مدينة دوما السورية عند سيطرة النظام السوري عليها بعد حصارها لسنوات
مدينة دوما السورية عند سيطرة النظام السوري عليها بعد حصارها لسنوات

بقلم حازم الأمين/

التصريحات الروسية بشأن سيطرة "الجيش العربي السوري" على الحدود السورية ـ الإسرائيلية، لا يشق لها غبار. فقد قال السفير الروسي في تل أبيب أناتولي فيكتوروف للقناة العاشرة الإسرائيلية إن "الأولوية هي ضمان أمن إسرائيل وهذا ليس مجرد كلام فارغ للسياسة الخارجية الروسية... يجب ألا تكون هناك قوات غير سورية في المنطقة الجنوبية".

الأرجح أن سجال متشدقي الممانعة بهذا التصريح وبالوقائع الجارية في جنوب سورية أمر غير مجد، ذاك أنهم هم أنفسهم لم تكن يوما المواجهة مع إسرائيل قضيتهم، وهم ليسوا أكثر من أذناب مذهبية يرددون وراء سادتهم ما يلقنوهم إياه. وتصريحات فيكتوروف تؤكد ذلك، إذ أن صوتا واحدا لم يسمع وهو يرد على الحليف الروسي الكبير وهو يقول: "الأولوية هي ضمان أمن إسرائيل". فحليف حزب الله والنظام السوري ودولة ولاية الفقيه يعتبر أن الأولوية هي "ضمان أمن إسرائيل"! ماذا يمكن أن يقال بعد هذا الوضوح؟

خرافة الصراع مع إسرائيل ليست وهما خالصا، فهي حقيقية في اللحظة التي تجد الجماعة ضرورة لها في سياق حروبها المذهبية

​​لقد أصبح مضجرا انتظارنا صوتا من "أصحاب القضية" ممن قاتلونا وقاتلوا السوريين لـ"حماية المقاومة"، يوضح لنا ما الذي يجري بين الحين والآخر من خيانات داخل البيت. لكن كلام فيكتوروف لم يجاره كلام لجهة وضوحه وحسمه الخيارات. فقد تبين أن الرجل في خندق واحد معنا نحن الخونة والمطبعين، وأن النصف مليون قتيل سوري قضوا على مذبح آخر. أي هذيان هذا، وأي انكشاف، وفي المقابل أي صمت وأي خذلان. "الأولوية هي أمن إسرائيل!". هل من كلام بعد هذا الكلام، وهل من انتصار أوضح. لا ابتذال بعد هذا الابتذال، ولا صفاقة توازي صفاقة السفير في حديثه للقناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي. ماذا عن "أبو علي بوتين" بعد هذا التصريح، وماذا عن صوره تزين "ساحات الانتصار في جنوب لبنان"؟

اقرأ للكاتب أيضا: الباصات الخضر تضرب في السويداء

لكن للمسألة وجه آخر أيضا. ثمة منتصرون في سورية، النظام من بينهم ومن بينهم أيضا إسرائيل، طالما أن الأخيرة ضمنت أمنها بكفالة روسية هذه المرة. وإيران أيضا منتصرة، طالما أن حليفها السياسي والمذهبي بشار الأسد قد انتصر. ومن المؤكد أن المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري، وشرائح المجتمع السوري الأوسع (السنة) قد انهزموا جميعا. ووفق هذا المشهد على المرء أن يعيد ترتيب الاصطفافات تبعا للنتائج. فأن يكون حزب الله والنظام قد انتصرا إلى جانب إسرائيل، وأن يخرج علينا السفير الروسي في تل أبيب ليقول ما قاله، فإن الأمور تقاس بنتائجها، وإذا كانت هذه هي نتيجة الحرب في سورية، فعلينا أن نعود إلى بداياتها للقول بأن حزب الله توجه للقتال في سورية ضمن مهمة تفضي إلى هذه النتيجة.

​​خرافة الصراع مع إسرائيل ليست وهما خالصا، فهي حقيقية في اللحظة التي تجد الجماعة ضرورة لها في سياق حروبها المذهبية. نقاتل في سورية لنحمي النظام ونناور بفلسطين على خط هذه الجبهة. نشعل حربا هائلة في لبنان مع إسرائيل لنتدارك فيها هزيمة في الداخل. وفي كلا الجبهتين موقع الجماعة هو الهدف وليس فلسطين، والدليل هو النتيجة.

خطاب الممانعة لم يكن يوما سوى مراوغة مذهبية وسياسية مهمته حماية أنظمة الردة والجريمة​

ها هو السفير الروسي يعلن النتيجة من تل أبيب، والممانعة من الوقاحة إلى حد يمكنها من أن تعلن معه انتصارها، على ما فعلت في حرب تموز (2006) على رغم الهزيمة الواقعية لجهة حجم الدمار وعدد القتلى والأهم لجهة النتائج التي أفضت إلى تأمين حدود إسرائيل على نحو لم يتأمن لها منذ نشوء الكيان.

لنعيد رسم المشهد في ظل الحروب التي خيضت مع إسرائيل، فالأخيرة لم تكن يوما محصنة على نحو ما هي محصنة اليوم. في جنوب لبنان هي محصنة بقرار دولي وبـ 15 ألف جندي دولي يحرسون حدودها، وفي سورية محصنة بموقف موسكو، وفي الأردن ومصر باتفاقيتي سلام. هذا مشهد لو أتيح لبن غوريون أن يعايشه لنام بعده قرير العين.

اقرأ للكاتب أيضا: حزب الله في قريتنا

لا ترتبط المسألة بسجال الممانعة بما قاله حليفها الروسي الأكبر لجهة أن أمن إسرائيل هو أولويته، إنما في البحث عن سر هذا "النكران" وعن المادة التي يتشكل منها. فقد قُتِل نصف مليون سوري على مذبح خطاب "حماية المقاومة"، وها هي الأخيرة تلتحق بمن قال إن أمن إسرائيل أولويته! ما سر هذا الصمت؟ وما سر هذا القبول؟ لا جواب سوى أن خطاب الممانعة لم يكن يوما سوى مراوغة مذهبية وسياسية مهمته حماية أنظمة الردة والجريمة. وهو خطاب لا يحترم أصلا عقول أهله ومريديه، وغير معني في أن يشرح لهم سر هذا الشطط الكبير، ثم إن كسلا موازيا أصاب أهله ومريدوه، ولم يعد تفسير ما يجري جزءا من همومهم.

يمكن لهذا المشهد أن ينجلي عن صورة أكثر تشريفا لأصحابه إذا ما قرروا نقل الخطاب إلى حقله الفعلي، وقالوا لنا: "الحرب لم تكن يوما بالنسبة إلينا أكثر من حرب مذهبية. انتصرت إسرائيل وانتصرنا معها عليكم".

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.