سوق الكتب في شارع المتنبي وسط بغداد
سوق الكتب في شارع المتنبي وسط بغداد

بقلم حسين عبد الحسين/

كان جد أبي ابن بيئته البغدادية، فأطلق أسماء كانت رائجة في زمانه على أولاده الأربعة من زوجتين، الأكبر، وهو جدي، أسماه عبدالحسين، وأسمى أخيه عبدالصاحب. ومن زوجته الثانية، أنجب صبيين، أسمى الأول عبدالرسول والثاني عبدالجواد.

إضافة اسم عبد في مطلع الاسم تقليد مستقى من حديث منسوب إلى رسول المسلمين مفاده أن أفضل الأسماء ما حمّد وعبّد، فراحت غالبية العراقيين الشيعة تضيف اسمي محمد وعبد إلى أسماء أبنائها، فكان محمد علي (وهو اسم جد أبي) ومحمد حسين، أو عبد علي وعبد حسين.

لا نقاش في دنيا العرب ولا آراء، بل مواقف معلبة مسبقا يحملها أصحابها من محيطهم

​​شمل جد أبي ولديه من زواجه الثاني برعاية أكبر، وأنفق على تعليميهما. ولانخراطهما في النخبة الأكاديمية في زمن كانت حكومات الشرق الأوسط وشعوبه تتسابق نحو العلمانية، استبدل عبدالرسول اسمه بوصفي، وصار الدكتور وصفي محمد علي "خبير خبراء الطب العدلي" في العراق، وصاحب مؤلفات تحولت إلى مراجع ما تزال أساس المنهج التعليمي لهذا العلم. أما عبدالجواد، فأسقط عبد عن اسمه ومحمد عن اسم ابيه، فصار الدكتور جواد علي، مؤلف موسوعة "تاريخ العرب قبل الإسلام"، و"تاريخ الصلاة"، و"تاريخ الإمام الشيعي الثاني عشر"، وتحولت أعماله إلى مراجع تاريخية ما تزال أساسية حتى اليوم.

أما عبدالحسين، جدي، ابن الزوجة الأولى، فلم تشمله رعاية أبيه ولا سخائه، وهو بالكاد أنهى دراسته الابتدائية، قبل أن يتدرج في التجارة، ويصبح من أكبر تجار بغداد. لكن التجار، على عكس الأكاديميين، تأخروا في لحاقهم بالحداثة، فحافظ جدي على اسمه، بل حمل اسما تجاريا هو "الحجي (الحاج) عبدالحسين".

اقرأ للكاتب أيضا: 'داعش' الأسد

ولأن البعثيين حرصوا على إسقاط "اللقب"، أي اسم العائلة أو العشيرة، عن معظم الوثائق الشخصية الرسمية، فيما زعموا أنها محاولة لإلغاء العشائرية والمحاباة في الدولة، صار كل عراقي يحمل اسما ثلاثيا هو اسمه واسم أبيه وجده. ولأني كبير إخوتي، حملت اسم جدي حسب تقليد تسمية الابن باسم الجد، لكن أبي أسقط "عبد" عن اسمي، فصرت حسين عبدالحسين، وهو اسم ما أزال أحمله وأفتخر به.

على أن نشأتي كانت في رأس بيروت، وهو جزء من العاصمة اللبنانية يحتضن مدارس وكليات الإرساليات الأميركية، التي زرعت في محيطها وثقفت طلابها، وأنا منهم، مبادئ التنوير الأوروبي، خصوصا الحرية الفردية، والمساواة بغض النظر عن الدين أو العرق أو المذهب.

هكذا، حملت في بيئتي البيروتية اللادينية اسمي المنحدر من بيئة جدي البغدادية الشيعية، ففي رأس بيروت ـ التي لا تمانع التنوع، والتي لا تهتم لأصل المرء، بل تهتم لتفكيره وأقواله ومصداقيته ـ لم يؤثر اسمي فيما أعتقده أو أقوله.

لكن العالم العربي أوسع من رأس بيروت، وأكثر عصبية ومذهبية وغرائزية. ومع انخراطي في عالم التعليق السياسي وكتابة الرأي، غالبا ما شغل اسمي القراء أكثر من كتاباتي.

المسلمون السنة يعتقدون أن اسم عبدالحسين هو كفر، إذ لا يجوز أن يكون المرء عبدا إلا لله. ولأن كتاباتي أكثر مساندة للعرب ذوي الغالبية السنية منها لإيران ذات الغالبية الشيعية، أعجبت آرائي القراء السنة، لكن أزعجهم اسمي، فراح عدد كبير منهم يتواصل معي لحثي على التخلي عن اسم عبدالحسين. وأحيانا، يحصل أن لا يقرأ السنة مقالي، الذي قد يتوافق في الغالب ورأيهم عن مشكلة "الجمهورية الإسلامية" وميليشياتها، فيبادرون إلى الشتيمة فورا، ويعلقون بالقول إنهم لا يتوقعون الخير من "رافضي يحمل هذا الاسم".

مع انخراطي في عالم التعليق السياسي وكتابة الرأي، غالبا ما شغل اسمي القراء أكثر من كتاباتي

​​والعكس عند الشيعة. يقرأون الاسم، فيفرحون أن واحدا منهم في عداد كتاب الرأي، حتى لو كان رأيي في الغالب على عكس ما يتمنون. أما الشيعة ممن يقرأون، فيشككون أني شخص حقيقي، ويصرون أني "ناصبي" أكتب تحت اسم مستعار.

في دنيا العرب، أعاني من الحكم المسبق لدى الغالبية ممن يقرأون اسمي فيستنتجون آرائي مسبقا من دون قراءتها. أما من يتكلفون عناء قراءة المقال من السنة، فهم غالبا ما يشيدون بكتاباتي بوصفي "شيعيا عربيا أصيلا" أو "شيعيا آدميا" أو "وطنيا". ومن يتكلف عناء القراءة من الشيعة، يسبغ عليّ أوصاف "خائن" و"صهيوني" وغيرها، وكأنه مستحيل على الفرد أن يستنبط آراءه باستقلالية عن مذهبه.

اقرأ للكاتب أيضا: قضاء عربي ولا عدالة

لا نقاش في دنيا العرب ولا آراء، بل مواقف معلبة مسبقا يحملها أصحابها من محيطهم، ويخوضون معارك صراخ وشتيمة بموجبها مع الآخرين، في معركة قبلية هي من مخلفات "داحس والغبراء" وأساطير الثأر التي يزخر بها التراث العربي.

ربما يتجاهل العرب واحدا من أجمل أبيات الشعر المنسوب إلى ابن الوردي والقائل "لا تقل أصلي وفصلي إنما أصل الفتى ما قد حصل"، ويصرون على قبليتهم في النقاش والآراء بشكل يلغي الفرد والتفكير الفردي، ويكرس الجماعة ورأيها القبلي، أو على حد قول أحد المعلقين الشيعة على مقالة لي: "أعد لنا اسمنا واكتب ما تريد".

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.