خلال تتويج المنتخب الفرنسي بكأس العالم
خلال تتويج المنتخب الفرنسي بكأس العالم

بقلم دارا عبدالله/

لمدة أسبوعين في آب/أغسطس من عام 1936، نظمت ألمانيا النازية دورة الألعاب الأولمبية. آنذاك، كان ضروريا للنازية الصاعدة حديثا، والمنتعشة اقتصاديا، أن تقدم صورة "متسامحة" و"إنسانية" عن الحزب القومي الاشتراكي العمالي، بقيادة "الفوهر".

كانت لجنة الألعاب الأولمبية قد قررت تنظيم ألمانيا للبطولة في عام 1931، أي قبل صعود النازية بسنتين. ورغم ظهور الكثير من حركات المقاطعة في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وهولندا وفرنسا وتشيكوسلوفاكيا، ورغم الضغط الذي قام به رياضيون يهود ناضلوا من أجل ضرورة مقاطعة البطولة، إلا أن الاتحاد الرياضي الدولي لم يكترث أبدا وأصر على تنظيم ألمانيا للبطولة.

لم تشارك 65 دولة في أولمبياد موسكو 1980، على الرغم من دعوتها للمشاركة

​​انقسمت الآراء، فنادت جهات أخرى بفصل السياسة عن الرياضة، وتحديدا عن الألعاب الأولمبية معتبرة أنها مكان يجمع ولا يفرق، حيث السلام شعار يعلو أي شعار. وقتها، كان هتلر على حافة اتخاذ القرار بإلغاء البطولة لولا ضغط مؤسس الدعاية النازية، جوزيف غوبلز، الذي أصر على أهمية تنظيم البطولة لإظهار "تفوق العرق الآري".

جرى حفل الافتتاح في الأول من آب/أغسطس من عام 1936 أمام 100 ألف متفرج احتشدوا في الاستاد الأولمبي بحضور أدولف هتلر، ورئيس اللجنة الأولمبية الدولية البلجيكي هنري دي بايي لاتور. وبعد عدة عروض ذات دلائل ومغاز سياسية، استعرضت وفود الدول المشاركة الـ 49، وتم نشر مقولة البارون الفرنسي بيار دو كوبرتان الشهيرة "ليس المهم في الألعاب الاولمبية أن تربح، بل أن تشارك، لأن الكفاح هو أهم من النصر في الحياة". ثم أعلن هتلر افتتاح الألعاب.

اقرأ للكاتب أيضا: في عالم السجن

بعدها في عام 1972 قامت مدينة ميونخ الألمانية بتنظيم البطولة مرة أخرى، ولكن شهدت البطولة هذه أعنف حدث ذو خلفية سياسية في تاريخ الأولمبياد، فقد نفذت مجموعة فلسطينية مسلحة هجوما قبل الفجر على القرية الأولمبية في ميونيخ، أسفرت عن مقتل رياضي ومدرب إسرائيليين، واحتجاز 9 رياضيين إسرائيليين كرهائن، وهزت هذه الحادثة الرأي العام العالمي لعقود.

في ذروة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي، واحتجاجا على دخول القوات السوفييتية إلى أفغانستان، دعا الرئيس الأميركي في 20 يناير/كانون الأول من عام 1979 إلى مقاطعة دورة الألعاب الأولمبية التي نظمتها الإمبراطورية السوفييتية. وبسبب تأثير النفوذ الأميركي، لم تشارك 65 دولة في أولمبياد موسكو 1980، على الرغم من دعوتها للمشاركة. علما أن بعض الدول لم تشارك بسبب المقاطعة، وبعضها الآخر لم يشارك لأسباب اقتصادية!

رد الاتحاد السوفييتي في دورة لوس أنجلوس 1984، إذ قاد الاتحاد السوفياتي حملة المقاطعة. وأصدر السوفييت بيانا مفاده أنهم سيقاطعون دورة لوس أنجلوس 1984 بسبب "المشاعر المعادية للاتحاد السوفياتي المتفشية في الولايات المتحدة".

وشهد عام 1976 انقلابا عسكريا في الأرجنتين وصل من خلاله دكتاتور شرس هو رافائيل فيديلا إلى السلطة، أي قبل عامين فقط على انطلاق مونديال عام 1978. وبحجة القضاء على العناصر الإرهابية تعرض عشرات الآلاف من المواطنين للقتل والتعذيب والاختفاء القسري، أكثرهم من الصحفيين والرياضيين والفنانين وأي شخص يحمل فكرا معارضا للنظام العسكري.

إنه عالم تنفصل فيه "الروح الرياضية" عن "الروح السياسية"؛ لكن تستخدم فيه الرياضة لتلميع صورة الديكتاتور

​​بسبب المخاوف الأمنية الدولية تقدمت هولندا بطلب بتنظيم البطولة وسحب الشرف من الأرجنتين، لكن "الفيفا" أصر على قراره بعد الحصول على وعود من الديكتاتور رافائيل فيديلا بتأمين حماية كاملة للمباريات.

وقبل البطولة بعام واحد انطلقت حملة عالمية لمقاطعة البطولة احتجاجا على انتهاكات حقوق الإنسان في الأرجنتين، واعتبرت الحكومة العسكرية تلك الحملة مؤامرة لتشويه الأرجنتين في الخارج، غير أن قطاعا آخرا، وخاصة من الصحفيين، رفض المقاطعة وقرر المشاركة والسفر لبلاد "التانجو" للتقرب من عائلات الضحايا ونقل معاناتهم للعالم.

اقرأ للكاتب أيضا: الخطأ الناجم عن الخوف من الخطأ

هذا السرد التاريخي مهم، لنفهم قليلا إصرار الدول الاستبدادية على تنظيم البطولات الرياضية. وليس استبسال بوتين المشهدي في تنظيم بطولة لكأس العالم الأخيرة، إلا دليلا على رغبة الرجل في إظهار "الوجه الإنساني" والنزوع الإمبراطوري لروسيا كما يراها. في المباراة النهائية بين كرواتيا وفرنسا، اقتحمت مجموعة روسية أرض الملعب احتجاجا على وضع الحريات الصحافية والمعتقلين السياسيين في روسيا البوتينية، مر الخبر مرور الكرام، ولم يلق التعاطف الدولي والإنساني اللازم.

إنه عالم تنفصل فيه "الروح الرياضية" عن "الروح السياسية"؛ لكن تستخدم فيه الرياضة لتلميع صورة الديكتاتور.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

General view of George Floyd's memorial site during the first morning after all four officers involved have been criminally…
مواطنون أمام موقع تخليد ذكرى جورج فلويد

تلقي جريمة القتل الوحشية للمواطن الأميركي من أصل أفريقي جورج فلويد على يد ضابط الشرطة ديريك شوفين وثلاثة من زملائه البيض في مدينة منيابولس بولاية مينيسوتا، الضوء ليس فقط على قضية العنصرية، والتي لا تزال تعاني منها الولايات المتحدة رغم مرور سنوات طويلة على إلغاء العبودية، ولكن أيضا على مفارقات في بعض المدن الأميركية التي يصعب فهمها في ظل السياق الطبيعي للأحداث.

وجهان لمدينة واحدة

إحدى هذه المفارقات هي، كيفية فهم التناقض بين كون منيابولس، واحدة من بين أكثر المدن الأميركية ليبرالية وانفتاحا وذات تنوع عرقي وسجل ناصع في القبول والترحيب بالمهاجرين من ناحية، ومن ناحية أخرى لا تزال المدينة تعاني من مشاكل عنصرية حقيقية، سواء على مستوى المؤسسات، كما هو حال أجهزة الشرطة أو إنفاذ القانون، أو في توزيع الموارد بين السكان أو التخطيط الاجتماعي والعمراني.

هذا التساؤل طرحته أيضا صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها مؤخرا. فالمدينة، التي يسكنها حوالي 430 ألف نسمة وموزعة ما بين 60 في المئة من البيض و20 في المئة من السود و10 بالمئة من أصول لاتينية وستة في المئة من أصول آسيوية، يديرها مجلس مكون من 12 عضوا من الحزب الديمقراطي وعضو من حزب الخضر. ومن بين هؤلاء يوجد عضوان من المتحولين جنسيا. كما عرفت المدينة باحتفالها الرسمي منذ سنوات بيوم إلغاء العبودية والذي يصادف 19 من يونيو ويعود تاريخه إلى عام 1865.

قضية العنصرية ليست من القضايا التي تحل عبر القوانين وحدها

أكثر من ذلك فإن ولاية مينيسوتا معروفة بترحيبها بالمهاجرين، حيث استقبلت 110 آلاف مهاجر ما بين عامي 1979 و2018، بمن فيهم عشرات الآلاف من المهاجرين الصوماليين خلال التسعينيات، والذين استقر معظمهم في منيابولس، بما في ذلك النائبة الأميركية إلهان عمر التي انتخبت كأول امرأة مسلمة عن إحدى دوائر المدينة.

عنصرية مغلفة بابتسامة

في الوقت نفسه تعاني المدينة، حسبما يقول تقرير نيويورك تايمز، من فوارق عرقية كبيرة بين السكان البيض والسكان من الأعراق الأخرى، حينما يتعلق الأمر بفرص التعليم ومخرجاته، وحظوظ التنمية الاقتصادية وفرص الرعاية الصحية. فالقليل جدا من العائلات من أصول أفريقية تملك منازلها مقارنة بعائلات البيض، كما يهيمن البيض على جهاز الشرطة الذي يتهم منذ عقود بالقيام بممارسات عنصرية، لكن من النادر أن يتعرض أفراده المسيؤون إلى عقوبات تأديبية.

يقول "لورانس آر. جاكوبز" أستاذ العلوم السياسية في جامعة مينيسوتا "إن العنصرية موجودة هنا منذ زمن طويل. تستطيع أن تشاهدها في تخطيط الأحياء وفي نظام التعليم وفي نظام المواصلات وبالطبع في نظام الشرطة".

لكن بالطبع يظل السؤال هو كيف يمكن أن يحدث الأمران معا، تبني القيم الليبرالية وفي نفس الوقت الإبقاء على الإرث العنصري في الوقت نفسه؟

ما جرى في منيابولس وما يجري في المدن الأميركية الأخرى، إذا كان له من معنى، فهو أنه يشكل فرصة لمقاربة هذه القضية بصورة أكثر جذرية

ثمة من يجادل بأن "المظهر" الليبرالي الذي يقدمه بعض السكان أو بعض المدن، ومنها منيابولس ليس حقيقيا، وإنما هو مجرد "قناع" يخفي وراءه مشاكل متجذرة. مشاكل يعجز هؤلاء عن حلها، لأسباب نفسية أو ثقافية أو تاريخية أو عملية، فيلجؤون إلى دفنها تحت السجادة.

يقول روبرت ليليغرين، وهو أول أميركي من السكان الأصليين ينتخب لعضوية مجلس المدينة عام 2001، "هذا هو الشعور العام: أن تقوم بعمل مصطنع، ثم تشعر بأنك قمت بعمل كبير. أن تشكل هيئة تعني بالحقوق المدنية، ومجلس مدني لمراجعة عمل الشرطة، ولكن لا تعطي أي منهم صلاحية لتغيير السياسات أو تغيير النظام".

مقاربة جذرية

بالطبع مثل هذا الكلام يتردد صداه في مدن أميركية أخرى، وفي بعض المناسبات أو الأزمات، لكنه لا يخلو أيضا من التعميم، وهو تعميم قد لا يساعد أحيانا على طرح القضايا بصورة جدية. إذ هو يتغافل عن أن الغالبية في المجتمع الأميركي لا توافق على الممارسات العنصرية، وإن لم تفعل ما يكفي لمكافحتها. وأن هناك عدد كبير من البيض وقفوا وحاربوا طوال عقود ضد الممارسات والقوانين العنصرية في البلاد ودفعوا ثمنا باهظا جراء ذلك. بل هناك من لا يزال منهم حتى اليوم يتصدر الدفاع عن الحقوق المدنية وقضايا الأقليات ومناهضة التمييز على أساس العرق أو الدين أوالجنس... إلخ. كما أن المشاركين في تظاهرات اليوم أو التظاهرات السابقة، لم يكونوا كلهم من السود.

لهذا فإن ما جرى في منيابولس وما يجري في المدن الأميركية الأخرى، إذا كان له من معنى، فهو أنه يشكل فرصة لمقاربة هذه القضية بصورة أكثر جذرية، وخاصة عل مستوى أجهزة الشرطة والجهاز القانوني عموما التي يتعين إصلاحها بشكل يكفل وضع حد لتكرار المآسي التي لحقت ظلما بالسود طوال السنوات الماضية.

أقول ذلك، مع التأكيد على أن قضية العنصرية ليست من القضايا التي تحل عبر القوانين وحدها، ففي الولايات المتحدة توجد قوانين هي الأكثر صرامة ضد التمييز العنصري، ولكنها قضايا تتعلق أيضا بالوعي وتغيير العقول والقلوب معا. وهذا يصح في أميركا كما يصح في غيرها من الدول.