بعض الأضاحي تكون غير صالحة للأكل (أرشيف)
بعض الأضاحي تكون غير صالحة للأكل (أرشيف)

بقلم سناء العاجي/

كلما اقتربت المناسبات الدينية في بلدي (رمضان، عيد الفطر، عيد الأضحى)، تكثر حولنا التحذيرات من احتمالات السرقة والنصب. يروي الكثير من المواطنين عن مقالب تعرضوا لها خلال تلك الفترات: عمليات نصب واحتيال أو عمليات سرقة بالعنف والتهديد.

تتعدد التفاصيل، والنتيجة واحدة: خلال هذه المناسبات، يُقَدّر الكثير من اللصوص أن مواطنين غيرهم يحملون معهم مبالغ لا بأس بها لشراء ملابس العيد، الأضحية، أو أغراض أخرى حسب المناسبات.

هذا من دون الحديث عن أولئك الذين ينصبون على الناس من خلال بيعهم الأضاحي للعيد والتي تم علفها بشكل سيء وستكون لحومها غير قابلة للاستهلاك؛ وهي ظاهرة انتشرت في السنوات الأخيرة جعلت بعض الأسر ترمي خروفا بأكمله بعد ذبحه؛ الأمر الذي يشكل كارثة حقيقية بالنسبة لها، خصوصا حين نعي العبء المادي والرمزية المهمة لعيد الأضحى لدى معظم الأسر.

اللص الذي يسرق راكب الحافلة، هو في الواقع يسرق مواطنا فقيرا، بل لعله يكون أفقر من اللص نفسه

​​كذلك، يحدث عند نهايات الشهر أن يتعرض البعض للسرقة في الحافلات، لنفس الأسباب تقريبا: يعرف أغلب اللصوص أن عددا من المستخدمين الصغار قد حصلوا على رواتبهم حينها.

في هذه الحالة، الأمر يتعلق بمستخدمين صغار يحصلون على رواتبهم نقدا، حيث أن أغلب الموظفين الحكوميين والعاملين في القطاع الخاص المهيكل، يحصلون على رواتبهم عبر تحويلات بنكية (في المغرب، وصلت نسبة الانخراط في النظام البنكي إلى 57 في المئة سنة 2014، مقابل 42 في المئة في تونس، 39 في المئة في الأردن، 30 في المئة في الجزائر و28 في المئة في مصر).

اقرأ للكاتبة أيضا: حذار... إنهم يحبون بعضهم البعض!

هذا يعني أن اللص الذي يسرق راكب الحافلة، هو في الواقع يسرق مواطنا فقيرا، بل لعله يكون أفقر من اللص نفسه. لأنه أولا، يركب الحافلة في بلد يعرف جميع من فيه الوضع المتردي لأغلب الحافلات، خصوصا في مدينة كالدار البيضاء. ولأنه ثانيا، يشتغل في الغالب في قطاع غير مهيكل وبأجرة بائسة، وإلا لكان بدوره حصل على راتبه عن طريق تحويل بنكي مباشر لحسابه.

ما الذي يجعل لصا يسرق الأجرة الشهرية لشخص بائس لن يجد ربما وسيلة لأداء كراء بيته المتواضع أو لإطعام صغاره؟ هذا طبعا ليس تبريرا لسرقة من يفترض أنهم أغنى، فكل أشكال السرقة مرفوضة.

لكن، لنعد للحالات المذكورة أعلاه، والمتعلقة بالسرقة خلال المناسبات الدينية. علينا في الواقع أن نسائل جديا الواقع الذي تترجمه: في الوقت الذي يفترض أن تكون فيه المناسبات الدينية فرصة لتطوير الوازع الديني والجانب الأخلاقي؛ تصبح على العكس من ذلك فرصة للنصب والاحتيال والعنف والسرقة. والأخطر أن يصبح ذلك متعارفا عليه، وإن بكثير من الامتعاض، بين أغلب المواطنين؛ حيث يكتفي هؤلاء بتحذير بعضهم البعض أو بالتأفف والتذمر.

ألسنا مرة أخرى أمام مرآة مفجعة لواقعنا البائس الذي يتغنى بشعارات الأخلاق والدين، بينما هو غارق في بؤسه القيمي؟ ما الذي يجب أن يزعجنا أكثر في الواقع، أمنظر فتاة بتنورة قصيرة أم منظر امرأة تفني سنوات عمرها وطاقتها في مهن تدر عليها القليل، فيسرق منها لص ذلك المبلغ الزهيد قبل أن تشتري ملابس العيد لأطفالها؟ أيهم ضد الأخلاق، أذلك الرجل الذي يشرب الكحول أو يفطر في رمضان، أم ذلك الذي يستغل المناسبات الدينية أو غير الدينية ليسرق أرزاق الناس؟ أيهم يفترض أن يزعجنا فعلا، أتلك المرأة أو ذاك الرجل اللذان يعيشان علاقة عاطفية خارج الزواج، أم ذلك الحقير الذي ينصب على امرأة فقيرة تستعد لشراء خروف العيد، فيسرق كل رزقها ويحرم أسرتها من فرحة قد تكون نادرة خلال باقي أيام السنة؟

من علامات استفحال المرض أن تستمر شعاراتنا في التغني بمجتمع فاضل لا يوجد إلا في استهاماتنا

​​حتى لا يخرج علينا مجددا من يقول بأن هذا هجوم ضد المناسبات الدينية: إنه في الواقع هجوم ضد نفاقنا المستدام. المناسبات الدينية يفترض أن تكون فرصا جميلة ليتدبر المؤمن علاقته بربه وبالعالم المحيط به. أن تكون فرصا لتنقية الأعماق من شوائب المشاعر والسلوكيات. أن تكون فرصة لصلة الرحم. أن تكون فرصة لعودة القيم الجميلة. لكن، حين يحولها البعض إلى فرص للنصب والعنف، وحين يعتبر البعض الآخر بأن هذا جزء من "الديكور العام" ومن مستلزمات الاحتفال، فهذا يعني أننا أصبحنا فعلا مجتمعا مريض.

اقرأ للكاتبة أيضا: كأس العالم... فضيحتنا الكبرى!

ومن علامات استفحال المرض، أننا نحارب بعنف اختيارات شخصية للأفراد لا تسبب الأذى للآخرين، تحت مسميات الحفاظ على الدين والقيم التقليدية، بينما نكتفي بالتأفف تجاه جرائم تؤذي الآخرين بشكل مباشر.

ومن علامات استفحال المرض أيضا، أن تستمر شعاراتنا في التغني بمجتمع فاضل لا يوجد إلا في استهاماتنا.

________________

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.