تستمد فكرة استخدام القوة عند الإخوان المسلمين مشروعيتها من المفاهيم والتصورات والعقائد التي قامت عليها الجماعة (أرشيف)

بقلم بابكر فيصل بابكر/

يدعي كثير من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين أن الأفكار التي تدعو لاستخدام القوة لتغيير الأوضاع القائمة لا تمثل بنودا أصيلة في المنهج الذي أرساه المرشد المؤسس حسن البنا، وإنما هي مجرد اتجاهات طارئة فرضتها ظروف السجن والتعذيب والتنكيل التي جابه بها النظام الناصري الجماعة وقياداتها، مما دفع الأخيرة ممثلة في الأستاذ سيد قطب لاستحداث فكر العنف والتكفير، وهو الفكر الذي تبرأت منه الجماعة في مرحلة لاحقة كما يزعمون.

لكن الباحث المدقق في أدبيات الجماعة سيكتشف زيف هذا الادعاء، ويدرك أن فكرة استخدام القوة والعنف تعتبر من الأفكار الجوهرية التي نهض عليها بنيان المنهج الذي وضع لبناته الأساسية ومنطلقاته الرئيسية المرشد المؤسس. والخلاف بين الأخير وسيد قطب في طريقة استخدام القوة، ليس سوى خلاف في التوقيت والأسلوب وليس في المبدأ والفكرة.

نحن هنا إزاء رجل لا يؤمن بالديموقراطية كنظام للحكم ولا الأحزاب كمنظومات سياسية للتنافس

​​تستمد فكرة استخدام القوة عند الإخوان المسلمين مشروعيتها من المفاهيم والتصورات والعقائد التي قامت عليها الجماعة وتأسست عليها مبادئ الدعوة، وهي تصورات تجعل من العنف ضرورة لازمة وأمرا لا غنى عنه في سبيل الوصول للحكم وتطبيق المنهج الرسالي/الكوني للجماعة الذي يطمح للسيطرة على العالم.

يبدأ المرشد المؤسس التبرير لفكرة استخدام العنف بشرح ما أسماه نظرية "السيف في الإسلام"، والتي يوضح فيها أن الإسلام انتشر بالقوة من أجل هداية البشرية الضالة، ويقول: "وما كانت القوة إلا كالدواء المر الذي تحمل عليه الإنسانية العابثة المتهالكة حملا ليرد جماحها ويكسر جبروتها وطغيانها، وهكذا نظرية السيف في الإسلام، فلم يكن السيف في يد المسلم إلا كالمشرط في يد الجراح لحسم الداء الاجتماعي".

اقرأ للكاتب أيضا: وزير آثار سوداني: التماثيل أصنام

ثم يمضي ليجعل من مطلب الوصول للحكم "ركنا من أركان الإسلام"، وفي هذا الإطار يقول البنا في رسالة المؤتمر الخامس: "فالإخوان المسلمون يسيرون في جميع خطواتهم وآمالهم وأعمالهم على هدى الإسلام الحنيف كما فهموه، وكما أبانوا عن فهمهم هذا في أول هذه الكلمة. وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، وقديما قال الخليفة الثالث رضي الله عنه: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".

إن البنا يجعل من الحكومة ركنا من أركان الدين، شأنها شأن الصلاة والصوم والحج والزكاة. وإذا كان من الطبيعي أن يمثل الوصول للسلطة هدفا غائيا لجميع المنظمات السياسية التي تسعى لتطبيق برامجها إلا أننا في حالة الإخوان المسلمين لا نتعامل مع حزب سياسي يؤمن بالديموقراطية والانتخابات كوسيلة لإدراك الحكم، بل نحن إزاء منظمة تسعى بكل الوسائل لتغيير الحكومات التي لا تطبق الإسلام كما تفهمه وتقره وتنادي به.

يقول البنا في رسالة "مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي": "ولو أخذنا بالحزم وأعلناها صريحة واضحة: أننا معشر أمم الإسلام لا شيوعيون ولا ديمقراطيون ولا شيء من هذا الذي يزعمون". وهو لا يكتفي بذلك بل يصف الديموقراطية بأنها نظام تافه، حين يقول في "حديث الثلاثاء": "هذه هي دعوتنا ليس لها منهاج إلا الكتاب الكريم، ولا جنود إلا أنتم ولا زعيم إلا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، فأين من نظامنا هذه النظم التافهة المتداعية؟ هذه الديمقراطية، والشيوعية، والديكتاتورية".

ثم يمضي أبعد من ذلك في ذم الأحزاب التي هي أهم أدوات العملية الديموقراطية، ويقول: "ويعتقد الإخوان كذلك أن هذه الحزبية قد أفسدت على الناس كل مرافق حياتهم وعطلت مصالحهم، وأتلفت أخلاقهم، ومزقت روابطهم، وكان لها في حياتهم العامة والخاصة أسوأ الأثر ويعتقدون كذلك أن النظام النيابي، بل حتى البرلماني، في غنى عن نظام الأحزاب بصورتها الحاضرة في مصر وإلا لما قامت الحكومات الائتلافية في البلاد الديموقراطية فالحجة القائلة بأن النظام البرلماني لا يتصور إلا بوجود الأحزاب حجة واهية وكثير من البلاد الدستورية البرلمانية تسير على نظام الحزب الواحد وذلك في الإمكان".

ويضيف: "أحب أن أقول لإخواننا من دعاة الأحزاب ورجالها: إن اليوم الذي يستخدم فيه الإخوان المسلمون لغير فكرتهم الإسلامية البحتة لم يجئ ولن يجئ أبدا، وإن الإخوان لا يضمرون لحزب من الأحزاب أيا كان خصومة خاصة به، ولكنهم يعتقدون من قرارة نفوسهم أن مصر لا يصلحها ولا ينقذها إلا أن تنحل هذه الأحزاب كلها، وتتألف هيئة وطنية عاملة تقود الأمة إلى الفوز وفق تعاليم القرآن الكريم".

جعل حسن البنا من مطلب الوصول للحكم "ركنا من أركان الإسلام"

​​نحن هنا بإزاء رجل لا يؤمن بالديموقراطية كنظام للحكم ولا الأحزاب كمنظومات سياسية للتنافس، بل هو ينادي بسيادة "هيئة وطنية" واحدة تقوم على تعاليم القرآن، ولا شك أنه يعني أن تنشأ هذه الهيئة وفقا لأفكار ومبادئ جماعته، وفي حال تعذر قيامها يضحى العنف ـ وليس صناديق الاقتراع ـ الوسيلة الوحيدة للتغيير، وهو الأمر الذي دعا له البنا بكل جرأة وصراحة.

يقول البنا في ذات الرسالة: "قد يكون مفهوما أن يقنع المصلحون الإسلاميون برتبة الوعظ والإرشاد إذا وجدوا من أهل التنفيذ إصغاء لأوامر الله وتنفيذا لأحكامه وإيصالا لآياته ولأحاديث نبيه، وأما الحال كما نرى: التشريع الإسلامي في واد والتشريع الفعلي في واد آخر، فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف. فالإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله".

اقرأ للكاتب أيضا: مأزق القراءة الحرفية للقرآن والأحاديث (3)

ويضيف قائلا: "وكلمة لابد أن نقولها في هذا الموقف: هي أن الإخوان المسلمين لم يروا في حكومة من الحكومات التي عاصروها ـ ولا الحكومة القائمة ولا الحكومة السابقة، ولا غيرهما من الحكومات الحزبية من ينهض بهذا العبء أو من يبدي الاستعداد الصحيح لمناصرة الفكرة الإسلامية، فلتعلم الأمة ذلك، ولتطالب حكامها بحقوقها الإسلامية، وليعمل الإخوان المسلمون".

خطورة الحديث أعلاه تتمثل في أن البنا يقرر بوضوح لا لبس فيه أن جميع الحكومات القائمة لا تطبق الإسلام كما تفهمه جماعة الإخوان المسلمين، ولهذا السبب فإن الجماعة لن تتورع عن استخلاص الحكم من أيدي كل حكومة "لا تنفذ أوامر الله"، وهذا الاستخلاص لقوة التنفيذ "السلطة" مشروع بجميع الوسائل بما فيها القوة والعنف ذلك لأنه فرض واجب التنفيذ ويمثل ركنا من الأركان التي لا يكتمل الدين بدونها بحسب فهمه.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.