تجمعات لإيرانيين معترضين على تدهور سعر الريال الإيراني
تجمعات لإيرانيين معترضين على تدهور سعر الريال الإيراني

بقلم إيلان بيرمان/

قبل ثلاثة عشر عاما، عندما دخلت إدارة بوش و"أجندة الحرية" ولايتها الثانية في البيت الأبيض، استطلع توماس فريدمان، كاتب العمود في صحيفة "نيويورك تايمز"، نبض المشاعر الشعبية في إيران، وخرج ببعض الاستنتاجات المفاجئة. إيران، التي سمع عنها فريدمان من المغتربين الإيرانيين وأفراد داخل النظام، هي في نهاية المطاف "الدولة الحمراء"، حيث لا يشارك السكان كراهية النظام الحاكم للغرب وحيث ويتوق الناس إلى المزيد من الحرية والديموقراطية.

تبين حينها أن التنبؤ سابق لأوانه. فمهما كانت مشاكلها الداخلية، نجحت المؤسسة الدينية الإيرانية في التغلب على الاستياء منها ـ في وقت لاحق وبعد بضع سنوات فقط، دفع الاحتيال الذي رافق إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد في صيف 2009 إلى نزول الملايين إلى الشوارع في احتجاجات شعبية سميت بـ"الحركة الخضراء".

ساعدت التحديات البيئية في تعزيز وإدامة معارضة إيران

​​لكن التقييم الذي سمعه فريدمان في عام 2005 قد يكون أكثر ملاءمة الآن. إذ تعرضت إيران، على مدى نصف السنة الأخيرة، لضغوط الاحتجاجات المستمرة التي وضعت قادتها أمام أكبر تحد لشرعيتهم منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979.

إن السبب الرئيسي للاضطرابات الحالية في إيران هو بلا شك اقتصادي. ففي حين أن الاتفاقية النووية مع الغرب الموقعة عام 2015 ولدت لدى الإيرانيين العاديين أملا بـ"عائد السلام" الاقتصادي، فإن السنوات التي تلت ذلك لم تشهد أي تحسن اقتصادي. بدلا من ذلك، استخدم آيات الله في إيران عائدات اتفاقهم مع الغرب لزيادة الإنفاق الدفاعي، وتعميق المشاركة في الساحات الأجنبية (مثل سورية واليمن)، وتوسيع نطاق الدعم لوكلائهم الإرهابيين في مختلف أنحاء المنطقة.

اقرأ للكاتب أيضا: سورية ومراهنات ترامب ـ بوتين

في هذه الأثناء، ازدادت الأوضاع الاقتصادية داخل الجمهورية الإسلامية سوءا. والبطالة في إيران، التي تقاس رسميا بنحو 12.5 في المئة، هي أعلى بكثير من ذلك في الأرقام غير الرسمية ـ تصل الآن إلى نحو 60 في المئة في بعض المدن. ولا يزال الفقر منتشرا أيضا، إذ يعاني 33 في المئة من سكان البلد (أي نحو 26 مليون إيراني) من "الفقر المطلق"، و6 في المئة يواجهون المجاعة. في الوقت نفسه، ارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل ملحوظ، في حين انخفضت القوة الشرائية مع انخفاض قيمة الريال، العملة الوطنية الإيرانية، في الأشهر الأخيرة. لقد ولد هذا المزيج من الإهمال الداخلي والمغامرات الأجنبية ردة فعل عنيفة داخل إيران.

إذا فشلت النخب الدينية في إيران في تغيير سلوك النظام، فإن سياسة أميركا الجديدة ستتحول نحو السعي إلى "إسقاط النظام"

​​لكن هناك أسباب أخرى لحالة الغليان الشعبي المستمرة. على عكس انتفاضة 2009، التي لم تصل إلى حد المطالبة بإسقاط نظام رجال الدين الإيراني، فإن الاحتجاجات اليوم تجسد رفضا أساسيا لنظام الحكم الحالي في البلاد. الشعارات الواسعة الانتشار مثل "الموت للدكتاتور" (في إشارة إلى المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي) ومظاهر الاحتجاج العلنية، مثل خلع الحجاب من قبل عشرات النساء الإيرانيات، توضح بشكل جلي أن العديد من المتظاهرين يشككون الآن في سلطة وشرعية النخبة الدينية غير المنتخبة في إيران.

​​وساعدت التحديات البيئية في تعزيز وإدامة المعارضة في إيران. إذ أدى سوء إدارة الموارد المزمن للحكومة الإيرانية وإخفاقها في إصلاح ظروف الجفاف المتدهورة في البلاد إلى خلق احتكاك عميق بين السكان وسلطات النظام عبر طول البلاد وعرضها.

تستمر هذه العوامل في إشعال المعارضة الشعبية للنظام الإيراني، التي استمرت منذ الأيام الأخيرة من عام 2017 ـ وتوسعت من جديد في الأيام الأخيرة.

إقرأ للكاتب أيضا: نهاية عصر الاتفاق النووي الإيراني

علاوة على ذلك، من المتوقع أن يزداد هذا الغليان سوءا. إذ بدأت الولايات المتحدة، بموجب قرار إدارة ترامب بالانسحاب الرسمي من الاتفاقية النووية لعام 2015 مع إيران، في إعادة فرض مجموعة واسعة من العقوبات الاقتصادية على الجمهورية الإسلامية. ستطال الجولة الأولى من العقوبات، التي تم تفعيلها هذا الأسبوع، قطاع السيارات الإيراني وتجارة المعادن الثمينة إضافة إلى أهداف أخرى. أما الجولة الثانية، وهي الأكثر جدية، فمن المقرر أن تبدأ في تشرين الثاني/نوفمبر، وستتضمن وضع البنك المركزي الإيراني على القائمة السوداء ـ وفرض عقوبات واسعة على الشركات والدول التي تتعامل مع أو من خلال البنك المركزي. بشكل تراكمي، لدى هذه العقوبات القدرة على تقويض الاقتصاد الإيراني الذي يعاني بالأصل من هجرة حقيقية للأعمال التجارية إلى خارج الجمهورية الإسلامية.

لكن ما الغاية؟ لا تسعى إدارة ترامب لوضع حد لحكم النظام الإسلامي في إيران، على الأقل في علنيا. بدلا من ذلك، فإن هدف واشنطن هو إجبار قادة إيران على "تغيير سلوكهم" وتحويل البلاد إلى طرف يساهم في استقرار المنطقة، كما أشار وزير الدفاع جيم ماتيس مؤخرا. لكن بات من الواضح أنه إذا فشلت النخب الدينية في إيران في القيام بذلك، فإن سياسة أميركا الجديدة في إيران ستتحول نحو السعي إلى "إسقاط النظام".

 وكما توضح الظروف الحالية داخل الجمهورية الإسلامية، لم يعد هناك هدف غير قابل للتحقيق.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.