كيف للآخرين احترامنا إن كنا نكره لون بشرتنا وننظر إلى أنفسنا بدونية؟
كيف للآخرين احترامنا إن كنا نكره لون بشرتنا وننظر إلى أنفسنا بدونية؟

بقلم منصور الحاج/

"زَرّوُق، سواد الليل وبلاك (Black)"؛ ثلاثة ألقاب كانت تطلق عليّ في طفولتي وأثناء مراهقتي وجميعها ـ كما هو ملاحظ ـ لها صلة بلون بشرتي. وفيما عدا "زروق" ويعني السواد الداكن المائل إلى الزرقة، الذي أطلقته عليّ خالتي وكان لقبا محببا إلى قلبي ربما لمكانة خالتي عندي وإحساسي بحبها لي وثنائها على لوني، كنت لا أطيق اللقبين الآخرين، ليس لأن سواد الليل شيء مرعب ومخيف ولا لأن اللون الأسود لا يحمل أي قيمة جمالية لونية، إنما لأن من ينادونني بتلك الألقاب كانوا يقصدون التندر عليّ والإساءة إليّ.

إن من المعلوم أن الثقافة العربية تحط من قدر أصحاب البشرة السوداء وتعتبرهم عبيدا وترى في اللون الأسود رمزا للتشاؤم في الطيور والدواب والبشر ومرادفا للبؤس والشقاء وعلامة على دونية الحسب ووضاعة النسب وانحطاط المكانة بل والنجاسة أيضا بحسب الحديث الذي يقول بأن المرأة والحمار والكلب الأسود يبطلون الصلاة إن مروا من أمام المصلي.

كما تغلب النظرة السلبية على كل ما له علاقة بالسود والسواد في الإعلام العربي وتسود العنصرية ويتفشى التمييز ضدهم. من النادر مثلا أن يحظى المبدعون منهم بفرصة للظهور والتألق، وإن حدث كان بصورة شكلية وبمثابة "مكرمة" وليس إيمانا بأهمية أن يعتاد السود وخاصة الأطفال على رؤية بني جلدتهم على شاشات التلفاز في مواقع يشغلها في العادة البيض ولكن هذا الجانب من واقع السود، فضلا عن أنه أمر معروف وتم التطرق إليه في وسائل الإعلام، ليس محور هذا المقال.

الظلم لا يقع على المجتمعات إلا حين تكون لديها القابلية لأن تُظلم

​​إن محور هذا المقال والمقالات القادمة هو نظرة السود بدونية إلى أنفسهم وكراهيتهم للون بشرتهم ومحاولتهم التظاهر بأن لون البشرة لا يلعب دورا محوريا في أغلب تفاصيل حياتهم اليومية. كما أحاول أيضا قراءة أسباب غياب ثقافة الاعتزاز بلون البشرة والإحساس الدائم بالدونية والضعف وتقبل الظلم والاضطهاد. وأسعى إلى دراسة أسباب انعدام الأصوات التي تنشر الوعي في أوساط مجتمعات السود وتشيع ثقافة الاعتزاز بلون البشرة وإبراز العديد من أوجه الجمال والإبداع وتقديم تجارب من تاريخ وواقع الأمم والمجتمعات التي قطعت شوطا كبيرا في تغيير الواقع وإجبار مجتمعاتهم على احترامهم وتقبلهم وإتاحة الفرصة لهم في شتى المجالات حتى يشب النشء وكله ثقة بنفسه، رافضا الصور النمطية والقوالب الثقافية التي تسيء إليه وتقلل من كل ما له صلة بلون بشرته وتاريخه وتراثه.

اقرأ للكاتب أيضا: قراءة في الجدل بشأن هوية لاعبي منتخب فرنسا

حين تلوم طفلة سوداء لون بشرتها وتعتبره مبررا للفظ زميلاتها لها في المدرسة ورفضهم أن تشاركهم اللعب، كما فعلت تلميذة الروضة ريتال في الفيديو الشهير الذي انتشر قبل عامين في وسائل التواصل الاجتماعي، فإن هذا يعني أن الأطفال السود بحاجة إلى تعليم وتثقيف وتوعية من نوع خاص يجعلهم يدركون بأن ليس هناك ما يعيب في لون بشرتهم، وأن العيب كل العيب فيمن يمارسون التمييز والعنصرية ضدهم وضد غيرهم من أبناء الأقليات المستضعفة.

إن على السود في المجتمعات العربية تعليم أبنائهم بأن الذين يلفظونهم ويرفضون مخالطتهم واللعب معهم بسبب لون بشرتهم هم عنصريون لا يستحقون منهم أي احترام ويجب الابتعاد عنهم وعدم مصادقتهم أو إعطاؤهم أي اعتبار. ولكن كيف للأطفال تعلم ذلك إن كان الآباء أنفسهم يرون في سواد البشرة عيبا خلقيا يجب تغييره أو إخفاؤه؟ وكيف للأطفال والمراهقين الاعتزاز بلون بشرتهم إن كانت مقاييس الجمال لدى آبائهم وأمهاتهم محصورة في أصحاب البشرة البيضاء من دول وعرقيات محددة؟

أقول للنساء اللواتي ينفقن أموالا طائلة في شراء مستحضرات تبييض لون البشرة وللأمهات اللواتي يشجعن أبناءهن على الزواج من البيضاوات من أجل "تحسين النسل" ثم يتذمرن لما يتعرض له السود من عنصرية وتمييز، وأقول للآباء الذين يميزون بين أبنائهم بسبب لون البشرة أو يشجعون ذلك: كيف للآخرين احترامنا إن كنا نكره لون بشرتنا وننظر إلى أنفسنا بدونية؟ وعلى أي أساس نطالب الآخرين بتقديرنا إن كنا نتفق معهم ونؤيد رواياتهم ونستخدم نفس لغتهم ونردد أمثالهم ونقرأ الأشعار التي تحط من قدرنا كسود؟

قد يقول قائل إن القمع والإذلال والعنصرية والتمييز والاحتقار الذي تعرض له السود في المجتمعات العربية عبر مئات السنين هو ما كرس هذا الواقع، ولذلك فإن من الصعب تغييره وأن ذلك يتطلب بالضرورة اعتراف المجتمعات بالظلم الذي مارسوه على السود والعمل على تغيير واقعهم.

أدرك تماما أن نظرة السود لأنفسهم، بدونية وانعدام الثقة في النفس ورغبتهم في "تبييض" النسل، أساسها تاريخ طويل وتراث عريض وثقافة عميقة كرست الصورة السلبية لكل ما هو أسود بدءا من العصر الجاهلي والاستعباد الذي تعرض له السود على يد العرب مرورا بالآيات القرآنية والأحاديث التي تبشر السود بعملية "تبييض" للبشرة (أو ربما الوجوه فقط) في الجنة وتصف أهل النار وملائكة العذاب بأنهم سود الوجوه، وانتهاء بأحاديث كـ"اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة".

لكنني أؤمن أيضا بفكرة أن تقبل الواقع هو ما يدفع من تتحقق مصلحتهم بالإبقاء على الأوضاع كما هي عليه إلى تكريسه والدفاع عنه أو كما قال الشاعر "من يهن يسهل الهوان عليه وما لجرح بميت إيلام"، وهي نفس فكرة "القابلية للاستعمار" بحسب تعبير المفكر الجزائري مالك بن نبي.

تقتضي معالجة الواقع العنصري تضافر جهود جميع السود لإيجاد حلول جذرية بدلا من التمسك بهويات أخرى للتهرب من مواجهة الواقع

​​مفاد هذه الفكرة هو أن الظلم لا يقع على المجتمعات إلا حين تكون لديها القابلية لأن تُظلم، ولذلك يجب تركيز الجهود على تحصين المجتمعات من الداخل بدلا من الاهتمام بـ"العوامل الخارجية" تماما كما يعمل جسم الإنسان، فالبشر لا يصابون بالأمراض بسبب الفيروسات والجراثيم، وإنما بسبب ضعف جهاز المناعة وعجزه عن مقاومة الأجسام الدخيلة فيصبح بالتالي قابلا للإصابة بالأمراض.

لن أتناول العنصرية الموجودة في أوساط السود أنفسهم وتعالي بعضهم على بعض بسبب الوضع الاجتماعي، كحمل جنسية معينة أو الانتماء القبلي، ولكني أقول في عجالة بأن من يتكبرون على غيرهم من البشر بصورة عامة يعانون من عقدة النقص ويحاولون استكمال ذلك بالحط من قيمة الآخرين. من المحزن أن يمارس شخص أسود العنصرية على آخر يشترك معه في لون البشرة ويتعرض لنفس ما يتعرض له من تمييز وظلم بسبب اللون.

اقرأ للكاتب أيضا: هذا ما سأفعله لو كنت محمد بن سلمان

وختاما أقول إن من أسباب غياب ثقافة الاعتزاز بلون البشرة والفخر بتاريخ الإنسان الأسود هو غياب الوعي لدى السود بأن لون البشرة هو العامل المشترك بينهم والذي بمجرد رؤيته يقرر العنصريون شكل التعامل وأسلوب الحديث ونبرة الصوت بل وحتى مقدار القوة التي يجب استخدامها إن كانوا من رجال الأمن.

إن معالجة هذا الواقع تقتضي تضافر جهود جميع السود من أجل إيجاد حلول جذرية بدلا من التمسك بهويات أخرى للتهرب من مواجهة الواقع، ولكن قبل المطالبة بالحقوق علينا أولا تقبل أنفسنا وألواننا وتعليم أبنائنا تاريخ السود وتعريفهم بالعظماء من بني جلدتهم الذين رفضوا الظلم والتمييز والعنصرية وأجبروا مجتمعاتهم على احترامهم والاعتراف بتاريخهم وتراثهم واحترام عاداتهم وتقاليدهم وتشريع قوانين تحفظ حقوقهم وتنظم عملية استيعابهم في المرافق والأجهزة المختلفة في الدولة.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!