الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين خلال تشييع ضابط شرطة من الأقلية الدرزية في إسرائيل (أرشيف)
الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين خلال تشييع ضابط شرطة من الأقلية الدرزية في إسرائيل (أرشيف)

بقلم داود كتّاب/

في ظل الانتقادات المحلية والدولية لإسرائيل بعد إقرار قانون القومية اليهودية الذي يشرعن "حق الشعب اليهودي في تقرير المصير" ويزيل عن اللغة العربية موقعها كلغة رسمية، برزت انتقادات مجموعات لم يكن لها مواقف مناهضة معروفة.

القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية وفي إسرائيل اعتبرت أن القانون تمييزي ومشابه لقوانين الأبرتهايد. وانتقده رؤساء الكنائس لأنه يمنح اليهودي منزلة أعلى من أتباع الديانات الأخرى.

حاولت إسرائيل منذ تأسيسها معاملة الدروز كاليهود لجهة اعتبارهم قومية مستقلة عن العرب والفلسطينيين

​​لكن المفاجأة المدوية جاءت من الطائفة الدرزية، والتي يخدم أبناؤها إجباريا في الجيش الإسرائيلي، ويحتل العديد منهم مواقع متقدمة فيه، إذ اعتبر القادة الروحيون والسياسيون والعسكريون أن القانون عبارة عن طعنة في خاصرة طائفة طالما كانت شريكا مواليا للدولة الإسرائيلية ودفع أبناؤها دمائهم في حروب إسرائيل.

اجتمع الرئيس الروحي للطائفة موفق الحلبي مع رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو مطالبا بإلغاء القانون، في حين قدم عدد من الضباط استقالتهم من الجيش. وتقدم ثلاثة أعضاء في الكنيست الإسرائيلي بشكوى في المحكمة الإسرائيلية العليا ضد القانون بسبب تمييزه بين مواطني الدولة.

اقرأ للكاتب أيضا: ماذا يعتقد الفلسطينيون؟

جلب الانتقاد عالي النبرة، ردا سريعا من عدد من القادة الإسرائيليين، ومنهم وزير المالية موشية كحلون الذي قال إنه ربما تسرع في تأييد القانون، في حين عبر وزير التعليم الإسرائيلي نفتالي بينيت (من حزب البيت اليهودي) عن ضرورة معالجة الإجحاف الذي حل بـ"أخوة الدم". وتعهد رئيس الدولة رؤوفين ريفلين، الذي اجتمع مع عدد من ممثلي الطائفة الدرزية، بتوقيع القانون باللغة العربية كنوع من الاحتجاج على تخفيض مكانة اللغة العربية من لغة "رسمية" إلى لغة "ذات مكان خاصة".

يعتبر الدروز عرب أقحاح حيث تعود أصولهم لمناطق في سورية ولبنان وفلسطين ومن المعروف أنهم لا يحبذون الزواج من خارج الطائفة. يفتخر الدروز خاصة سكان هضبة الجولان بالقائد سلطان باشا الأطرش، وهو درزي قاد المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي عام 1925 وله تمثال وسط قرية مجدل شمس.

حاولت إسرائيل منذ تأسيسها معاملة الدروز كاليهود لجهة اعتبارهم قومية مستقلة عن العرب والفلسطينيين. وقد اقتنع قادة الطائفة بذلك، ووافقوا منذ تأسيس إسرائيل عام 1948 على تأييد الدولة الإسرائيلية والمشاركة في الجيش وفرض التجنيد الاجباري على أبنائهم.

تعتبر كل من سورية والأردن الدروز من المسلمين في حين يعترف لبنان وإسرائيل بهم كطائفة مستقلة. ويعود أصل الدروز إلى أبرز القبائل العربية. وقد عانى الدروز تاريخيا من الاضطهاد. 

اعتبر القادة الروحيون والسياسيون والعسكريون الدروز أن القانون عبارة عن طعنة في خاصرة الطائفة

من أهم الشخصيات الدرزية في المنطقة قائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش والشاعر سميح القاسم والقائد السياسي كمال جنبلاط والأمير مجيد أرسلان والفنان سميح شقير والزعيم وليد جنبلاط والموسيقار فريد الأطرش والمطربة أسمهان (أمال الأطرش) والصحفية والمحللة السياسية راغدة درغام، والمحامية أمل كلوني ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي.

اقرأ للكاتب أيضا: المشاركة المجتمعية سر نجاح شراكة الحكومات الشفافة

تعتبر الديموقراطيات المعاصرة أن سر نجاحها هو التزامها مبدأ المساواة بين المواطنين واحترامها للتعددية والتنوع بدلا من محاربتها وإعطاء البعض منزلة المواطنة المتدنية. لقد نجحت إسرائيل منذ تأسيسها بالموازنة بنسبة عالية من الديموقراطية لمواطنيها مع يهودية الدولة.

لكن سن قانون أساسي يعتبر أن اليهودية هي القومية الأسمى دمر أي نوع من الموازنة وفضل من هم منتمون لديانة معينة على 20 في المئة من السكان غير اليهود. الأمر الذي يفقد إسرائيل خاصية الديموقراطية والتساوي بين مواطنيها. وقد تبينت هذه المشكلة بصورة واضحة فيما يخص مجموعة صغيرة من المواطنين اعتبرت أن ولاءها هو ضمان مساواتها. وقد تبين لها أن إخوة الدم لا تعني شيئا عندما يتصاعد الخطاب التمييزي.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.