الرئيس المصري الأسبق أنور السادات خلال زيارته الشهيرة لإسرائيل عام 1977
الرئيس المصري الأسبق أنور السادات خلال زيارته الشهيرة لإسرائيل عام 1977

بقلم د. عماد بوظو/

اختار الرئيس المصري الأسبق أنور السادات يوم 19 تشرين الثاني/نوفمبر 1977 للقيام بزيارته التاريخية لإسرائيل، وصادف أن هذا التاريخ هو يوم ميلادي الذي اعتدت الاحتفال به كل عام. في تلك السنة أقام أحد أصدقائي حفل ميلادي في منزله، وسرعان ما تحولت السهرة إلى التجمع أمام شاشة التلفزيون التي كانت تنقل مباشرة نزول السادات من الطائرة في مطار بن غوريون في تل أبيب، وسط لافتات الترحيب به باللغات العربية والعبرية وعزف الفرقة الموسيقية الإسرائيلية للنشيد الوطني المصري. تلا ذلك، تبادل التحيات الحارة بين السادات وقادة إسرائيل من غولدا مائير وموشي ديان حتى مناحيم بيغن.

كان المطار محتشدا بشكل لا سابقة له بسبب حضور أغلب المسؤولين الإسرائيليين لاستقبال رئيس أكبر دولة عربية. وخرجت أعداد كبيرة من الشعب الإسرائيلي للشوارع لمشاهدة موكبه. أما نحن، فتراوحت مشاعرنا بين الذهول وعدم التصديق، رغم الإعلان المسبق عن الزيارة قبل أيام، لكن الانطباع الذي ساد عند الجميع حينها، أن الزيارة لن تحصل.

في نفس هذا اليوم من عام 1978 كنت في مدينة حلب التي درست في جامعتها، وخرجت مع مجموعة من الأصدقاء للاحتفال بعيد ميلادي، لكننا وجدنا شوارع حلب مظلمة وكافة المطاعم وأمكنة السهر فيها مغلقة ولافتات سوداء مرفوعة في شوارعها كتب عليها عبارات التنديد بزيارة السادات للقدس في مثل هذا اليوم "المشؤوم" من العام السابق.

عقدت جبهة الصمود والتصدي بعض الاجتماعات ثم سرعان ما طواها النسيان من دون أن يلحظ غيابها أحد

​​خلال السنة التي أعقبت زيارة الرئيس السادات للقدس، جرت مفاوضات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، التي انتهت بانسحاب إسرائيل من سيناء بمساحتها التي تفوق 60 ألف كيلومتر مربع أي أكبر من ضعف مساحة كامل فلسطين التاريخية (نحو 27 ألف كيلومتر مربع). بالتالي، استعادت الخزينة المصرية عائدات قناة السويس، التي وصلت في العام 2017 إلى أكثر من 5.3 مليار دولار. وعاد لمصر موردها الأول من الثروة المعدنية الموجود في سيناء من النحاس والفوسفات والحديد والفحم والمنغنيز واليورانيوم، بالإضافة إلى البترول حيث تنتج سيناء ثلث الإنتاج المصري. الأهم من ذلك، عائدات السياحة المتنوعة التي تشتهر بها سيناء؛ كالسياحة الدينية مثل جبل موسى ودير سانت كاترين، والسياحة التاريخية مثل معبد الإله حتحور من العصور الفرعونية وبقايا مناجم الفيروز والنحاس حوله، والسياحة العلاجية مثل حمام فرعون وحمام موسى وعيون موسى، وسياحة المؤتمرات الدولية والمعارض، إلى السياحة البرية والسفاري، والسياحة الشاطئية والغوص. كما تقدم الولايات المتحدة الأميركية منذ ذلك الوقت مبلغا بقيمة 2.1 مليار دولار كمعونة سنوية لمصر منذ توقيعها اتفاقية كامب ديفيد.

اقرأ للكاتب أيضا: تطهير شخصيات التراث الإسلامي من الخطايا، رابعة العدوية مثالا 

ردت الأنظمة العربية على زيارة السادات للقدس بعقد مجموعة من المؤتمرات التي ألقيت فيها الكثير من الخطابات الحماسية، وتم الإعلان عن تحالفات وجبهات اقتصر وجودها على الإعلام، مثل جبهة الصمود والتصدي التي شكلها حافظ الأسد وصدام حسين ومعمر القذافي وهواري بومدين ومنظمة التحرير الفلسطينية. وعقدت هذه الجبهة بعض الاجتماعات ثم سرعان ما طواها النسيان من دون أن يلحظ غيابها أحد. وفي مراحل لاحقة اختفى هؤلاء الديكتاتوريون جميعا، وكانت محصلة ما قدموه لبلادهم هو التدمير والخراب، ولم يبق سوى منظمة التحرير الفلسطينية في وضعها البالغ الصعوبة اليوم.

قبل أكثر من عشر سنوات تزامنت عطلة عيد الأضحى مع أعياد الميلاد ورأس السنة، مما منحني فرصة إجازة من عيادتي ذهبت فيها مع مجموعة من الأصدقاء إلى شرم الشيخ. كانت رحلة مذهلة بكل معنى الكلمة. وجدنا في شرم الشيخ مدينة سياحية دولية؛ مباني وفنادق وكازينوهات حديثة متناثرة على شاطئ البحر، أعداد كبيرة من السياح من كل البلدان. إذ أن شمس ومناخ جنوبي سيناء في فصل الشتاء يعد نموذجيا للسباحة والغوص. كانت الشواطئ ومياه البحر بمنتهى النظافة نتيجة وعي السكان لأهمية الحفاظ على الحيد المرجاني النادر أحد أهم معالم تلك المنطقة.

كانت شرم الشيخ متفوقة بخدماتها ومميزاتها السياحية المترافقة مع كلفتها المعقولة على منافساتها في الشرق الأوسط وأوروبا، وكان ذلك واضحا من أعداد الطائرات التي كانت تهبط وتقلع كل بضع دقائق فوق رؤوسنا حاملة أفواجا من السياح في حركة كثيفة ليلا نهارا.

في يوم عودتنا، وقفنا في مطار شرم الشيخ في طوابير طويلة مقسمة حسب البلد، إيطاليون وألمان وإنكليز وروس وغيرهم. غادرنا ليلا مطارا لبلدة صغيرة جنوب سيناء يضج بالحركة وآلاف القادمين والمغادرين، ووصلنا إلى مطار دمشق، وهو المطار الدولي الوحيد في الجمهورية العربية السورية. وصلنا ليلا، وكان المطار غارقا في ظلام دامس لا يوجد فيه أي أثر للحركة أو الحياة. تم إيقاظ موظفي الأمن العام ليختموا جوازات السفر، وكانت وجوههم غاضبة كالعادة. خلال ساعة طيران فقط، انتقلنا من عالم يضج بالحياة والحركة والبهجة إلى عالم آخر كئيب.

كان من الطبيعي بعد هذه الرحلة أن نقارن شرم الشيخ مع وضع السياحة والخدمات في سورية. توجد على طول الشاطئ السوري على المتوسط منشأتين فقط تم تصنيفهما تجاوزا بمستوى "خمس نجوم"، هما الشاطئ الأزرق وفندق الميريديان. ذهبنا إليهما خلال سنوات سابقة، وكانت أسعارهما أغلى من أسعار شرم الشيخ من دون أن تتضمن تقديم أي شيء في المقابل، لا طعام ولا تنظيف للغرف أو الشاليهات. يبدو الموظفون، نساء ورجالا، كعناصر استخبارات. على الأغلب، لم يكن من الممكن تعيينهم لو لم يكونوا كذلك. تميز تعاملهم بالفظاظة، بحيث يشعر النزلاء وكأنهم في معسكر للجيش. لمجموع هذه الأسباب كان من النادر مشاهدة سياح أجانب هناك.

في العام 2010 قمت مع عائلتي بزيارة أصدقاء لي في بلدة بير عجم في هضبة الجولان وسكانها من الشركس. أول ما تبادر إلى ذهني عند تجولي فيها، بلدة شركسية أخرى مشابهة لها تماما تقع غرب مدينة القنيطرة ضمن الجزء الذي تحتله إسرائيل حاليا من هضبة الجولان واسمها المنصورة، كنت قضيت فيها العطلة الصيفية في نهاية المرحلة الابتدائية في العام 1966 في منزل أختي.

بير عجم في العام 2010 هي نفسها المنصورة قبل أربعة عقود. طوال تلك السنوات لم يطرأ أي تبدل جوهري على شكل الأراضي والبيوت في هذا الريف السوري وكأن الزمن قد توقف، حيث يقوم الفلاح باستصلاح أرضه بنزع الحجارة السوداء منها لزراعتها، ومن هذه الحجارة يبني منزله ويصنع سورا لأرضه.

في المقابل، عندما نظرنا إلى القسم الواقع تحت الاحتلال الإسرائيلي، على بعد بضعة أمتار فقط، رأينا شكل الأراضي والحقول بالغ التنظيم مع انتشار لعنفات توليد الكهرباء اعتمادا على طاقة الرياح. كأن هذه الأمتار تفصل بين عصرين مختلفين. تولد عندي الانطباع ذاته أثناء رحلة إلى ألمانيا عام 1992، لدى مقارنة المناطق المهملة التي كانت جزءا من ألمانيا الشرقية الشيوعية مع المناطق الملاصقة لها من ألمانيا الغربية والتي كانت بالغة التنسيق والنظافة والحداثة.

خلال السنة التي أعقبت زيارة السادات للقدس، جرت مفاوضات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، التي انتهت بانسحاب إسرائيل من سيناء

​​شاءت الظروف أن ألتقي عام 2013 بالسفير دينيس روس، المنسق الأميركي السابق لعملية السلام، الذي اجتمع أكثر من مرة مع حافظ الأسد خلال النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي. خلال هذا اللقاء أحضر السفير روس كتابا من مكتبته فيه خريطة تشير إلى الحدود التي وافقت إسرائيل على الانسحاب إليها في حال توقيع اتفاق سلام مع سورية، وكان خط الانسحاب هذا يختلف عن خط الحدود في 4 حزيران/يونيو 1967 في بعض المناطق ببضع عشرات من الأمتار، أما سبب مطالبة إسرائيل بهذه التعديلات على الحدود فيتعلق بالمياه، لأن 60 بالمئة من استهلاك إسرائيل من المياه العذبة كان يأتي في ذلك الوقت من بحيرة طبريا. قال لي السفير روس إن حافظ الأسد لم يحاول حتى النظر إلى الخريطة حين عرضها عليه، مما ترك انطباعا بأن قضية استعادة الجولان لم تكن ذات أهمية بالنسبة له.

اليوم بعد أربعة عقود على كامب ديفيد، لا بد من طرح عدد من الأسئلة:

هل أصبح بالإمكان إعادة قراءة ما حدث وإصدار أحكام أكثر موضوعية حولها؟

هل كان السادات خائنا كما اتهمه خصومه عندما ذهب إلى إسرائيل واستطاع استعادة كافة الأراضي المصرية المحتلة؟

هل اهتم حافظ الأسد حقا بإعادة الجولان، أم أنه اعتبر السلام تهديدا لحكمه وقد يعرقل توريث السلطة لابنه؟

هل الديكتاتوريات العربية التي شكلت جبهة الصمود والتصدي بحاجة دائمة إلى عدو تلقي عليه المسؤولية بحياة البؤس وانعدام الديموقراطية التي تعيشها شعوبها؟

ما سبب انهيار مؤسسات الدولة في دول الصمود والتصدي دون غيرها من الدول العربية؟

اقرأ للكاتب أيضا: هل تتماشى أحاديث 'الطب النبوي' مع العصر

هل أدرك العرب أهمية عامل الوقت أو الإسراع بالسلام قبل حدوث المزيد من التغييرات الديموغرافية على الأرض؟ فزيارة السادات لإسرائيل حدثت بعد عشر سنوات من احتلال سيناء، ولذلك كانت المستوطنات وأعداد المستوطنين قليلة، وكان تفكيك هذه المستوطنات وإخراج المستوطنين منها أكثر سهولة، وعندما كانت تجري المباحثات لإيجاد سلام مع سورية قبل موت حافظ الأسد في نهاية التسعينيات كان عدد السوريين في هضبة الجولان 14 ألفا وكان عدد المستوطنين الإسرائيليين فيها سبعة آلاف، بينما في عام 2016 بلغ عدد المستوطنين في الجولان 20 ألفا. كل يوم يمر يجعل الوضع أكثر تعقيدا.

الأهم من كل ذلك هل تعلمت الطبقة السياسية والشعوب العربية شيئا من تجارب الماضي وهل استفادت من أخطائها؟ هذه بعض التساؤلات التي تتبادر إلى الذهن بعد أربعين عاما على توقيع اتفاقية كامب ديفيد.

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.