أم كلثوم مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر وخلفه أنور السادات والملحن محمد الموجي
أم كلثوم مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر وخلفه أنور السادات والملحن محمد الموجي

بقلم كوليت بهنا/

ثلاثة وأربعون عاما مضت على رحيل السيدة "أم كلثوم". لا يزال الكثير من الأكاديميين المختصين العرب والعالميين يحاولون فهم هذه الظاهرة الفنية الاستثنائية في عالم الطرب العربي، وتحليل صوتها فنيا وعلميا، وتفسير إبداعها، ولملمة خيوط حياتها المعلنة والسرية، وفك شيفرة وهج سحرها الذي لم يخمد يوما رغم مرور كل هذه السنوات، وما زالت السيدة، ومن دون منازع، "كوكب الشرق".

آخر محاولات اقتحام عالم "أم كلثوم" وإعادة استكشافه، جاءت عبر رواية "مرسال الغرام" للروائي السوري "فواز حداد" الصادرة مؤخرا عن دار "الريس" بطبعتها الثانية 2018. هي رواية غنية ومشوقة تتشابك فيها الأحداث وتتداخل الأزمان بين الماضي والحاضر، تلج عالم العواطف والحب والفساد العام والخاص والدراما وحياة النجمات الشابات خارقات الجمال المفبركات في كواليس مافيات السلطة والسياسة.

أنت تكاد تصدق ما جاء في الرواية، أو ربما ترغب بتصديقه، وهو مكمن سحر الأدب العظيم

​​كما تقدم الرواية، ولأول مرة في عالم الأدب العربي، بحثا معمقا لعلم الصوت ودلالاته، صيغ بلغة أدبية وعلمية دقيقة يطال فيما يطاله تحليلا ملفتا وجديدا لصوت أم كلثوم التي تهيمن على الفضاء العام للرواية، وفي ظل طغيان حضورها، وعلى جانبيه، تتناسل الأحداث وحبكاتها المشدودة.

يفتتح الروائي عمله الأدبي بسؤال محير عما إذا كانت هناك علاقة حب حميمة بين الشاعر المتيم أحمد رامي وأم كلثوم؟ أم كان مجرد وهم أحادي من جانب الشاعر دفعه إلى شحذ قريحته الخلاقة وتسخيرها خدمة "للست"، ولا يعدو في النهاية كونه حبا طاهرا وبريئا لا يتجاوز حدود الرومانسية؟ ليختتم الرواية بسؤال وجودي عام عما إذا كان هناك حب حقيقي في هذه الحياة؟

اقرأ للكاتبة أيضا: 'كيكي' وأخواتها

من عمق السؤالين تحضر الإجابات على ألسن الشخصيات التي تكتب مصائرها وأقدراها في خليط بين الحقيقة الموثقة وبين شطحات الأدب، ومن بينها شخصية السيدة "أم كلثوم" التي لا يستحضرها الروائي رمزيا، بل يأتي بها فيزيائيا، لتتربع "ثومة" على عرش الرواية بشحمها ولحمها، مع غموض شخصيتها وعظمتها ورقتها وحسن سمارها.

يغير كما يشاء حياتها بما يتناسب مع تحركات بطل روايته، فينقل سكنها من مصر إلى الشام ليجعلها قريبة من خياله ضمن بيت دمشقي قديم، لها فيه غرفة دائمة ويطلق على المكان اسم "رابطة عشاق أم كلثوم". يشاركها السكن بشكل دائم أو مؤقت، جميع الشخصيات السياسية التي واكبتها في حياتها وكان بينها وبينهم أثر تاريخي متبادل، ابتداء من الملك فاروق ثم الرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، إضافة إلى جميع الشخصيات الأدبية والفنية والاعلامية المؤثرة الشهيرة في تاريخ مصر السياسي في القرن العشرين.

​​يلعب الخيال في "مرسال الغرام" لعبته الكبرى، وينجح الروائي في الإمساك بخيوط هذا الخيال الثري الذي ينسجه بحرفية ملفتة مستندا إلى بعض الأحداث الحقيقية التاريخية التي مرت، مما يوقع القارئ في حيرة والتباس ما إذا كان هذا السرد الأدبي حقيقة أم لا يعدو كونه سردا أدبيا مفعما بشطحات روائي متيم بأم كلثوم بدوره. حتى أن تماهيه مع بطل الرواية سيدفعه للحصول على بطاقة لحضور الحفل الغنائي الذي أحيته أم كلثوم في مدرسة "اللاييك" في دمشق عام 1955، وهو حفل تاريخي شهير يعيد الروائي توصيفه على هواه، وكأنه وبطله قد حضرا الحفل حقا وليس في الخيال.

تقدم الرواية، ولأول مرة في عالم الأدب العربي، بحثا معمقا لعلم الصوت ودلالاته

​​منذ سنوات، تعيد واحدة من الفضائيات العربية كل مساء بث واحدة من حفلات السيدة أم كلثوم، لكنك بعد أن تقرأ "مرسال الغرام" ستختلف متابعتك ورؤيتك لهذه الحفلات، وكأنك أصبت بلوثة الرواية التي يمكن تصنيفها كرواية أدبية ـ سمعية. فتبدأ بسماع صوت السيدة بإنصات أعمق، وتراقب وقفتها على خشبة المسرح وأداءها وإحساسها وتحيلهم إلى تلك التحليلات التي جاء بها الروائي، وكيف أنجزت كل أغنية ولمن تتوجه وكل ملابساتها العاطفية والفنية.

اقرأ للكاتبة أيضا: المريض السوري.. المريض العربي

تحلل الكلمات البسيطة والعميقة التي كتبها أحمد رامي، فتكاد تلمس كل تنهيدة من تنهيدات عشقه والمعاناة التي مر بها ليخرج لمحبوبته بكل هذا الإبداع. تتأمل فرقتها الموسيقية بأعضائها العظماء وتفهم لماذا يبدو الحزن على وجه الكبير محمد القصبجي في أغنية محددة. تراقب جمهورها الجميل والأنيق وتحسده لأن الحظ حالفه يوما ليحضر واحدة من حفلاتها أو كل الحفلات.

باختصار أنت تكاد تصدق ما جاء في الرواية، أو ربما ترغب بتصديقه، وهو مكمن سحر الأدب العظيم، فكيف حين يتحدث ـ ولو بالخيال ـ عن أسطورة فنية بقامة أم كلثوم وإلهامها، والتي ربما لم تحب أحدا إلا فنها ومجدها، وهو ما يجيب عن سؤال ماهية الحب الحقيقي في الحياة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.