جندي يمني عند ساحل مدينة مخا
جندي يمني عند ساحل مدينة مخا

بقلم مايكل نايتس وفرزين نديمي/

في 25 تموز/يوليو، هاجم المتمردون الحوثيون ناقلة نفط مدنية في البحر الأحمر غربي ميناء الحديدة اليمني. وكانت السفينة ـ ناقلة نفط كبيرة جدا مزدوجة الهيكل ترفع العلم السعودي، وتحمل اسم "أرسان" ـ قد غادرت ميناء رأس تنورة في 16 تموز/يوليو محملة بنحو مليوني برميل من النفط إلى مصر. ومنذ الهجوم، علقت السعودية حركة ناقلات النفط عبر مضيق باب المندب، وسوف تستمر مثل هذه الإخلالات في تدفقات الطاقة العالمية إلى أن تغادر القوات الحوثية محافظة الحديدة الساحلية.

تفاصيل الهجوم وردود الفعل

تم ضرب ناقلة النفط "أرسان" في مؤخرتها فوق خط المياه، حيث أظهر تحليل الصور حدوث حفرة بعرض مترين إلى ثلاثة أمتار ووقوع ضرر ضئيل ناتج عن الحريق في الهيكل الخارجي. وكان السبب الأكثر احتمالا هو إطلاق صاروخ كبير غير موجه من زورق هجومي سريع كان خلف الناقلة. أما الاحتمال الأقل ترجيحا، فهو توجيه ضربة من صاروخ مضاد للسفن ملاصق لسطح البحر على غرار الصاروخ اليمني "سي ـ 801" أو الصاروخ الإيراني الصنع "سي ـ 802"، أو ربما من طائرة كبيرة بدون طيار محملة بالمتفجرات. وقد يكون قد تم تفجير الرأس الحربي داخل خزان الصابورة الخلفي الكبير في السفينة، مع بعض المؤشرات على وقوع أضرار ناتجة عن الدخان حول الباب على سطح السفينة إلى الأعلى. بعد ذلك، تم مرافقة ناقلة النفط التي تمكنت من التقدم باستعمال طاقتها الخاصة بسرعة مخفضة نحو ميناء جازان السعودي، مصحوبة بالفرقاطة السعودية "إتش إم إس الدمام"، التي (بخلاف ما ورد في بعض التقارير) لم تتضرر من الهجوم.

وردا على ذلك، أعلن وزير الطاقة السعودي خالد الفالح أن "السعودية ستعلق جميع شحنات النفط الخام التي تمر عبر مضيق باب المندب.. إلى أن يزداد الأمر وضوحا، وتصبح الملاحة عن طريق باب المندب آمنة". ومن الناحية النظرية، بإمكان الرياض استخدام خط الأنابيب السعودي "بترولاين" (الذي يتمتع بقدرة على نقل 5 ملايين برميل في اليوم) لتجنب عبور المضيق وتسليم كمية الخام المتضررة المتراوحة بين 500 و700 ألف برميل في اليوم إلى الجهة الشمالية من مرافئ التصدير على البحر الأحمر في ينبع. لكن يبقى الواقع أن الهجمات التي شنها المسلحون الحوثيون المدعومون من إيران لا تزال تعرقل حركة المرور في ثالث أهم مضيق للشحن في العالم بعد هرمز وملقا، في الوقت الذي حذرت فيه طهران من أن أي عقوبات تفرضها الولايات المتحدة على صادراتها النفطية ستدفع بها إلى وقف جميع صادرات النفط من الخليج العربي.

يجب عدم إعاقة عملية الأمم المتحدة الرامية إلى إقناع الحوثيين بالانسحاب من ساحل البحر الأحمر 

​​ولم يعلق المسؤولون السياسيون الإيرانيون بعد على هجوم "أرسان"، لكن الجنرال قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني، ألقى باللوم على السعودية بسبب الوضع الراهن "غير الآمن" في البحر الأحمر. ومن جانبهم، أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن الهجوم، وادعوا زورا أنهم ضربوا الفرقاطة السعودية "الدمام" والمطار الرئيسي في عاصمة الإمارات أبوظبي.

نمط مهاجمة السفن المدنية

بالإضافة إلى الضربات التي استهدفت السفن الحربية الأميركية والسعودية والإماراتية في الفترة 2016 ـ 2017، تشكل حادثة "أرسان" واحدة من عدة تهديدات وهجمات شنها الحوثيون ضد سفن الشحن المدنية بالقرب من باب المندب على النحو التالي:

هجوم بواسطة مركب موجه عن بعد على ميناء نفط، 16 حزيران/يونيو 2017. تم استخدام الزورق الموجه عن بعد المحمل بالمتفجرات والذاتي التوجيه من نوع "شارك ـ 33" الذي يمكن برمجته لتحديد هدف باستخدام أنظمة تلفزيون إلكترونية ـ بصرية، في هجوم غير ناجح على منشأة تحميل بحرية سعودية في جازان.

تهديد سفن الشحن، 12 تشرين الثاني/نوفمبر، 2017. أعلنت قناة "المسيرة" التابعة للحوثيين أن "البوارج وناقلات النفط التابعة للعدوان وتحركاته لن تكون في مأمن من نيران القوات البحرية اليمنية (الحوثية) إذا ما أصدرت القيادة العليا التوجيهات (بشن هجوم)".

هجوم صاروخي على ناقلة نفط، 3 نيسان/أبريل 2018. أطلق زورق هجومي حوثي سريع، النيران على السفينة السعودية المزدوجة الهيكل "البقيق" قبالة ساحل الحديدة، باستخدام القنابل الصاروخية أو الصواريخ التكتيكية.

هجوم صاروخي على سفينة محملة بالمواد الغذائية السائبة، 10 أيار/مايو 2018. تم استهداف ناقلة البضائع السائبة التي تحمل العلم التركي، "إنسي إنيبلو" بصاروخ، ووصفت بعثة مكافحة القرصنة الأوروبية، "القوة البحرية للاتحاد الأوروبي"، ذلك الهجوم بقيام "جهات فاعلة مقرها اليمن بإطلاق صاروخ أرضي أو قذيفة على السفينة".

نشر الألغام البحرية بشكل عشوائي منذ العام 2015. أطلق الحوثيون، في مناطق مختلفة، ألغاما منجرفة في باب المندب، طافت لمسافة وصلت إلى 90 كيلومترا جنوب غرب عدن بعد عبورها عبر المضيق. ووفقا لأحدث تقرير سنوي أعده فريق خبراء الأمم المتحدة حول اليمن، صدر في 26 كانون الثاني/يناير 2018، تم العثور على 44 لغما بحريا في البحر الأحمر وخليج عدن في عام 2017، من بينها أربعة تم تفجيرها باستهداف سفن تجارية.

الاستخدام العسكري للرادار ضد سفن مدنية راسية. تفيد بعض التقارير بأن الحوثيين ينتهكون باستمرار قانون النزاع المسلح من خلال إرغام متعهدي النقل البحري التجاري في المراسي في الحديدة والصليف على السماح لهم باستخدام الرادارات البحرية على متن السفن لمراقبة البحر الأحمر وإصدار بيانات مستهدفة. ويبدو أن هذا الإجراء دخل حيز التنفيذ بعد أن أمرت إدارة أوباما بتوجيه ضربات دمرت أنظمة الرادار الساحلية الحوثية في تشرين الأول/أكتوبر 2016.

تأمين حماية ساحل البحر الأحمر

ستتمكن القوات الحوثية من تهديد حركة الشحن الدولية طالما تسيطر على أي جزء من ساحل اليمن على البحر الأحمر. وفي حزيران/يونيو، ساهم التقدم العسكري الكبير الذي أحرزته الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا وحلفاؤها من الائتلاف الخليجي في تحرير 100 كيلومتر من الخط الساحلي، لكن ما زالت 200 كيلومتر أخرى تحت سيطرة الحوثيين بين الحديدة وميدي. وحتى إذا وافق الحوثيون على تسليم ميناء الحديدة أو منطقة المدينة الرئيسية إلى الحكومة بموجب اتفاق برعاية الأمم المتحدة، فستظل لديهم القدرة على ضرب حركة الشحن الدولية واستيراد الأسلحة من إيران عبر نقاط إنزال على الشاطئ وعن طريق ميناء الصليف الكبير. وعلى نحو مماثل، إذا ما حافظوا على سيطرتهم على أجزاء داخلية من محافظة الحديدة، سيظل بإمكانهم إطلاق طائرات موجهة بدون طيار تستهدف النقل البحري.

وتبرز هذه التهديدات ضرورة إبعاد القوات الحوثية عن جميع مناطق ساحل البحر الأحمر من أجل جعل باب المندب ومنافذه الحيوية آمنة لحركة الملاحة البحرية. وتستعد حاليا الحملة الساحلية التي تقوم بها اليمن بدعم من الإمارات لمرحلة جديدة من العمليات الهجومية، بتركيزها وحدات على بعد أقل من 10 كيلومترات جنوب مدينة الحديدة ودعمها بشكل كبير. كما يتمتع الجيش الإماراتي بحرية كاملة في المناورة على طول الخط الساحلي شمالي الحديدة، حيث تم الاحتفاظ بقوات برمائية إماراتية قوية لاستخدامها في هجمات مستقبلية.

ستتمكن القوات الحوثية من تهديد حركة الشحن الدولية طالما تسيطر على أي جزء من ساحل اليمن على البحر الأحمر

​​أما العامل الوحيد الذي يعيق جهودا واسعة النطاق لتحرير ساحل البحر الأحمر فهو عدم الرغبة الواضحة للرياض وأبوظبي في دعم محادثات سلام دولية مع الحوثيين بشكل كامل. وحتى الآن، قدم المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن مارتن غريفيث اقتراحا للقوات الحوثية بالانسحاب من ميناء ومدينة الحديدة، ونقل عمليات الميناء والجمارك إلى الحكومة اليمنية، والسماح بعمليات تفتيش الشحنات على الشاطئ تقوم بها الأمم المتحدة من أجل ضمان عدم انتهاك حظر توريد الأسلحة إلى المتمردين. وقد بدأ صبر الحكومة اليمنية وشركائها في التحالف ينفذ، حيث يتهمون الحوثيين بالمماطلة بغية كسب الوقت من أجل تعزيز الحديدة وتحصينها.

التداعيات على السياسة الأميركية

لدى الولايات المتحدة التزام طويل الأمد بضمان أمن الممرات البحرية الدولية، حيث يتم نقل أكثر من 4 ملايين برميل من النفط يوميا عبر مضيق باب المندب. ووفقا لذلك، على واشنطن دعم التزامها باتخاذ الخطوات التالية لضمان أمن هذا الممر المائي الحيوي:

  • تحذير الحوثيين من شن أي هجمات إضافية على الشحنات، فضلا عن هجمات صاروخية ومن خلال طائرات بدون طيار ضد منشآت الطاقة السعودية على الساحل الغربي.
  • الاستعداد لشن ضربات في حال استمرار الهجمات، لأن التحذيرات الأميركية لا تخلف عادة أثرا كبيرا على الحوثيين ما لم تكن مدعومة باستخدام القوة. يتعين على أي ضربات استهداف قدرات الحوثيين على شن هجمات على الشحنات واستخدام الطائرات بدون طيار على طول ساحل البحر الأحمر، كما حصل حين ضربت إدارة أوباما منشآت الرادار هناك عام 2016.
  • جمع المزيد من المعلومات الاستخباراتية ضد "السفينة الأم" الإيرانية "سافيز"، التي هي سفينة شحن راسية على أرخبيل دهلك على البحر الأحمر. ويستخدم الجيش الإيراني السفينة "سافيز" على الأرجح لتزويد الحوثيين ببيانات استهداف من أجل شن هجمات ضد سفن الشحن. وقد تكون مراقبة السفينة عن كثب والتهديد بكشف دورها الاستخباراتي المشبوه كافيين لجعلها تغادر المنطقة. وفي المقابل، إذا تمكنت السلطات من إثبات تورطها في الأنشطة العسكرية، فقد يكون لديها الحجة للصعود على السفينة والاستيلاء عليها، الأمر الذي قد يوفر المزيد من الأدلة على انتهاك إيران لنظام عقوبات الأمم المتحدة ودعمها الهجمات ضد سفن مدنية.
  • تسريع وتيرة مفاوضات الأمم المتحدة. يجب عدم إعاقة عملية الأمم المتحدة الرامية إلى إقناع الحوثيين بالانسحاب من ساحل البحر الأحمر من خلال المماطلة المفتوحة. وإذا لم يوافق الحوثيون على الاقتراح خلال فترة زمنية محددة، فعلى الأمم المتحدة إبلاغ الشركاء في الائتلاف الخليجي بأنهم وفوا بالتزامهم بالسعي لإيجاد حل سلمي للتهديد الذي يواجه حركة الشحن، وأن بإمكانهم اتخاذ إجراءات أكثر قوة عندما تدعو الحاجة لذلك.

مايكل نايتس هو زميل أقدم في معهد واشنطن، قام بزيارة اليمن ومنطقة الخليج ثلاث مرات هذا العام لدراسة التكتيكات الدفاعية الساحلية للحوثيين وأسلحتهم.

فرزين نديمي هو زميل مشارك في المعهد، ومتخصص في شؤون الأمن والدفاع المتعلقة بإيران ومنطقة الخليج.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

 

Israeli left-wing activists hold placards during a 'Peace Now' march calling on Israelis to choose ''another way'' and end the…
تظاهرة لليسار الإسرائيلي للدعوة للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين

دفع الفشل العربي المزمن في إقامة دول عادلة ذات مؤسسات فاعلة أنظمة القمع العربي لاستخدام العداء ضد إسرائيل كورقة تين لستر عوراتهم. بدأت حفلة التطرف العربي في مؤتمر الخرطوم ـ الذي تلا هزيمة رئيس مصر جمال عبدالناصر في حرب 1967 أمام إسرائيل ـ والمعروف بمؤتمر اللاءات الثلاثة: "لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، لا مفاوضات مع إسرائيل".

ثم يوم أعلن الفلسطينيون موافقتهم إقامة دولة لهم على أي جزء من أرض فلسطين، حرّضت أنظمة القمع العربي أزلامها ضد الراحل ياسر عرفات، فتشكلت "جبهة الرفض" من الفصائل الفلسطينية المعارضة لأي سلام مع إسرائيل. أما الدول الراعية لهذه الفصائل فشكّلت بدورها "جبهة الصمود والتصدي"، والتي كان في عضويتها أنظمة القمع من أمثال سوريا الأسد وعراق صدام حسين وليبيا القذافي.

ثم ورث "محور الممانعة"، الذي تقوده إيران الإسلامية، الخطاب الخشبي المتطرف نفسه عن معاداة السلام مع إسرائيل بكل أشكاله، وورث الممانعون العبارات المتهالكة نفسها التي تعكس سبب الفشل العربي، في الحكم كما في التعامل مع موضوع إسرائيل، منها عبارة كتبها القيادي الفلسطيني الراحل، الذي كان مقرّبا من عرفات، صلاح خلف المعروف بأبي أياد، في كتابه "فلسطيني بلا هوية"، وقال فيها: "أخشى ما أخشاه أن تصبح الخيانة وجهة نظر".

وحتى نفكك عبارة أبي أياد، علينا أولا أن نبحث في معنى "خيانة"، وهي تعني في الغالب "إخلال في العهد أو الأمانة". مثلا، عبدالناصر والضباط الأحرار أقسموا الولاء لمصر وملكها، لكنهم خانوا قسمهم وخلعوه في 1952. عبدالناصر كان خائنا للملك، لكن مؤيديه لا يعتبرونها خيانة لأنهم يبررون انقلاب الضباط بأسباب كثيرة، منها ظلم الملك، أو فساد حكمه، أو تهاوي اقتصاده، وغيرها. إذن، خيانة عبدالناصر وجهة نظر، إذ يحبذها مؤيدوه، الذين لا يشككون في وطنيته، ولكنها فعليا إخلال بالأمانة التي كانت موكلة إليه وصحبه.

الحرية تسمح بالتنوع، والتنوع يسمح بتغيير السياسات وتجربة ما ينفع مها وما لا ينفع

أما "الخيانة" التي تحدث عنها أبو أياد فتعني مخالفة رأي جبهات الرفض والتصدي والممانعة القائل بوجوب العداء التام والدائم لإسرائيل، ورفض أي سلام أو تطبيع معها. هنا "الخيانة" تفترض أن كل عربي أو مسلم عليه تبني العداء المطلق لإسرائيل، فقط لأنه عربي أو مسلم المولد، فالقبائل على رأي واحد، ومن خرج عن الإجماع، خان. ما يفوت أبي أياد (وهو لم يكن فيلسوفا سياسيا) أن الشعب ليس قبيلة ذات رأي واحد، بل مواطنين يختلفون في آرائهم وخياراتهم وأذواقهم ومصالحهم.

هكذا، برر أبو أياد قمع الرأي المخالف وتخوينه بوضع السلام مع إسرائيل خارج حيّز النقاش، أي أن موضوع العداء لإسرائيل يصبح من "الثوابت"، حسب تعبير الرافضين والمتصدين والممانعين. والثوابت ثابتة، ولا نقاش فيها، بل عقاب لمن يناقشها ويتوصل لنتيجة مخالفة تدعو لسلام مع إسرائيل.

هي فعلا مشكلة أن يطلب المتطرفون من "الرافضين" و"الممانعين" تبني وجهة نظرهم حول العداء الأبدي لإسرائيل بدون نقاش، تحت طائلة التخوين. حتى كتاب المسلمين يقول "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، لكن الممانعين يعتقدون أن معاداة إسرائيل ثابتة أكثر من الإيمان بالله، القابل للنقاش.

في لبنان، حاول مجلس النواب إقرار قانون عفو يسمح بعودة اللبنانيين المقيمين في إسرائيل، وهم من مقاتلي "جيش لبنان الجنوبي" المندثر وعائلاتهم. تنطحت أحزاب الممانعة لرفض عودة من أسمتهم "عملاء" و"خونة".

أن تحاكم السلطات اللبنانية من يقوم بإفشاء أسرار الدولة، المدنية أو العسكرية، إلى دول أجنبية، أمر مفهوم، وهكذا فعلت الولايات المتحدة مع إدوارد سنودن، المختبئ من العدالة في روسيا. لكن من غير المفهوم محاكمة مواطنين عاديين من أفراد عائلات مقاتلي "لبنان الجنوبي". ومن غير المفهوم أيضا لما لا يشمل "العفو العام" لمقاتلي كل الميليشيات اللبنانية المنحلة بعد الحرب الأهلية مقاتلي "الجنوبي". ولا بأس أن تضع دولة لبنان بعض العائدين من إسرائيل تحت رقابة أمنية لمكافحة التجسس. ولكن أن تعامل بيروت مواطنيها كـ "خونة" لأنهم لا يوافقون على معاداة إسرائيل، فهو ما يحول المواطنية إلى قبلية ويقوض أسس العدالة والمساواة بين المواطنين بغض النظر عن آرائهم.

أما في دنيا العرب، فطواطم وأصنام وأنصاف آلهة، وثوابت ومقدسات، ورأي واحد وتخوين، وجمود، وموت

في الولايات المتحدة حزب نازي موالي لطاغية ألمانيا الراحل أدولف هتلر، الذي قاتلته أميركا وهزمته. لم تحظر القوانين الأميركية النازية لأن الحظر يتنافى وحرية الرأي والمعتقد. وفي ذروة الحرب الباردة والمواجهة مع الاتحاد السوفياتي والحروب السرية الجاسوسية، لم تمنع أميركا يوما مواطنيها من زيارة روسيا، كما لم تمنع أميركا الروس من زيارتها. حتى أن السناتور بيرني ساندرز أمضى شهر العسل في موسكو في ذروة الحرب بين البلدين، واليوم، ما يزال مواطنون أميركيون يزورون إيران، والعكس، على الرغم من انقطاع العلاقات الديبلوماسية والعداء بين واشنطن وطهران. وفي أميركا جحافل من المؤيدين علنا لنظام إيران الاسلامي، وللتوصل لسلام أميركي معه، بلا شروط.

وفي إسرائيل نفسها إسرائيليون ينحازون ضد إسرائيل علنا، من أمثال الكتّاب جدعون ليفي واميرا هاس، وأعضاء الكنيست من أمثال حنين الزعبي، وهو ما يطرح السؤال: من هم العرب الذين يخالفون إجماع "الرفض" و"الممانعة" ويدعون لسلام مع إسرائيل، كما تخالف هاس الغالبية الإسرائيلية؟ وما هي المنظمة العربية الموازية لحركة "السلام الآن" الإسرائيلية؟ وأين هو اليسار العربي، الموازي لليسار الإسرائيلي، الأكثر ميلا للحوار؟ وكيف يوفّق الشيوعيون العرب بين انخراطهم في صراع قومي قبلي ضد إسرائيل مع عقيدتهم الأممية التي تعتبر الصراع الطبقي عابرا للقوميات؟

قد لا يفهم "الرافضون" و"الممانعون"، كما بعض "الصينيين" و"الإيرانيين" و"الروس" ومؤيدي الاستبداد، أن تفوق الولايات المتحدة في العالم، وتفوق إسرائيل في الشرق الأوسط، ليس تفوقا ماديا، بل هو تفوق مبني على حرية الرأي والاختيار والمعتقد. الحرية تسمح بالتنوع، والتنوع يسمح بتغيير السياسات وتجربة ما ينفع مها وما لا ينفع، وتقدم ثقافة للمواطنين لاختيار السياسات التي يرونها في مصلحتهم، واختيار السياسيين ممن يعتقدونهم قادرين على تنفيذ هذه السياسات.

أما في دنيا العرب، فطواطم وأصنام وأنصاف آلهة، وثوابت ومقدسات، ورأي واحد وتخوين، وجمود، وموت.