الرئيس المصري الأسبق أنور السادات خلال زيارته الشهيرة لإسرائيل عام 1977
الرئيس المصري الأسبق أنور السادات خلال زيارته الشهيرة لإسرائيل عام 1977

بقلم د. عماد بوظو/

اختار الرئيس المصري الأسبق أنور السادات يوم 19 تشرين الثاني/نوفمبر 1977 للقيام بزيارته التاريخية لإسرائيل، وصادف أن هذا التاريخ هو يوم ميلادي الذي اعتدت الاحتفال به كل عام. في تلك السنة أقام أحد أصدقائي حفل ميلادي في منزله، وسرعان ما تحولت السهرة إلى التجمع أمام شاشة التلفزيون التي كانت تنقل مباشرة نزول السادات من الطائرة في مطار بن غوريون في تل أبيب، وسط لافتات الترحيب به باللغات العربية والعبرية وعزف الفرقة الموسيقية الإسرائيلية للنشيد الوطني المصري. تلا ذلك، تبادل التحيات الحارة بين السادات وقادة إسرائيل من غولدا مائير وموشي ديان حتى مناحيم بيغن.

كان المطار محتشدا بشكل لا سابقة له بسبب حضور أغلب المسؤولين الإسرائيليين لاستقبال رئيس أكبر دولة عربية. وخرجت أعداد كبيرة من الشعب الإسرائيلي للشوارع لمشاهدة موكبه. أما نحن، فتراوحت مشاعرنا بين الذهول وعدم التصديق، رغم الإعلان المسبق عن الزيارة قبل أيام، لكن الانطباع الذي ساد عند الجميع حينها، أن الزيارة لن تحصل.

في نفس هذا اليوم من عام 1978 كنت في مدينة حلب التي درست في جامعتها، وخرجت مع مجموعة من الأصدقاء للاحتفال بعيد ميلادي، لكننا وجدنا شوارع حلب مظلمة وكافة المطاعم وأمكنة السهر فيها مغلقة ولافتات سوداء مرفوعة في شوارعها كتب عليها عبارات التنديد بزيارة السادات للقدس في مثل هذا اليوم "المشؤوم" من العام السابق.

عقدت جبهة الصمود والتصدي بعض الاجتماعات ثم سرعان ما طواها النسيان من دون أن يلحظ غيابها أحد

​​خلال السنة التي أعقبت زيارة الرئيس السادات للقدس، جرت مفاوضات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، التي انتهت بانسحاب إسرائيل من سيناء بمساحتها التي تفوق 60 ألف كيلومتر مربع أي أكبر من ضعف مساحة كامل فلسطين التاريخية (نحو 27 ألف كيلومتر مربع). بالتالي، استعادت الخزينة المصرية عائدات قناة السويس، التي وصلت في العام 2017 إلى أكثر من 5.3 مليار دولار. وعاد لمصر موردها الأول من الثروة المعدنية الموجود في سيناء من النحاس والفوسفات والحديد والفحم والمنغنيز واليورانيوم، بالإضافة إلى البترول حيث تنتج سيناء ثلث الإنتاج المصري. الأهم من ذلك، عائدات السياحة المتنوعة التي تشتهر بها سيناء؛ كالسياحة الدينية مثل جبل موسى ودير سانت كاترين، والسياحة التاريخية مثل معبد الإله حتحور من العصور الفرعونية وبقايا مناجم الفيروز والنحاس حوله، والسياحة العلاجية مثل حمام فرعون وحمام موسى وعيون موسى، وسياحة المؤتمرات الدولية والمعارض، إلى السياحة البرية والسفاري، والسياحة الشاطئية والغوص. كما تقدم الولايات المتحدة الأميركية منذ ذلك الوقت مبلغا بقيمة 2.1 مليار دولار كمعونة سنوية لمصر منذ توقيعها اتفاقية كامب ديفيد.

اقرأ للكاتب أيضا: تطهير شخصيات التراث الإسلامي من الخطايا، رابعة العدوية مثالا 

ردت الأنظمة العربية على زيارة السادات للقدس بعقد مجموعة من المؤتمرات التي ألقيت فيها الكثير من الخطابات الحماسية، وتم الإعلان عن تحالفات وجبهات اقتصر وجودها على الإعلام، مثل جبهة الصمود والتصدي التي شكلها حافظ الأسد وصدام حسين ومعمر القذافي وهواري بومدين ومنظمة التحرير الفلسطينية. وعقدت هذه الجبهة بعض الاجتماعات ثم سرعان ما طواها النسيان من دون أن يلحظ غيابها أحد. وفي مراحل لاحقة اختفى هؤلاء الديكتاتوريون جميعا، وكانت محصلة ما قدموه لبلادهم هو التدمير والخراب، ولم يبق سوى منظمة التحرير الفلسطينية في وضعها البالغ الصعوبة اليوم.

قبل أكثر من عشر سنوات تزامنت عطلة عيد الأضحى مع أعياد الميلاد ورأس السنة، مما منحني فرصة إجازة من عيادتي ذهبت فيها مع مجموعة من الأصدقاء إلى شرم الشيخ. كانت رحلة مذهلة بكل معنى الكلمة. وجدنا في شرم الشيخ مدينة سياحية دولية؛ مباني وفنادق وكازينوهات حديثة متناثرة على شاطئ البحر، أعداد كبيرة من السياح من كل البلدان. إذ أن شمس ومناخ جنوبي سيناء في فصل الشتاء يعد نموذجيا للسباحة والغوص. كانت الشواطئ ومياه البحر بمنتهى النظافة نتيجة وعي السكان لأهمية الحفاظ على الحيد المرجاني النادر أحد أهم معالم تلك المنطقة.

كانت شرم الشيخ متفوقة بخدماتها ومميزاتها السياحية المترافقة مع كلفتها المعقولة على منافساتها في الشرق الأوسط وأوروبا، وكان ذلك واضحا من أعداد الطائرات التي كانت تهبط وتقلع كل بضع دقائق فوق رؤوسنا حاملة أفواجا من السياح في حركة كثيفة ليلا نهارا.

في يوم عودتنا، وقفنا في مطار شرم الشيخ في طوابير طويلة مقسمة حسب البلد، إيطاليون وألمان وإنكليز وروس وغيرهم. غادرنا ليلا مطارا لبلدة صغيرة جنوب سيناء يضج بالحركة وآلاف القادمين والمغادرين، ووصلنا إلى مطار دمشق، وهو المطار الدولي الوحيد في الجمهورية العربية السورية. وصلنا ليلا، وكان المطار غارقا في ظلام دامس لا يوجد فيه أي أثر للحركة أو الحياة. تم إيقاظ موظفي الأمن العام ليختموا جوازات السفر، وكانت وجوههم غاضبة كالعادة. خلال ساعة طيران فقط، انتقلنا من عالم يضج بالحياة والحركة والبهجة إلى عالم آخر كئيب.

كان من الطبيعي بعد هذه الرحلة أن نقارن شرم الشيخ مع وضع السياحة والخدمات في سورية. توجد على طول الشاطئ السوري على المتوسط منشأتين فقط تم تصنيفهما تجاوزا بمستوى "خمس نجوم"، هما الشاطئ الأزرق وفندق الميريديان. ذهبنا إليهما خلال سنوات سابقة، وكانت أسعارهما أغلى من أسعار شرم الشيخ من دون أن تتضمن تقديم أي شيء في المقابل، لا طعام ولا تنظيف للغرف أو الشاليهات. يبدو الموظفون، نساء ورجالا، كعناصر استخبارات. على الأغلب، لم يكن من الممكن تعيينهم لو لم يكونوا كذلك. تميز تعاملهم بالفظاظة، بحيث يشعر النزلاء وكأنهم في معسكر للجيش. لمجموع هذه الأسباب كان من النادر مشاهدة سياح أجانب هناك.

في العام 2010 قمت مع عائلتي بزيارة أصدقاء لي في بلدة بير عجم في هضبة الجولان وسكانها من الشركس. أول ما تبادر إلى ذهني عند تجولي فيها، بلدة شركسية أخرى مشابهة لها تماما تقع غرب مدينة القنيطرة ضمن الجزء الذي تحتله إسرائيل حاليا من هضبة الجولان واسمها المنصورة، كنت قضيت فيها العطلة الصيفية في نهاية المرحلة الابتدائية في العام 1966 في منزل أختي.

بير عجم في العام 2010 هي نفسها المنصورة قبل أربعة عقود. طوال تلك السنوات لم يطرأ أي تبدل جوهري على شكل الأراضي والبيوت في هذا الريف السوري وكأن الزمن قد توقف، حيث يقوم الفلاح باستصلاح أرضه بنزع الحجارة السوداء منها لزراعتها، ومن هذه الحجارة يبني منزله ويصنع سورا لأرضه.

في المقابل، عندما نظرنا إلى القسم الواقع تحت الاحتلال الإسرائيلي، على بعد بضعة أمتار فقط، رأينا شكل الأراضي والحقول بالغ التنظيم مع انتشار لعنفات توليد الكهرباء اعتمادا على طاقة الرياح. كأن هذه الأمتار تفصل بين عصرين مختلفين. تولد عندي الانطباع ذاته أثناء رحلة إلى ألمانيا عام 1992، لدى مقارنة المناطق المهملة التي كانت جزءا من ألمانيا الشرقية الشيوعية مع المناطق الملاصقة لها من ألمانيا الغربية والتي كانت بالغة التنسيق والنظافة والحداثة.

خلال السنة التي أعقبت زيارة السادات للقدس، جرت مفاوضات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، التي انتهت بانسحاب إسرائيل من سيناء

​​شاءت الظروف أن ألتقي عام 2013 بالسفير دينيس روس، المنسق الأميركي السابق لعملية السلام، الذي اجتمع أكثر من مرة مع حافظ الأسد خلال النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي. خلال هذا اللقاء أحضر السفير روس كتابا من مكتبته فيه خريطة تشير إلى الحدود التي وافقت إسرائيل على الانسحاب إليها في حال توقيع اتفاق سلام مع سورية، وكان خط الانسحاب هذا يختلف عن خط الحدود في 4 حزيران/يونيو 1967 في بعض المناطق ببضع عشرات من الأمتار، أما سبب مطالبة إسرائيل بهذه التعديلات على الحدود فيتعلق بالمياه، لأن 60 بالمئة من استهلاك إسرائيل من المياه العذبة كان يأتي في ذلك الوقت من بحيرة طبريا. قال لي السفير روس إن حافظ الأسد لم يحاول حتى النظر إلى الخريطة حين عرضها عليه، مما ترك انطباعا بأن قضية استعادة الجولان لم تكن ذات أهمية بالنسبة له.

اليوم بعد أربعة عقود على كامب ديفيد، لا بد من طرح عدد من الأسئلة:

هل أصبح بالإمكان إعادة قراءة ما حدث وإصدار أحكام أكثر موضوعية حولها؟

هل كان السادات خائنا كما اتهمه خصومه عندما ذهب إلى إسرائيل واستطاع استعادة كافة الأراضي المصرية المحتلة؟

هل اهتم حافظ الأسد حقا بإعادة الجولان، أم أنه اعتبر السلام تهديدا لحكمه وقد يعرقل توريث السلطة لابنه؟

هل الديكتاتوريات العربية التي شكلت جبهة الصمود والتصدي بحاجة دائمة إلى عدو تلقي عليه المسؤولية بحياة البؤس وانعدام الديموقراطية التي تعيشها شعوبها؟

ما سبب انهيار مؤسسات الدولة في دول الصمود والتصدي دون غيرها من الدول العربية؟

اقرأ للكاتب أيضا: هل تتماشى أحاديث 'الطب النبوي' مع العصر

هل أدرك العرب أهمية عامل الوقت أو الإسراع بالسلام قبل حدوث المزيد من التغييرات الديموغرافية على الأرض؟ فزيارة السادات لإسرائيل حدثت بعد عشر سنوات من احتلال سيناء، ولذلك كانت المستوطنات وأعداد المستوطنين قليلة، وكان تفكيك هذه المستوطنات وإخراج المستوطنين منها أكثر سهولة، وعندما كانت تجري المباحثات لإيجاد سلام مع سورية قبل موت حافظ الأسد في نهاية التسعينيات كان عدد السوريين في هضبة الجولان 14 ألفا وكان عدد المستوطنين الإسرائيليين فيها سبعة آلاف، بينما في عام 2016 بلغ عدد المستوطنين في الجولان 20 ألفا. كل يوم يمر يجعل الوضع أكثر تعقيدا.

الأهم من كل ذلك هل تعلمت الطبقة السياسية والشعوب العربية شيئا من تجارب الماضي وهل استفادت من أخطائها؟ هذه بعض التساؤلات التي تتبادر إلى الذهن بعد أربعين عاما على توقيع اتفاقية كامب ديفيد.

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

 

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!