العاصمة الأميركية، واشنطن، خلال فصل الخريف
العاصمة الأميركية، واشنطن، خلال فصل الخريف

بقلم محمد المحمود/

العرب اليوم، وعلى مستوى الوعي العام، يجهلون الغرب؛ فيما هم يعتقدون أنهم يفهمون الغرب، بل ويعتقدون أنهم يعرفون عن هذا الغرب ما لا يعرفه هو عن نفسه؛ من حيث ما عليه أن ينتهجه من خيارات، ومن حيث موقعه في سياق مؤشرات السعادة والتعاسة، ومن حيث معرفته بمصدر بؤسه وشقائه (المفترض طبعا)، ومن حيث مآلات حراكه التي لا يستطيع استشرافها بقدراته المعرفية الذاتية المسجونة في عالم مادي خالص. بل ويزيدون على ذلك ـ بلسان الحال أو بلسان المقال أو بكليهما ـ أن على هذا الغرب أن يستعين بهم؛ لفهم حقيقة ما يجري على مستوى العالم أجمع؛ ولتحديد معايير الصواب والخطأ التي يجب تحكيمها في مسارات التفاعل العامة/ العابرة للقارات، تلك المعايير التي يعتقدون جازمين أنهم يمتلكون فيها العصمة لمجرد أنهم يعتقدون بذلك؛ مع أنهم يختلفون عليها فيما بينهم أشد ما يكون الاختلاف!

إن الصورة النمطية الرائجة عن الغرب في عالمنا العربي مغلوطة تماما، وهي مشوهة ومزيفة عن سبق إصرار وترصد؛ بقدر ما هي مشوهة ومزيفة عن جهل وانغلاق ذهني/ معرفي. والمحاولات الجدية في عالم العرب لفهم عالم الغرب نادرة، بل هي مطاردة من قبل حماة الأيديولوجيات النضالية. والغريب أننا نجهل الغرب قديما؛ كما نجهله حديثا. إننا نجهله جهلا متوارثا يتناسل في الأعقاب، بحيث يُحدث فراغا في التصور يفتح المجال واسعا للأوهام.

نتج عن هذا الجهل بالغرب تصورات مغلوطة مضرة بالأنا ابتداء

​​رغم مجاورتنا الأزلية للغرب، ورغم احتكاكنا المتواصل به ـ سلما وحربا ـ منذ 1400 عام تقريبا، إلا أننا كنا على الدوام زاهدين في فهمه؛ فضلا عن تفهمه. لقد لاحظ هذا الازورار غير المبرر الباحث المغربي/ محمد نور الدين أفاية، وأكد على أن المسلمين في أوج ازدهارهم (في القرون السبعة الأولى من تاريخ الإسلام) اجتهدوا في تقديم أعمال شبه "استشراقية" عن الهند والصين... إلخ بلدان الشرق، وتعلموا لغاتهم واطلعوا على ثقافاتهم، ولكن لم يصدر عنهم نفس الفضول تجاه الغرب اللاتيني (الغرب المتخيل، ص194).

والملاحظ أن هذا الوضع لا يزال قائما حتى الآن، فبدلا من الدراسات العلمية التي يفترض أن تنتجها مراكز الأبحاث، والأقسام المتخصصة في الجامعات، نكتفي بما يقدمه الصراخ الأيديولوجي المعادي للغرب؛ بوصفه خطابا علميا عن الغرب/ عن العالم، هذا الغرب الذي هو ـ شئنا أم أبينا ـ عالمنا المعاصر الذي لن نستطيع الخروج عليه إلا بالخروج من أقطار/ آفاق هذا التشكل الحضاري الذي يحكم اليوم مسار التاريخ.

اقرأ للكاتب أيضا: الغرب في المخيال الشعبوي العربي

قد يبدو غريبا التأكيد على جهلنا بالغرب؛ في الوقت الذي تصدر فيه آلاف الكتب والمقالات عن الإشكاليات الفكرية التي يفرضها الفكر الغربي بهيمنته الطاغية/ المتعولمة، أو تفرضها عملية المثاقفة المباشرة مع الغرب. بل قد يعترض كثيرون بأن الأيديولوجيات الرائجة طوال القرن العشرين في العالم العربي/ في العالم الإسلامي، والتي تحكمت في كثير من مسارات السياسة والاجتماع في هذين العالمين: العربي والإسلامي، هي في الأصل أيديولوجيات غربية خالصة، وأن التيارات التي تتبناها لا تنكر الهوية الأصلية لأفكارها؛ فكيف ـ والحال كذلك ـ نكون جاهلين بالغرب؟

في اعتقادي أن طبيعة التلقي ـ الطبيعة المرتبطة بظرفية التلقي ـ لهذه الأفكار والأيديولوجيات هي التي شكلت نمط تصورنا للغرب، وليست مضامين الأفكار/ الأيديولوجيات ذاتها. لقد أمسكنا بها "قطعا جاهزة"؛ كما نمسك بسلاح صنعه الغرب لنقاتل به الغرب؛ غير مستوعبين أن فهم المقولات الفكرية فهما مثمرا يستلزم فهم وتفهم البيئات التي أنتجتها، والتفاعل معها بكل أبعادها، وهذا لا يكون إلا بالبحث في تاريخ تطور الفكرة، وتطور المجتمع مصدر الفكرة، وصولا إلى تشكلها الأخير؛ بكل ما ينطوي عليه هذا التشكل من وعود وخيارات وتخوفات.

رغم مجاورتنا الأزلية للغرب، ورغم احتكاكنا المتواصل به منذ 1400 عام تقريبا، إلا أننا كنا على الدوام زاهدين في فهمه

​​هذا التلقي السلبي المختزل/ المخل، ومن ثم المغلوط، هو الذي أشار إليه المفكر الإيراني الأصل/ داريوش شايغان، وذلك في حديثه عن طبيعة التلقي لتلك المنظومات الفكرية الغربية في العالم الثالث/ الإسلامي. يقول شايغان: "كل شيء يبعث على الاعتقاد الجازم بأن هذا القسم الكبير من الإنسانية لم يفك مستغلقات أصل الفكر الغربي وتسلسل حلقاته. لقد أمسك بخُفي هذا التيار الأيديولوجي أو هذه المدرسة أو تلك الموضة الفكرية من دون أن يكون أبدا جزءا من القوة المحركة لهذا الفكر" (ما الثورة الدينية، داريوش شايغان، ص245). وبلا شك، هذا النوع من التلقي لا يزيدنا فهما للغرب، ومن ثم لا يزيدنا تفهما، وإنما يزيدنا جهلا واستجهالا، ومن ثم كراهية وعداء.

لقد نتج عن هذا الجهل بالغرب (مضافا إليه الوعي الضدي الذي قامت الحركات النضالية وتوابعها بتفعيله، والوصول به إلى درجاته العدائية القصوى) تصورات مغلوطة مضرة بالأنا ابتداء. نتج عن هذا الجهل اتكالية عمياء تعتمد على آليتين لهما طابع التبرير الهروبي:

  • الأولى: تصور أن الغرب ـ بقوته القاهرة ـ متآمر؛ لم ولن يسمح لأي تحول إيجابي/ فعل نهضوي بأن يشق طريقه في واقعنا، وبالتالي، لا أمل بأي محاولة في هذا الاتجاه.
  • الثانية: تصور أن كل ما حل بنا، وما يحل بنا، وما سيحل بنا؛ من تخلف وانحطاط وفقر وهزائم وتدهور في كل مسارات التنمية، هو بسبب الغرب، لا ذنب لنا فيه، لا من قريب ولا من بعيد. فنحن أبرياء من واقعنا المزري، والغرب وحده يتحمل المسؤولية عن كل ذلك، وبالتالي، فعلى الغرب وحده، وليس علينا، تحسين أوضاعنا، ونقلنا من حال إلى حال؛ كجزء من تكفيره المفترض عن خطيئته الأزلية بحقنا!

هذا التصور العربي عن الغرب ليس من نسج الخيال، ليس ادعاء مني لا يشهد له واقع الحال، بل هو تصور سائد بشهادة كبار المثقفين والكتاب والإعلاميين في عالمنا العربي. يقول الباحث القدير/ محمد عابد الجابري واصفا نمط التصورات الذهنية السائدة عن الغرب في المغرب العربي إبان النصف الثاني من القرن العشرين: "ساد الاعتقاد آنذاك في صفوف الجماهير الشعبية التي تؤطرها الحركة الوطنية بأن المستعمر هو المسؤول عن جميع مظاهر الانحطاط في الحياة المغربية!" (حفريات الذاكرة، ص118).

ويقول الجابري أيضا عن محاولته ـ وهو في مرحلة شبابه الأول ـ تفسير مظاهر التخلف الفظيع الذي رآه وصدم به في الأحياء الشعبية في الإسكندرية: "لم يكن يستطيع أن يفسر هذا "التأخر" المهين بشيء آخر غير "الاستعمار الإنكليزي"، تماما كما كانت مظاهر الانحطاط في المغرب تفسر بـ"الاستعمار الفرنسي" (حفريات الذاكرة، ص157).

وإذا كان ما ذكره الجابري هو التصور السائد عن الغرب بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، فإن هذا التصور، وبعد خمسين عاما من توقيت الظرف الذي رصد فيه الجابري ملاحظته، لم يتغير، ليس على المستوى الشعبي العام فحسب، بل على مستوى كبار المثقفين.

فهذا عبد الوهاب المسيري الذي يفترض فيه أنه درس الغرب كما لم يدرسه عربي آخر، يقول: "بذل الغرب جهده في تطوير آليات لتفكيك الدول القومية في العالم الثالث حتى يسهل له سلب سيادتها القومية، مثل هيئة الأمم المتحدة، والبنك الدولي، والجمعيات المدنية غير الحكومية" (العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، ج2 ص91). ففي هذه النظرة، الكل متآمر، ومن جميع الجهات، والعدو المتربص هو الغرب، الغرب وحده، وكأن الغرب لا هم له في ليله ونهاره إلا تحطيم العالم الثالث البائس.

إذا كان هذا هو رأي باحث كبير، مطلع على الثقافة الغربية في مصادرها الأساسية، كالمسيري، فلا عتب على الشيخ/ محمد قطب أن ينتقل من العداوة الغربية المفترضة إلى الوقائع التآمرية المتوقعة، وذلك عندما يعجزه الدليل المادي المحسوس. فالرمز الإسلاموي/ محمد قطب يدرج كل الغرب، وفي كل فتراته، في سياق اللحظة الصليبية، بل ويزعم في كثير من كتبه أن الحروب الصليبية لم تبدأ أواخر القرن الخامس الهجري، بل بدأت منذ الاشتباك الأول مع الروم، أي في سنوات الإسلام الأولى.

إن الصورة النمطية الرائجة عن الغرب في عالمنا العربي مغلوطة تماما، وهي مشوهة ومزيفة عن سبق إصرار وترصد

​​ثم بعد ذلك يربط أي حدث موجه إلى أي مُكوِّن من مكونات الأنا، بهذا "العدو الصليبي الأزلي" المتآمر بطبعه. وحتى ما فعلته السلطات الإسلامية الغاشمة جراء محاولتها فرض إرادتها على بعض أقطارها، كجزء من حركة الصراعات الداخلية، يدرجه قطب في سياق التآمر الغربي.

فمثلا، نجده يشير إلى احتمال أن يكون لـ"الصليبية الصهيونية" ـ كما يقول ـ دور في إيغار صدر السلطان العثماني على الحركة الوهابية؛ لأن محمد علي صنيعة فرنسا هو الذي عرض خدماته للقضاء على هذه الحركة (كيف نكتب التاريخ، ص207). يقول قطب هذا؛ مع أنه يصرح أنه لا يمتلك دليلا على هذا التخمين الذي ليس له موقع من التحليل السياسي؛ سوى أن على الغرب أن يتحمل جريرة نزاع داخلي بين المسلمين!

اقرأ للكاتب أيضا: التطرف والاعتدال في الإسلام

هل يحق لنا أن ننكر على محمد قطب، وهو الشيخ الأصولي المنغلق على أوهامه، وضعه البعد الديني كأحد أهم منطلقات التحليل للحراك الغربي، بينما نجد محمد أركون، وهو مفكر عربي مرموق، بل ومحسوب كأشد المناضلين الفكريين ضد الأصولية، يتعمد استحضار البعد الديني؛ مع أن حضور البعد الديني في السياسات الغربية يعد وهما، خاصة بعد التحولات الجذرية المرتبطة بالثورة الفرنسية.

بماذا يختلف أركون عن قطب؟ ألست تجد محمد قطب ثاويا في مقولة محمد أركون: "المسيحية الغربية واليهودية مترابطتان الآن مع الغرب المهيمن الواثق من نفسه حد الغطرسة والميال إلى الهيمنة على الآخرين" (نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية، محمد أركون، 243). ماذا بقي للأصوليين بعد كل هذا؟ أليس هذا شاهدا على أن الوعي الضدي، المضمر والصريح، والقائم على ثنائية الجهل والكراهية، ينتظم وعي العرب والمسلمين تجاه الغرب، وأنهم ـ بسبب هذا الوعي الكسيح ـ عاجزون عن إقامة تواصل حضاري مثمر مع قلب الحضارة الحي/ الغرب؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.