فلسيطنيون في إحدى عيادات "الأونروا" النقالة في الضفة الغربية
فلسيطنيون في إحدى عيادات "الأونروا" النقالة في الضفة الغربية

بقلم داود كتّاب/

قد تكون فكرة جارد كوشنر منطقية نوعا ما، فبدل من تأجيل نقاش الأمور الأكثر صعوبة لنهاية المفاوضات، اختار البدء في معالجتها فورا، لأن حلها قد يسجل اختراقا في مسار المفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية.

فلاختيار الفريق الأميركي للمفاوضات معالجة قضايا شائكة مثل القدس واللاجئين لها ما يبررها، من ناحية تكتيك معالجة قضية شائكة مثل الصراع العربي ـ الإسرائيلي. إلا أن طريقة المعالجة كانت غير موفقة، بل من الممكن أن تكون قد زادت الأمور تعقيدا. لقد قيل الكثير عن موضوع القدس، والتسرع الأحادي الجانب في تحديد مستقبلها (رغم إصرار إدارة الرئيس دونالد ترامب أن نقل السفارة لا يعني موقفا من مستقبل المدينة التفاوضي)، لكن موضوع اللاجئين قد يشكل خطورة كبيرة ومتصاعدة.

تتضمن المبادرة العربية صيغة لحل عادل ومتفق عليه لموضوع اللاجئين

​​في البداية لم يقدم الفريق الأميركي للسلام رأيا علنيا حول موضوع اللاجئين أو حق العودة. وتم ربط التقليص المفاجئ للمساعدات الأميركية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين المعروفة باسم "الأونروا" بالسعي لإقناع القيادة الفلسطينية بـ"العودة للمفاوضات" رغم أنه لغاية الآن لا توجد مفاوضات للعودة إليها ولا توجد علاقة بين "الأونروا" والقيادة الفلسطينية فيما يتعلق بالمفاوضات.

"الأونروا" وكالة دولية تابعة للأمم المتحدة ويرأسها حاليا مفوض سويسري، وتعمل بتكليف من الجمعية العام للأمم المتحدة لتقديم مساعدات إنسانية للاجئين الفلسطينيين.

اقرأ للكاتب أيضا: الدروز ومعارضتهم لقانون القومية اليهودية

تفيد تسريبات نشرتها مجلة "فورين بوليسي" الأميركية مؤخرا أن صهر الرئيس الأميركي، جارد كوشنر، الذي يرأس الفريق الأميركي للسلام في الشرق الأوسط، قد أرسل رسائل إلكترونية لعدد من المسؤولين في 11 كانون الثاني/يناير الماضي قائلا فيها: "إن الوكالة تحافظ على الوضع القائم وإنها فاسدة، غير ناجعة ولا تخدم السلام". وبعد هذه الرسالة بخمسة أيام أي في 16 كانون الثاني/يناير أعلنت الولايات المتحدة تقليص دعمها لـ"الأونروا"، الأمر الذي خلق حالة من الطوارئ ونتج عنه حملة عالمية للمساعدة تم خلاله تعويض جزء من الأموال التي خسرتها الوكالة.

رغم وجود قناعة لدى الدوائر الأمنية والعسكرية في إسرائيل بضرورة وجود "الأونروا" كعامل استقرار وكمؤسسة دولية ناجعة في توفير المساعدات الإنسانية من صحة وتعليم ونظافة في مخيمات اللاجئين في غزة بالتحديد، إلا أن ما ينقل عن جارد كوشنر يبدو أقرب للمواقف السياسية اليمينية التي انتهجتها حكومة بنيامين نتانياهو عبر السنوات الماضية.

تقوم تلك السياسة الإسرائيلية على فكرة خاطئة جوهرها أن إلغاء أو تقليص خدمات "الأونروا" سيوفر فرصة حقيقية للسلام في الشرق الأوسط، وهو أمر غير صحيح، وتؤكد تجربة غزة على عدم صحته.

ومما تسرب من رسائل كوشنر رغبة إدارة ترامب بأن تقوم حكومة الأردن بإلغاء صفة "اللاجئ" فيما يخص نحو مليوني فلسطيني في الأردن.

سيزيد تقليص خدمات وكالة "الأونروا" من التوتر، وقد يقربنا من لحظة انفجار اجتماعية كبيرة خاصة في غزة، وأيضا في أماكن أخرى منها لبنان وسورية والأردن حيث توفر "الأونروا" الخدمات الإنسانية بنجاعة واحترافية عالية.

إذا كان هدف كوشنر وفريقه التأثير السياسي وتحريك الأمر الواقع كما جاء في أحد التسريبات، فإن مبادرة السلام العربية، التي أقرتها الجامعة العربية عام 2002 ووافق عليها العرب ومن بينهم الفلسطينيون بالإجماع، توفر مدخلا أسهل لمحاولة معالجة هذا الملف الساخن والحساس. فالمبادرة العربية للسلام تضمن صيغة مطاطة فيما يتعلق بكيفية تطبيق بند حق العودة حيث جاء في المبادرة: "التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194". وعند قراءة هذا النص بتمعن يتبين أن كلمة "يتفق عليه" تشمل موافقة كافة الأطراف بما فيها إسرائيل. إذا، تتضمن المبادرة العربية صيغة لحل عادل ومتفق عليه للموضوع اللاجئين.

يجب السعي لتجنيب وكالة "الأونروا" تقلبات المفاوضات والسماح لها بالاستمرار بما تقوم به

​​لو أجرى كوشنر وفريقه بحثا في نصوص المفاوضات السابقة لاكتشف أن المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، اقتربت في بعض مراحلها من صيغة، تكاد تكون مقبولة من الطرفين، تتضمن عودة لاجئين إلى الدولة الفلسطينية المستقبلية أو إلى دولة ثالثة أو بقائهم واندماجهم في بلدان إقامتهم الحالية مع السماح لعدد محدود للعودة إلى إسرائيل تحت بند لم شمل العائلات.

بالطبع، يتطلب هذا الحل وجود دولة فلسطينية مستقلة وهو الأمر الذي يتجنب المسؤولون الأميركيون البحث فيه، في محاولة لدعم مواقف إسرائيل من دون الطلب منها تقديم أي تنازلات.

اقرأ للكاتب أيضا: ماذا يعتقد الفلسطينيون؟

قد يتضمن الحل الأميركي، الذي طال انتظاره، عند إعلانه أمورا أخرى توفر توازنا ما فيما يتعلق بموضوع اللاجئين، إلا أن ما تم تسريبه لغاية الآن، أو إعلانه، يقتصر على محاولة إغلاق "الأونروا" وتحويل ملف اللاجئين الفلسطينيين إلى مفوضية شؤون اللاجئين في الأمم المتحدة، وتقليص حقوق اللاجئين الفلسطينيين لتشمل الجيل الأول من اللاجئين، وليس أبناءهم وأحفادهم.

لقد دفع الشعب الفلسطيني بشكل عام واللاجئ الفلسطيني بشكل خاص ثمنا كبيرا لمواقفه ومطالبته بحقوقه المشروعة التي كفلها القانون الدولي وعلى الولايات المتحدة السعي لتجنيب وكالة "الأونروا" تقلبات المفاوضات والسماح لها بالاستمرار بما تقوم به بنجاعة وحرفية لجهة معالجة الأمور الحياتية للاجئ الفلسطيني أينما وجد.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.