراح بعض إخوانهم في المذهب من دروز لبنان يستعدون للانضمام إليهم والقتال في صفوفهم، على رغم حاجة الطرفين الماسة للسلاح.

يسعى الأسد لإخضاع دروز سورية، وتجنيد شبابهم، في الحملة التي يعد لها للسيطرة على محافظة إدلب الشمالية، وهو لذلك أرسل "داعش" على السويداء، فإما يتعرض الدروز للإبادة، أو يوافقون على "حماية الأسد" لهم بما في ذلك الانضمام لماكينة القتل التابعة للنظام السوري.

اقرأ للكاتب أيضا: مشكلة الربيع العربي

ومثلما يستخدم الأسد "داعش" ضد الدروز، فهو قام بالتغاضي عن الهجمات التي نظمها "حزب الله" وإيران من الجنوب السوري ضد إسرائيل، فإما تتمسك إسرائيل بالأسد حتى تتخلص من هجمات الحزب، أو يشعل الأسد المزيد من النيران في سورية ومحيطها حتى يستجديه العالم لإخمادها.

كتاب الابتزاز الذي يستخدمه طغاة العالم هو نفسه. أما العالم الحر، فعليه أن يعي ماهية هذه الألاعيب، وأن يهب لنجدة ضحايا الطغاة، إن كانوا مسيحيي العراق أو دروز سورية، كما السنة على جانبي الحدود العراقية السورية. هذه المجموعات لا تطلب من الأميركيين التضحية بأبنائهم للدفاع عنها، بل ما تطلبه هو السلاح حتى تدافع عن أنفسها. وطالما أن سياسة واشنطن هي تأكيد عدم عودة "داعش"، فلا بد للولايات المتحدة أن تدرك أن الأسد فشل في حماية السويداء، التي لن يحميها إلا أهلها، ما يستوجب تسليحهم.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.