وسط العاصمة الأردنية عمان
وسط العاصمة الأردنية عمان

بقلم نضال منصور/

صيف ساخن في عمان، لا تصنعه درجات الحرارة، إنما تشعله الأزمات. لا تكاد تهدأ أزمة حتى تنفجر أخرى. كل يوم يفتح الناس أعينهم على جملة من الأحداث والأخبار والشائعات.

عمان، المدينة الوادعة، لم تعد كذلك. غدت مجتمعا تسرقه النميمة، في ظل سطوة غير مسبوقة لوسائل التواصل الاجتماعي.

في كل لحظة قصة وحكاية، ومهما امتلكت الحكومة من ناصية الإفصاح والشفافية فلن تستطيع اللحاق بما يحدث. هنا، تتصدر الفنانة أحلام أول القصص. أينما ذهبت تثير العواصف والأقاويل، وهذا يزيد أحلام نجومية وهي التي تطلق على نفسها لقب "الملكة".

كانت عمان على موعد مع أحد أفلام "الأكشن" التي تنتجها في حلها وترحالها، فحين وصولها للمشاركة في مهرجان جرش ذائع الصيت أقلتها، على خلاف كل نجوم المهرجان، سيارة "بنتلي رولز رويس" من المطار الى فندق الرويال. هناك كانت بانتظارها فرقة "زفة" موسيقية للترحيب بها على أبواب الفندق، وفي استقبالها سيدة قيل إنها وزيرة الثقافة لتضع على كتفيها الشماغ الأردني.

"السوشيل ميديا" تعلق "أعواد المشانق" من دون محاكمات ... والشائعات تكفي عند البعض لإصدار أحكام الإدانة والإعدام

​​حتى هنا ربما تبدو القصة مألوفة لفنانة تملك الملايين من الدولارات، وتتباهى بمجوهراتها الماسية ولباسها المرصع بالأحجار الكريمة. لكن "السوشيل ميديا" ضجت بحملات الاستنكار، وأول الاستهجان كيف تقف الوزيرة لتنتظر فنانة على باب الفندق، وكيف توشحها بشماغ الفخر والعز؟ غمز المغردون بأن هذا التصرف لا يليق. لم تنفع كل البيانات التي صدرت عن مكتب وزيرة الثقافة نافية بأن الوزيرة كانت في استقبالها.

لم تنته القصة مع أحلام، فقبل رحيلها التقطت لها صورة وهي تتوجه لزيارة مدينة البتراء، إحدى عجائب الدنيا، وهذه المرة تستقل مروحية تابعة للجيش الأردني. أثار هذا المشهد موجة غضب واستياء جديدة عند الشارع الذي تساءل برفض.. هل يعقل أن تستخدم فنانة طائرة الجيش، رمز عزتهم وكرامتهم الوطنية لتذهب إلى البتراء؟!

اقرأ للكاتب أيضا: الأردن .. فضيحة 'مصنع الدخان' تهرب جمركي أم فساد يحميه رجال السياسة؟

ورغم ما قاله مدير هيئة تنشيط السياحة الأردني عبد الرزاق عربيات بأن أحلام استأجرت الطائرة ودفعت 5 آلاف دولار بالساعة نظير استخدامها، إلا أن الانزعاج والتندر تزايد، مما اضطر الجيش لإصدار بيان توضيحي حازم ليهدئ من الأزمة.

لم تسكت أحلام؛ وتعليقا على تغريدة للنائب الأردني طارق خوري الذي دافع عنها وأكد أن زيارتها للمدينة الوردية البتراء سيكون لها أثر إيجابي قالت إنها استأجرت الطائرة من حسابها الخاص، ولو طلب منها أن تذهب مشيا على الأقدام لفعلتها.

شخصيا، لا أرى ما فعلته أحلام خادشا للكرامة الوطنية، وسواء أحببنا هذه الفنانة أو اختلفنا معها فإن الملايين يتابعونها ويمشون خلفها، وهذا يفيد البتراء ويروج لها.

قصة أحلام جاءت قبل أن تنتهي الحكومة من تطويق قضية "الدخان" التي لا تزال تداعياتها مستمرة، وما تزال قوات الأمن والدرك تداهم كل يوم مزارع ومصانع جديدة للدخان غير مرخصة.

وفي هذه الأثناء، وقعت حادثة الاعتداء على "شرطي سير"، وبث فيديو يظهر الاعتداء الوحشي على شرطي المرور أثناء "فاردة" أي موكب سيارات لعرس أغلق الشارع.

يحظى رجل الأمن وخاصة شرطة المرور بتعاطف المجتمع الأردني، وما زاد من حملة التضامن معه هو الشائعات التي سرت بأن أول المعتدين يعمل بالتشريفات الملكية، ويرتبط بعلاقات قربى مع متنفذين في أجهزة الأمن، وهو كلام افتقد للتوثيق والدقة، وبادر العديد من النشطاء إلى التأكيد بأن المعتدي لا يعمل بالتشريفات الملكية، وإنما في مجلس الأعيان، والأهم أن المعتدي يتحمل وزر أفعاله، ولا يجوز أن تنسحب المشكلة والإدانة على عائلته وعشيرته.

زار رئيس الوزراء عمر الرزاز شرطي المرور المعتدى عليه بالمستشفى، وأكد أن لا تهاون مع من يعتدي على رجال الأمن، وأن الحكومة لن تقبل بالتنازل عن سيادة القانون وتطبيقه، وأوقف المدعي العام إثر ذلك المتهمين على ذمة التحقيق.

ربما يبدو مألوفا لمن يعمل في الإعلام اقتناص الأخطاء وتسليط الضوء عليها، غير أن ما تفعله "السوشيل ميديا" أنها تعلق "أعواد المشانق" من دون محاكمات، وتكفي الشائعات عند بعضهم لإصدار أحكام الإدانة والإعدام.

وهذا كان محور نقاش كنت ضيفه على البرنامج الحواري الأكثر شهرة "نبض البلد" والذي يبث على "قناة رؤيا" حول الأخبار الزائفة والكاذبة وتلفيق الاتهامات للشخصيات العامة.

قلت في هذا البرنامج، الذي شاركني فيه الحديث الإعلامي مالك العثامنة، إن "وسائل التواصل الاجتماعي ليست وسائل إعلام محترفة تتبع معايير مهنية ومدونات سلوك، وتلتزم بالموضوعية والمصداقية والتوازن، وعرض الرأي والرأي الآخر، وهذا لا يعفي بالطبع المستخدمين من المسؤولية القانونية والأخلاقية إن أشاعوا معلومات مضللة، ومسيئة، وكاذبة بحق الشخصيات العامة".

والمعروف في الدول الديموقراطية أن مساحات النقد مهما كان قاسيا بحق الشخصيات العامة تتسع دائرتها، ويضيق حقهم بالتذرع بالخصوصية وحرمة الحياة الشخصية.

أهل عمان بعد "السوشيل ميديا" تغيروا عما قبلها، وكل يعاين هذا التغيير من منظوره القيمي!

في غفلة الأخبار المزعجة غاب الاهتمام بزيارة رئيس الحكومة الأردنية إلى صاحب "الكشك" الأشهر في وسط البلد في عمان، حسن أبو علي، الذي يبيع الصحف والكتب ويرتاده كل الناس وأبرزهم السياسيين والمثقفين منذ عقود.

حسن أبو علي صاحب "كشك" الثقافة العربية، الذي زارته الملكة رانيا زوجة العاهل الأردني قبل سنوات وما زال حتى الآن يعلق صورتها أعلى "الكشك"، له حكايات وأسرار كثيرة تستحق أن تروى عن مسيرته وعلاقاته، وربما أهمها حين كان يبيع الكتب "الممنوعة" لقادة وأعضاء الأحزاب السرية المحظورة قبل عودة الحياة الديموقراطية في الأردن عام 1989.

قبل أن يعود الملك إلى الأردن يوم الأربعاء الماضي، طغت لأول مرة على "السوشيل ميديا" أسئلة عن غيابه في إجازة خاصة، بدأت بعد زيارة رسمية لأميركا في شهر حزيران الماضي شارك خلالها في الملتقى الاقتصادي في "صن فالي"، وقد اعتاد أن يشارك به في السنوات الأخيرة.

اقرأ للكاتب أيضا: الأردن: حكومة الرزاز تحت نيران النواب

ما زاد من حدة الأسئلة والتكهنات ربط الغياب الملكي بضغوط يتعرض لها الأردن ليقبل بتنازلات "صفقة القرن"، وحين سألني مقدم برنامج "نبض البلد" محمد الخالدي عن وجهة نظري في أسئلة جمهور "فيسبوك" و"تويتر" عن سفر الملك، أجبت بوضوح "الملك يسافر بإجازة خاصة دورية كل عام في هذا الوقت، ولا غرابة في الأمر تستدعي كل هذه التأويلات والتفسيرات، وسفره وغيابه مرتبطان بضوابط حددها الدستور لم يتم تجاوزها أو الخروج عنها".

وتابعت القول إن "المعيب أن يتلقف البعض تقريرا صحافيا إسرائيليا رخيصا لتبدأ تساؤلاتهم وشكوكهم".

لم ينته صيف عمان، ولا نعرف ما هي المفاجآت التي تنتظرنا في الأيام القادمة، والمؤكد أن أهل عمان بعد "السوشيل ميديا" تغيروا عما قبلها، وكل يعاين هذا التغيير من منظوره القيمي!

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.