متظاهرون في البصرة، جنوب العراق
متظاهرون في البصرة، جنوب العراق

بقلم إياد العنبر/

في فترات الاحتجاجات والتظاهرات في العراق، ينتظر الكثيرون بيانا من المرجعية الدينية في النجف الأشرف، يتم إعلانه في خطبة صلاة الجمعة من قبل وكلائها في كربلاء. بيد أن المرجعية غالبا ما تخرج بتلميحات وليس تصريحات ترضي من يريد منها تسميةَ الأشياء بمسمياتها على حد تعبيرهم.

الغريب في الموضوع أن الأعم الأغلب من الذين يطالبون المرجعيةَ بالتدخل، هم من الرافضين لتدخل الدين بالسياسة! وهم أنفسهم من يحمل المرجعيةَ مسؤوليةَ صعود هذه الطبقة السياسية للحكم، بدعمها لقائمة الائتلاف العراقي الموحد في انتخابات 2005.

مبررات الاعتراض على الدعوات التي تريد من المرجعية الدينية التدخل وحسم الأزمات السياسية، كونها تشكل دعوة للحكم الديني! وهذا خلاف تصريحات ومواقف المرجعية السيستانية، التي تدعم دولةَ المؤسسات ونظام الحكم القائم على أساس الانتخابات. المرجع السيستاني يؤمن بالولاية في الأمور العامة، التي يعتقد أنها تتدخل فقط للحفاظ على النظام العام ومنع الفوضى.

إن الأحزاب السياسية التي تهمين على السلطة، لا تزال تفتقد إلى منطق الدولة في القدرة على الاستجابة لمتطلبات المتظاهرين

​​وهنا يكمن الفرق بين الولاية العامة، ونموذج نظام الحكم القائم في إيران على نظرية ولاية الفقيه العامة ـ المطلقة، والتي تتدخل في جميع تفصيلات إدارة الشأن العام. فالأولى محددة، والثانية مطلقة غير مقيدة. وانطلاقا من ذلك نجد أن السيد السيستاني تدخل في الدعوة إلى الانتخابات، وكتابة الدستور من قبل هيئة منتخبة، وفتوى الجهاد الكفائي.

بموازاة ذلك، يحاول بعض المراقبين والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، تسهيل حلول الأزمات السياسية في العراق، والترويج لفكرة أن الحل الحقيقي باستلام العسكر زمام المبادرة والانقلاب على نظام الحكم، وإعلان بيان رقم واحد. في حين يطالب فريق ثان بتعطيل العمل بالدستور وتشكيل حكومة طوارئ أو إنقاذ وطني، كما يحلو للبعض تسميتها. إذ لا يزال الكثير من العراقيين يفكرون بالحلول الجاهزة ولا يريدون تحمل مسؤولية خياراتهم التي تتحدد بالمشاركة السياسية. ويبدو أن هذه الطروحات والحلول، تعكس أزمة في ثقافة العراقيين السياسية.

اقرأ للكاتب أيضا: انتخابات العراق 2018: الفرص والتحديات

قراءة الاحتجاجات في العراق، يجب أن تكون من منظور تحليل الثقافة السياسية، كمدخل للتحول نحو الديموقراطية. ففي مقال للمفكر السعودي توفيق السيف نشر (22 حزيران/يونيو 2016) في صحيفة "الشرق الأوسط" بعنوان "مجتمعات متحولة". يشير إلى دراسة مهمة للعالمين الأميركيين "غابرييل ألموند" و"سيدني فيربا" حددت فيها تعريف الثقافة السياسية، كحالة ذهنية تتشكل على ضوئها رؤية المجتمعات لنفسها وللدولة. ومن هنا تم تصنيفها إلى ثلاث أصناف: انعزالية تنتشر في مجتمعات تجهل تماما دور الدولة في حياتها. انفعالية تنتشر في مجتمعات تدرك وجود الدولة والقوى السياسية الأخرى وتتلقى تأثيراتها، لكن رد فعلها فاتر، أو ربما معدوم. فهي لا ترى نفسها قادرة على الفعل والتأثير، أو أنها لا تعتبر الدولةَ قابلة للتأثر بنشاط الجماعة. وأخيرا ثقافة تفاعلية نموذجها مجتمعات تتفاعل مع الدولة والقوى السياسية الموازية، وتستقبل تأثيراتها وتسعى أيضا للتأثير فيها، لأنها تنظر إلى نفسها كجزء من العملية السياسية القائمة، كفاعل قادر على المشاركة والتأثير.

في العراق، ومن خلال تجربة الـ15 عاما، يمكن القول بحصول تحول من الثقافة السياسية الانعزالية التي كان يعيشها قبل 2003 في ظل نظام الحكم الشمولي الدكتاتوري، إلى الثقافة السياسية الانفعالية. واليوم في ظل موجة الاحتجاجات التي تنشط بين فترة وأخرى، يكون قد بدأ بالتحول نحو الثقافة السياسية التفاعلية، والتي من أهم ملامحها الانتقال من حال التشكي والتذمر والتأثر بالخطاب السياسي الموجه من قبل السلطة والأحزاب السياسية، إلى ممارسة الاحتجاج والتظاهر، للمطالبة بتوفير الخدمات ومحاسبة الفاسدين.

وفي ضوء ذلك، يمكن تحديد مفارقة مهمة جدا: تطور الثقافة السياسية للمجتمع العراق وتوجهه بالتعبير عن ذاته ومطالبه، سواء وجه خطابه للدولة أو للقوى الفاعلة في المجتمع، فالرسالة كانت واضحة وصريحة في انتخابات 2018 التي تميزت بالتدني الواضح في نسبة المشاركة، ومن ثم توجه المواطن إلى الشارع رافعا لافتات الاحتجاج المطالبة بحقه من الخدمات.

هذا التطور لا يزال عصيا على فهم الأحزاب والقوى السياسية المهيمنة على مقاليد الحكم، فهي لا تستطيع مراجعة ذاتها وتقييم تجربتها في الحكم، بل تكتفي بالركون إلى نظرية المؤامرة واتهام المواطن المتظاهر بالتأثر بأجندة خارجية، أو بالاندساس لتخريب مؤسسات الدولة، فهي لا تزال تعتقد بأنها تتمتع بالشرعية التي تحصل عليها من خلال الانتخابات، والتي على أساسها توزع مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات لخدمة الأحزاب السياسية وزبائنها، من دون التفكير بشرعية المنجز الذي يمكن أن تقدمه للمواطن الذي تحمل الفشل والفساد وسوء الإدارة للطبقة السياسية التي حكمت منذ 2003.

ما يحتاجه الشارع العراقي هو "عقلنة المطالب"، التي يجب أن تكون ضاغطة لتشكيل الحكومة القادمة

​​إن الأحزاب السياسية التي تهمين على السلطة في العراق، لا تزال تفتقد إلى منطق الدولة في القدرة على الاستجابة لمتطلبات المتظاهرين وحركات الاحتجاج؛ لأن النظام السياسي وصل إلى مرحلة الانسداد أو الانحطاط السياسي ـ كما يصطلح عليه صاموئيل هنتنغتون.

بمعنى عجز النظام عن تحقيق الإصلاح وعدم قدرته على الاستجابة لمتطلبات مواطنيه، والتي تتراكم من دون تلبية جزئية أو كلية، وعجز النخب السياسية الحاكمة ـ التي يعد وجودها بحد ذاته، إحدى مؤشرات أزمة إدارة الدولة ـ على عدم معالجة مكامن الخلل، بسبب تفكيرها المأزوم بالتعاطي مع مؤسسات الدولة بمنطق الغنيمة. وبالمقابل تكون بدائل التغيير، الفوضى وعدم الاستقرار السياسي. لكن هذا الانسداد أو الانحطاط السياسي، يعده فرانسيس فوكوياما في كتابه "النظام السياسي والانحطاط السياسي" من حالات التطور السياسي: "القديم لا بد أن ينهار لإفساح المجال أمام الجديد".

اقرأ للكاتب أيضا: تحدي "موت الديمقراطية" في العراق

في خضم ذلك، ما يحتاجه الشارع العراقي هو "عقلنة المطالب"، التي يجب أن تكون ضاغطة لتشكيل الحكومة القادمة، وتندرج ضمن جدول الأولويات في برنامج عملها والالتزام بجدول زمني لإنجازها. والحذر من تحويل الاحتجاجات إلى تجمعات جماهيرية من دون محددات مطلبية.

ويجب أن تكون المطالب واضحة وصريحة ومحددة، وحتى تؤطر بدعم جماهيري يمكن أن تتحدد بما طالبت به المرجعية الدينية في خطبة صلاة الجمعة ما قبل الأخيرة (27 تموز/يوليو 2018) بالإسراع في تشكيل الحكومة التي تكون من أولى أولوياتها معالجة أزمة الخدمات، وتحمل رئيس الوزراء القادم، كامل المسؤولية في محاربة الفساد، والعمل على تشريع القوانين المهمة، التي تتعلق ببناء الدولة، وإلغاء التشريعات التي تمنح امتيازات للطبقة السياسية والتي تتعلق بالمرحلة الانتقالية.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.