لبنانيون يتظاهرون ضد الفساد (أرشيف)
لبنانيون يتظاهرون ضد الفساد (أرشيف)

بقلم حازم الأمين/

أينما وليت وجهك في لبنان فسيصفعه مشهد فساد. إنه المظهر الأول للدولة في لبنان. ما إن تضع قدمك في المطار سيستقبلك فساد الدولة وأجهزتها، غير خجل من نفسه. عليك أن تدفع لشركة تاكسي المطار، وهي شركة خاصة تعود بصلة لأحد المسؤولين، أربعة أضعاف ما تتقاضاه سيارة التاكسي العادية. جرى ذلك بوقاحة لا تجاريها وقاحة في بلد ساع لأن تكون السياحة مصدر دخله الأول. الفساد هو كل شيء في لبنان، تماما كما هي الطائفية كل شيء. لا بل إن الفساد والطائفية صنوان، يتغذى أحدهما من الآخر.

الدولة ليست فاشلة، أو ربما يصح القول إن الفشل ليس مظهر الدولة الأول. الفساد هو مظهرها الأول، وهو عنصر جوهري في تعريف الدولة لنفسها وفي تعريف المواطن لها. وهو بمعنى ما ليس عنصرا "سلبيا"، لا بل هو في معظم الأحيان سر "جاذبيتها" بالنسبة لمواطنها. فالفساد في هذا البلد منتخب. القوى السياسية، وهي جميعها جزء من مشهد الفساد، قوى منتخبة. الانتخابات الأخيرة جرت على أساس أن القوة الأكثر قدرة على تمثيل الجماعة هي القوة الأكفأ على مستوى الفساد. وهذا ما يفسر تدفق موجات الفساد على نحو فضائحي في أعقاب انعقاد المشهد السياسي على أساس نتائج الانتخابات.

صار للفساد فلسفته وخطابه في علاقته بالعمق الطائفي والمذهبي

​​يوميا، نفجع في بيروت بحكاية موثقة عن الفساد. كل يوم تنفجر فضيحة، لكن انفجارها لا يعدو كونه صوتا يدوي في الأذن ثم ينقضي ونمضي نهارنا بانتظار الانفجار الذي سيليه. لا أحد خجل من انفضاح أمره، ولا أحد مكترث. في الكهرباء فساد كبير، وفي مشكلة النفايات روائح صفقات قذرة، وفي البلديات وفي المطار وفي الأملاك البحرية وفي التعليم وفي مشاريع إغاثة اللاجئين.

الفساد في كل شيء، وهذه ظاهرة تضاعف حضورها في أعقاب الانتخابات النيابية التي جدد فيها اللبنانيون لطبقة سياسية اعتبرت أنها نالت تفويضا جديدا يمكنها من القيام بالمهمة بموجب هذا التفويض. والحال أن هذه الطبقة محقة بما تشعر به، ذاك أن الانتخابات لم تجر على أساس اختيار غير الفاسدين. لا بل العكس أحيانا، فشرائح واسعة من الناخبين تشعر أن القوة الأكثر قدرة على فرض نفسها وعلى تمثيل مصالحها هي القوة القادرة على أن يكون لها حصة أكبر من جبنة الفساد الطائفي.

اقرأ للكاتب أيضا: 'الأولوية هي أمن إسرائيل!'

ثم إن للفساد في لبنان مصدر جديد، إذ أن الطوائف الممولة من موازنات الحروب الأهلية الإقليمية بدأت تفقد مصدر دخلها الرئيس. إيران والخليج يكابدان أزمات اقتصادية كبرى، وطوائفهما في لبنان لم يعد أمامها سوى أن تضاعف رهانها على مصادر الدخل المحلية. حزب الله نقل طموحاته في جني موازنات حروبه وتمويل "الجهاد" إلى الداخل اللبناني. قبله كان تيار المستقبل قد خطا خطوة في هذا الاتجاه.

مصدر قوة هذا الفساد، ومصدر نفوذه ووقاحته هو حقيقة شموله قوى تملك شرعية تمثيلية حقيقية

​​ثم صار للفساد فلسفته وخطابه في علاقته بالعمق الطائفي والمذهبي، فتجربة النقاش الذي جرى على ضفاف فضيحة الباخرة التركية التي رفضت حركة أمل رسوها أمام شواطئ جنوب لبنان لكي تزود المنطقة بالكهرباء نموذج. فسر رفض حركة أمل بصفته انحيازا لأصحاب المولدات الكهربائية المستفيدين من انقطاع الكهرباء. كان "حزب الله" في البداية محبذا لرسو الباخرة، إلا أنه عاد وقبل بموقف "أمل"، مقدما "وحدة الطائفة" على مصلحة أهل الطائفة. والنقاش حول هذه المعادلة جرى على نحو علني، ذاك أن مسؤولا "شرعيا" في الحزب ظهر على "يوتيوب" وقال إن الإمام الخامنئي قال إن وحدة الشيعة تتقدم في الأولويات على كل شيء، لا بل أنها تتقدم على "المقاومة".

اقرأ للكاتب أيضا: الباصات الخضر تضرب في السويداء

تكرر الأمر نفسه في واقعة الأموال التي استدانتها إحدى المؤسسات التابعة لرئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي. استفادت إحدى مؤسسات الرجل، وهو متمول كبير، من الفوائد المخفضة التي يقدمها مصرف لبنان، وجرى ذلك وفق حصص الطوائف وأركانها من هذه القروض. استفاد ميقاتي في مواجهة هذه الفضيحة من شبكة الأمان المذهبي، وجرى استيعاب الخبر في منظومة حقوق القوى المذهبية في حصص "الفساد الشرعي".

يبقى أن مصدر قوة هذا الفساد، ومصدر نفوذه ووقاحته هو حقيقة شموله قوى تملك شرعية تمثيلية حقيقية عكستها نتائج الانتخابات الأخيرة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن قاعدة المستفيدين من نظام الفساد واسعة، فهو نظام استعان فيه المواطن على ضعف مفهوم المواطنة فاستبدل خدمات الدولة بخدمات موازية قدمتها له الطبقة السياسية الفاسدة، فصار الفساد سياسة، لا بل صار هو السياسة.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟