الموسيقى الوحيدة التي تصل إلى مسامعي هي تلك التي تعزفها حركة الأمواج الخفيفة، في هذا الصباح المشمس
الموسيقى الوحيدة التي تصل إلى مسامعي هي تلك التي تعزفها حركة الأمواج الخفيفة، في هذا الصباح المشمس | Source: Courtesy Image

بقلم فارس خشّان/

الصورة التي تتصدر زاويتي التعبيرية هذه، التقطتها عدسة هاتفي الخليوي من الصخرة التي أجلس عليها، وقدمي مغمستين في مياه شاطئ بلدة "مونديليو لا نابول"، في الجنوب الشرقي لفرنسا.

الموسيقى الوحيدة التي تصل إلى مسامعي هي تلك التي تعزفها حركة الأمواج الخفيفة، في هذا الصباح المشمس، تتقاطع معها بين الحين والآخر صرخات النورس الضاحك الذي يستوطن هذه الديار.

المفارقة أنني في هذه الأجواء، التي يفترض بها نظريا أن تلهي عن الهموم وشجونها، أجدني فعليا مشدودا إلى السياسة في الشرق الأوسط عموما وفي لبنان خصوصا.

قد يعود سبب ذلك إلى الاندفاعة الحتمية إلى المقارنة وتسجيل الفوارق بين ما هو متشابه.

تقع هذه الرقعة الجغرافية الفرنسية مثلها مثل الساحل اللبناني على حوض البحر الأبيض المتوسط.

حضور القانون وحده يضع الضوابط، معززا بنهج تربوي يبدأ منذ نعومة الأظافر

​​ما بقي عالقا في ذاكرتي منذ الطفولة، وما عادت وأحيته صور وأفلام وكتب قديمة، يظهر أن البنية الطبيعية التي تقوم عليها هذه البقعة الفرنسية لا تختلف أبدا عن البنية الطبيعية التي تمتد عليها بلادي.

وفي السير على الدرب الواصل بين مقر إقامتي والصخرة التي أجلس عليها، لا تنسيك اللوحات التي تخلد التضحيات الشعبية ما عانت منه هذه المنطقة من ويلات الحروب، مواجهة واحتلالا ومقاومة وتحريرا.

اقرأ للكاتب أيضا: الفساد.. باللبناني

تحملك النسمات ورائحة البحر وأشجار الصنوبر والنخيل والسنديان والشربين فورا من الجنوب الشرقي لفرنسا إلى كل لبنان.

وفي ظل هذا التشابه، تبرز الفوارق ويعوم التفكير بالسياسة.

تأوي هذه البلدة الساحلية الصغيرة آلاف اليخوت والقوارب، من دون أن تلتفت إلى البلدات والمدن المحيطة بها التي تأوي مئات الآلاف الاخرى التي ترفع أعلام عشرات الدول، ومن بينها دولنا المتوسطية.

وفق الإحصاءات، فإن جنوب فرنسا هذه السنة يشهد حركة سياحية غير مسبوقة، مما وفر عشرات آلاف فرص العمل للسكان المحليين ما يرفع من مستوى معيشتهم.

وهذه.. سياسة.

وعلى الرغم من تنامي الحاجة إلى بنية تخدم السياحة، إلا أن ذلك يستحيل أن يحصل على حساب البيئة، نظافة وطبيعة.

وهذه.. سياسة.

وفي انتقال نظري من الطابعة إلى المياه اللازوردية التي تنعشني، أرى السمك الصغير، أفواجا أفواجا. قد يأتي سمك كبير ويأكل بعضها، ولكنها تبقى بمأمن من الصيادين الذين لا تتاح لهم، هنا، سوى الصنارة حصرا.

وهذه.. سياسة.

وعلى امتداد طريق النزهة الصباحية إلى صخرتي هذه، وجدت عشرات الآليات والأشخاص الذين توكل إليهم مهمة واحدة: تنظيف الشاطئ و"غربلة" الرمال مما تركته زرافات الرواد من نفايات ومعادن، حتى ساعات الفجر.

وهذه.. سياسة.

كل الشواطئ، بما فيها القلة النادرة جدا التي تلتصق بمنتجع سياحي، يمنع إغلاقها أمام من يرغب استعمالها ويمنع حصرها بجماعة بسبب أموالها أو نفوذها. ويستدل على ذلك، ليس بغياب الأسلاك المانعة فحسب، بل بلوحات تذكر بالقرار الذي يثبت أن كل شاطئ، أينما كان، هو ملك عام. في بلادنا تتحول الملكيات العامة إلى امتيازات خاصة.

وهذه.. سياسة.

يضاعف العيش الهانئ للنورس والخرفش والبجع وسائر الطيور الساحلية، سحر هذه الشواطئ الفرنسية ويسحبك إليها سنة تلو السنة.

وهذه.. سياسة.

ليست المسألة، كما يحلو للبعض أن يقول، تهربا من المسؤولية، متصلة بأخلاق الناس بل بالسلطة.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، لولا الغرامات وسحب النقاط من إجازة السوق واعتبار أي شفاعة في هذا السياق فضيحة كبرى، فإن أحدا لا يحترم الإشارة الحمراء على الطرق.

عندنا لا يثير تجاوز المبادئ العامة اهتمام أحد

​​وعندما تتعطل إشارة في فرنسا ويغيب الشرطي، يمكنك أن تلاحظ تفشي الفوضى.

حضور القانون وحده يضع الضوابط، معززا بنهج تربوي يبدأ منذ نعومة الأظافر.

وهذه.. سياسة.

وفي بلادنا يكمن التقهقر المتزايد، في السياسة تحديدا.

توجهات الرأي العام السليمة لا تنتجها الأحلام إنما إعلام ملتزم بمبادئ وضوابط تفرضها السياسة.

عندنا لا يثير تجاوز المبادئ العامة اهتمام أحد. وحده التعرض للمسؤول والنافذ والمتسلط، يحرك الأمن والمحاكم ويملأ السجون.

اقرأ للكاتب أيضا: نحن أبناء الشرق

لا تصنع السلطة المركزية التي تنظم شؤون العامة بوعود مرجأة، بل تدرج فورا على جدول الأعمال، ويجري التنفيذ، بعناد وإصرار، على اعتبار أن أوكسيجين الدولة لا يتوافر إلا من خلال حصرية سلطتها، ووجوب دستورها ووضوح قوانينها، وفاعلية رجالاتها.

ومتى كانت السلطة من طبيعة متناقضة مع السلطة المتعارف عليها، حينها تسقط السياسة ومعها تطحن الصخور وتتلوث المياه وتشفط الرمال وتقلع الأشجار وتباد الطيور وتفقد الأسماك الوليدة وتتسمم الأنهر و"يتعفن" الهواء ويصبح المواطن هو العدو، وتتعطل الاستحقاقات، ويهدر الوقت، وتصبح كل سلطة في مرحلة تصريف أعمال مستدامة.

أتيت إلى هذه الصخرة لأهنأ، فإذا بها تقَلّب عليّ مواجعي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.